أحدث الأخبارشؤون اوروبيية

أزمة أوكرانيا.. أردوغان قلق وإيران تراها فرصة والشرق الأوسط يتململ

مجلة تحليلات العصر الدولية

لم يهتز القصر الرئاسي لرجب طيب أردوغان في هذا الأسبوع، من مرور ست سفن حربية روسية من البحر المتوسط إلى البحر الأسود في مضيق الدردنيل. رغم استعراض القوة هذا، إلا أن أردوغان ما زال مقتنعاً بأن تهديد روسيا بغزو أوكرانيا لن يتحقق. هكذا يعود ويؤكد في تصريحاته العلنية على الأقل. وثمة شك إذا كان لدى الرئيس التركي معلومات سرية أو تعهد حصل عليه في محادثته في بداية الأسبوع مع نظيره الروسي فلادمير بوتين، محادثة كان يأمل فيها أردوغان بالوصول إلى مكانة الوسيط بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، وتعزيز مكانته كزعيم منع اندلاع الحرب العالمية الثالثة. 
أردوغان ليس هو الزعيم الذي يتطلع إليه رؤساء روسيا والولايات المتحدة. وبوتين يفضل الحوار المباشر، ومثله جو بايدن، وكل منهما يفحص ارتفاع الشجرة التي تسلق عليها خصمه. أرسلت الولايات المتحدة جنوداً وسلاحاً إلى الدول المجاورة لأوكرانيا، في حين يوجد أكثر من 100 ألف جندي روسي مستعدون على طول الحدود الشرقية، وسفن روسية تبحر في البحر الأسود “كجزء من تدريبات بحرية خطط لها مسبقاً”، حسب تعبير الكرملين. 
إن تحذيرات واشنطن وبعض دول أوروبا، التي بحسبها ستفرض الولايات المتحدة عقوبات على روسيا، خصوصاً على أنبوب الغاز الروسي الذي يزود حوالي 40 في المئة من احتياجات أوروبا، لم تقنع موسكو حتى الآن بسحب قواتها أو اقتراح حل وسط. الافتراض الأمريكي، على الأقل العلني، هو أن بوتين ينوي غزو أوكرانيا وإسقاط حكومة فلاديمير زيلينسكي، وأن يقوم بتعيين زعيم يروقه ويحول كل الدولة، وليس الجزء الشرقي فقط، إلى أحد مكونات “عصبة الأمم الروسية”. 
يظهر أن المواجهة الروسية – الأمريكية – الأوروبية هذه تبقي الشرق الأوسط في موقف مراقب مريح وغير مشارك. وفي الوقت نفسه، توجه بايدن إلى قطر وطلب المساعدة في حالة إيقاف إرساليات الغاز من روسيا إلى أوروبا؛ وتخاف مصر وإسرائيل على مصير استيراد القمح من أوكرانيا؛ وبدأت إيران في فحص نافذة الفرص التي أتاحتها هذه الأزمة؛ وتركيا تنشغل في تحليل الاحتمالات التي أمامها، والتي تهدد كل واحدة منها اقتصادها ومكانتها الإقليمية. هكذا يتبين بأن دول المنطقة لا يمكنها الاكتفاء بالمراقبة من المدرجات في نزاعات بعيدة. 
  يبدو أن أردوغان يخاف من عقوبات قد تفرضها الولايات المتحدة على روسيا أكثر من خوفه من الحرب في أوكرانيا، التي ستجبره على أن يختار أحد الأطراف. بعد أن عاد خالي الوفاض من كييف، وجد أردوغان نفسه في شرنقة معقدة ستلتف على رقبته في كل حركة غير حذرة. أنقرة مرتبطة بروابط اقتصادية مع موسكو، بدءاً بمئات الشركات التركية التي تعمل في روسيا، ومروراً بالمليارات التي ينفقها السياح الروس في أماكن الاستجمام في تركيا، وتعاون يعترضه الكثير من العقبات في الحرب في سوريا، وشراء منظومة الدفاع الجوي “اس 400” وانتهاءً بأنبوب الغاز الذي يظهر على الخرائط مثل تشعب وريدي كثيف، الذي تنقل روسيا عبره الغاز إلى تركيا ودول أوروبا. 
جربت أنقرة في السابق المقاطعة الروسية التي دمرت صناعة السياحة فيها، بعد إسقاط طائرة حربية روسية حلقت فوق أراضيها في 2015. أمر بوتين في حينه المواطنين الروس بالتوقف عن الاستجمام في تركيا، وأغلق شركات تركية وأوقف كلياً الانتقال إليها من روسيا. استمر هذا الإغلاق ثمانية أشهر إلى أن اضطر أردوغان إلى الذهاب ودفع الغرامة والتوقيع على تحالف تعاون مع بوتين في صيف 2016. يقف على الأجندة الآن تشغيل أنبوب الغاز “تركيستريم 2″، الذي يقطع البحر الأسود مباشرة من روسيا ويتجاوز أوكرانيا لنقل الغاز إلى رومانيا وهنغاريا. المداخيل المتوقعة من رسوم المرور ضخمة، والأهم من ذلك أنها ستعطي تركيا مكانة مركز تسويق الغاز إلى أوروبا. 
يواجه المشروع بمعارضة من جانب الاتحاد الأوروبي وأمريكا، لأنه يعطي روسيا موقعاً استراتيجياً ويوسع شريحة تسويق الغاز إلى أوروبا المعطاة لها. هذا بالتحديد في الوقت الذي تسعى فيه بروكسل إلى تنويع مصادر الطاقة في أوروبا وتقليص الاعتماد على موسكو. مؤخراً، هدد بايدن بفرض عقوبات على أنبوب الغاز “نوردستريم 2″، الذي يجتاز بحر البلطيق من روسيا إلى ألمانيا، لثني روسيا عن غزو أوكرانيا. تهديده هذا شمل أيضاً إمكانية فرض عقوبات على الأنبوب التركي. صادق الكونغرس الأمريكي في السابق على فرض عقوبات، لكن بايدن جمدها في أيار من العام الماضي من محاولاً التوصل إلى حل دبلوماسي. 
أنبوب الغاز الروسي – التركي ليس المشروع الوحيد الذي تهدده إمكانية قيام تركيا بدعم روسيا في الأزمة الحالية. تبني أنقرة بصورة حثيثة “قناة إسطنبول“، التي ستربط البحر الأسود مع بحر مرمرة، وتكون بمثابة خط مواز لمضيق البوسفور. أعلنت تركيا أن القناة لن تكون خاضعة لشروط ميثاق مونترو من العام 1936، الذي ينظم حركة الملاحة في مضائق البوسفور والدردنيل ويحدد حجم الشحنات وحجم السفن التي يمكنها المرور فيها، واستهدف ضمان حرية الحركة العالمية.
ولكن الميثاق يمنح تركيا سلطة لمنع مرور سفن حربية وتجارية تمتلكها دول دون تركيا معها في حالة حرب. تخشى روسيا من أن تتحول قناة إسطنبول إلى مسار حربي لقوات الناتو، في حين أن الولايات المتحدة قلقة من إمكانية أن يسمح الأتراك لسفن حربية روسيا بالوصول إلى البحر المتوسط. تركيا، التي تعهدت لروسيا والولايات المتحدة بعدم تحويل القناة إلى ساحة حربية، ترى أمام ناظريها مكاسب ضخمة تنتظرها من القناة، تقريبا 8 مليارات دولار في السنة. 
بدأ في أنقرة بيع أراض وامتيازات مستقبلية، وتم نشر خطة للاستثمارات يشارك فيها رجال أعمال أتراك، من بينهم صهر أردوغان وشركات قطرية. أي عقوبات أمريكية على القناة قد تؤدي إلى معاقبة شركات دولية ستكون مشاركة في المشروع. هكذا، ليس الاستثمارات التركية فقط هي التي ستتحول إلى عديمة القيمة، بل إن المداخيل المستقبلية من القناة يتوقع أيضا أن تتبخر. 
  
قطر ستساعد بايدن 

إزاء مخاوف تركيا، إيران تعتبر أزمة أوكرانيا فرصة، حتى لو لم تكن فورية، كي تقدم نفسها كمصدّر آخر للغاز إلى أوروبا. اكتشاف حقل الغاز الضخم في موقع شالوس في بحر قزوين، قد يحوّل إيران إلى منتجة الغاز الكبرى في العالم، عندما سيتم رفع العقوبات النووية عنها. الفكرة القائلة بأن إيران ستكون أحد مزودي الغاز لأوروبا، طُرحت للنقاشات الفعلية بعد التوقيع على الاتفاق النووي في 2015، لكن هذه الاحتمالية شطبت من الأجندة خلال ثلاث سنوات بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. 
شخصيات رفيعة في طهران، من بينها وزير الطاقة، صرحت في الشهر الماضي بأن إيران قد تزود 20 في المئة على الأقل من احتياجات أوروبا للغاز. ولكنه تصريح نظري في هذه الأثناء، ليس بسبب العقوبات فقط، لأن عملية استخراج الغاز من الحقل الإيراني وبناء الأنبوب أو المرافق لإسالة الغاز يتوقع أن تستمر لفترة طويلة. أوروبا لن تنتظر حتى ذلك الحين، لكنه خيار حقيقي. وحتى لو لم يتحقق تهديد غزو أوكرانيا، فإنه سيستخدم كمسرع لاعتبار إيران أحد مزودي الغاز المهمين لأوروبا. 
من يمكنه استغلال الأزمة لصالحه هي قطر، التي تجلس على خزان الغاز الأكبر في العالم، الذي هي فيه شريكة مع إيران. حاكم قطر، الشيخ تميم بن حمد آل الثاني، وعد بايدن بمساعدة أوروبا إذا قامت روسيا بوقف ضخ الغاز. ولكن قطر ملزمة باتفاقات بعيدة المدى لتزويد الغاز لشرق آسيا، وليس واضحاً مدى احتياطي الغاز السائل المخزن في هذه الدول ومتى سيكون جاهزاً لإرساله إلى الاتحاد الأوروبي. 
حصلت قطر في هذه الأثناء على مكاسب سياسية مهمة عندما أعلن عنها بايدن في نهاية كانون الثاني كحليفة كبيرة ليست عضوة في الناتو، وهذه مكانة تمتلكها 18 دولة في العالم، وأيضاً دولتان من دول الخليج فقط وهما الكويت والبحرين. هكذا حصلت قطر على سبيل للوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية، وبتسهيلات كبيرة في شراء السلاح والمعدات القتالية وبمكانة مفضلة في أوساط دول الخليج. يبدو أن التعاون الاقتصادي والعلاقات السياسية الوثيقة بين الدوحة وطهران لم يزعج الإدارة الأمريكية في احتضان هذه الدولة الصغيرة التي فيها القاعدة الأمريكية الأكبر في الشرق الأوسط. 
تسعى دول أوروبا والولايات المتحدة بشكل حثيث للعثور على بدائل للغاز الروسي، التي ستحررها من الاعتماد على موسكو وتقلص روافع بوتين للسيطرة والتأثير على الاقتصاد الأوروبي. هذا السعي، الذي يتركز الآن في العثور على حلول للمدى القصير، يلزم ببناء استراتيجية عالمية جديدة حول مصادر الغاز، على الأقل حتى ينتقل العالم إلى الطاقة المتجددة بصورة توفر احتياجات السكان. 
لا ينحصر السؤال فمن يمكنه توفير بضعة ملايين أخرى من أطنان الغاز يومياً من أجل تدفئة أوروبا، بل كيف سيتم توزيع مصادر الغاز بحيث لا تكون هناك قوة زائدة في أيدي عدد من الدول، التي ربما ستقلل من قوة روسيا، ولكن في الوقت نفسه تزيد من قوة وزنها كقوة مهددة. تحولت أزمة النفط في السبعينيات إلى ذكرى بعيدة، ومثلها أيضاً انهيار الاقتصادات التي جاءت في أعقابها. ولكن مقاطعة الغاز تقتضي رسم خارطة جيوسياسية تكون فيها دول الشرق الأوسط شريكة في العمليات الدولية والعمليات بين الدول العظمى. 
في ساحة الصراع على تزويد الطاقة العالمية، يبدو أن عرض الرعب الذي تقدمه روسيا الآن إزاء أوكرانيا يشكل مثالاً قوياً على معنى الاعتماد على مزودة طاقة رئيسية. وثمة مثال هادئ أكثر، لكنه مهدد بدرجة لا تقل عن ذلك، وهو سيطرة الصين على مصادر الطاقة. الاتفاق متعدد السنوات الذي وقعت عليه الصين مع إيران يضمن لها حق الأولوية وأفضليات في أسعار استخراج النفط والغاز الإيراني. 
اتفاقات الغاز التي وقعت عليها مع تركمانستان وأذربيجان، إلى جانب اتفاق لتزويد 3.5 مليون طن غاز سنوياً لمدة 15 سنة، الذي وقعت عليه مع قطر، تجسد المنافسة المتوقعة في السنوات القريبة القادمة على حقول الغاز. المنافسة التي تضم دولاً عظمى ستتحول إلى معتمدة أكثر في قدرتها على التأثير وفي تقربها من أنظمة ودول هامشية حاكمة، وعلى سوائل حيوية. 

Related Articles

Back to top button