أحدث الأخبارالثقافة

أسباب فشل الثورات الشعبية..

مجلة تحليلات العصر

السبب الرئيسي : عدم وجود مشروع تغييري واضح المعالم والأفق..

وهذا السبب له اسبابه !! ، ومنها:

1. ندرة المفكرين داخل الحركات التغييرية:
فالحركات التغييرية غالباً ما تصاب بندرة المفكرين القادرين على صناعة التصورات الكبرى، والعاكفين على مطاردة الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الواقع وملاحقتها بأجوبة مفعمة.
بل قد تتجنب أحياناً وجود ذلك النوع من المفكرين !!، الذي يكثر من طرح الأسئلة..، كونه يمثل مصدر إزعاج. فهو يزعجها بطنين الأسئلة، ويحرجها إذ تكتشف أنها لا تمتلك أجوبة على أسئلته !!. كذلك ينغِّص المفكر عليها صفوها حين يفتش في التاريخ وينبش فيه محاولاً أن يقِّيم التجربة التاريخية.. !! وتزداد هذه السمة في الحركات الأيديولوجية التي تثق بأفكارها بشكل لا يقبل النقاش !!. وبالتالي فهي غير مستعدة لأن يناقشها أحد في جذور الأفكار التي بنت على ضوئها تصوراتها. ومن ثم سبب الوجود الأصلي ومبرره.

هذه الروح الشرسة ! المتحفزة ! ضد الأسئلة المتعلقة بجوهر وجود الحركة عادة ما تجعل الحركة وسطاً طاردا للمفكرين، وتجعلها تكتفي بأصحاب المستوى الثاني من التفكير، الغير القادرين على التفكير استراتيجياً وتكتيكياً !!، بل وأحياناً القفز مباشرة إلى ساحة الصراع ، فتشرع في تنفيذ تكتيكات تخدم أهدافاً واهية، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية لاحقاً.

2. هيمنة التنفيذيين على القيادة:
وبناء على ندرة المفكرين.. يتسلم القيادة أناس أقرب للتنفيذ منهم للتفكير النقدي والبعد الاستراتيجي، وهم في الغالب لا يشعرون أصلاً بوجود مشكلة تتطلب مراجعة ونقاش وبحث في جذور الأفكار !!، فبالنسبة لهم المسار واضح، والطريق معروف، بقي فقط أن يتم حشد الناس له وتحفيزهم للمسير فيه !!. هم دائماً في انشغال بالمستوى التكتيكي وردود الأفعال ولا يتفكرون في المستوى الفلسفي إلا قليلاً !!. ومن ثم فإن “محرار” الشعور بالأزمة لا يعمل إلا على المستوى التكتيكي التنفيذي، أما على المستوى الفلسفي والاستراتيجي.. فقد ماتت لديهم أعصاب الحس والشعور !!.

3. خداع الأيديولوجيا:
فإذا كانت حركة التغيير منطلقة من أيديولوجيا دينية متطرفة ! أو أيديولوجيات أخرى كالقومية ! ، فإن معظم الأيديولوجيات من شأنها أن تشوه النظرة إلى الواقع، لأنها تشعر معتنقها أنه بالفعل يحمل كل الحلول الجاهزة لمشاكل الواقع ! ، وليس مطلوباً من الناس سوى أن يتبعوه ليطبق هذه الرؤية !. فالأيديولوجيا قد تصيب صاحبها بمرض اليقين !!، حيث يتوهم أن كل ما وصل إليه من أفكار صواب ! ، وأن عقله لم يخذله قط ! .
وأنه ليس بحاجة إلى المزيد من النظر في الواقع !، وبلورة التصورات بشكل أكثر دقة ووضوح !. فيظن أن الشعارات التي يحملها هي عينها الحلول التفصيلية للواقع ! . ومن نماذج خداع الأيديولوجيا ما حدث في مطلع القرن العشرين من خداع الفكرة النازية للأمة الألمانية، فخلقت تصورا خاصاً عن الجنس الألماني وأحقيته بسحق الآخرين !!، وبالتالي فشل رغم كل تلك القوى والقدرات.

4. التمسك بالطرح التاريخي:
في حالة أن الحركة ضاربة الجذور تاريخيا، فلا تجرؤ على مراجعة أقوال المؤسسيين !!، أو التخلي عن بعض أطروحاتهم الجوهرية، خاصة إن كانت تعتمد في حشدها على تاريخها العريق، الذي يعتبر مادتها التسويقية الوحيدة حين يخلو واقعها من الإنجازات !!.
وهي تعتبر أي مراجعة فكرية على مستوى الأهداف والفلسفة نيلاً من تضحيات من ضحوا على الطريق، وهزاً للجذور التاريخية، وإقلاق الموتى من القيادات التاريخية للحركة !!، وهو ما تتجنبه الكثير من الحركات التاريخية، التي تدافع عن موتاها وماضيها أكثر من دفاعها عن أحيائها ومستقبلهم !! .

5. الخوف من المصير:
فأغلب الحركات تتأسس بناء على عناوين عامة، مثل مقاومة الظلم، أو مقاومة الفساد، أو مقاومة الاحتلال، أو غيرها. دون أن تطرح تصورات حقيقية لما بعد إقصاء الظالم ! أو إسقاط الفاسد ! أو إخراج المحتل !.

فإذا لمستْ هذا الخلل على المستوى الفلسفي تبدأ بعد ذلك في التفكير والبحث عن سبب ربما أعمق للوجود، ومن خلال طرح الأسئلة التي تشخص الواقع بشكل علمي وموضوعي، تتكشف أمورا لم تكن في حسبان الفريق المؤسس !!. إذ قد يكون التغيير – بناء على التشخيص الدقيق – في حاجة إلى عملية اختراق لمؤسسات الدولة الفاسدة، أو إلى تنظيم مجموعات محلية من أجل بناء مجتمع قوي، فتكتشف الحركة أنها لم تتأسس لهذا الغرض، وأن طبيعة المنتسبين إليها لا تتناسب مع الهدف !!.
وبالتالي تحرص على الاستمرار فيما كانت تمارسه، وتتجاهل نتائج البحث الفلسفي في الأسئلة المتعلقة بجوهر الوجود وجدواه، لأن الإجابة قد تكون غير مرغوب فيها !!، فقد تقول بعدم جدوى بناء الحركة، أو استمرارها بنفس الشكل.
وهنا تحار الحركة !! ماذا تفعل مع أعضائها؟! وكيف تقنعهم أنهم متمسكون بأداة غير فعالة ؟! وهل تواجههم بالحقيقة فيتفلتون غاضبين ويتيهون في صحراء الفعل والاستقطاب؟!

وهذا التحدي تواجهه الحركات التي بدأت عفويا وتكتيكياً قبل أن تؤسس فلسفياً بشكل كبير وواضح، أو التي تأسست على فلسفة ضعيفة ومشوهة ومضطربة، أو تلك التي عاصرت لحظات تحول تاريخية !! فأصبحت فلسفتها غير مناسبة لتفسير الأوضاع الجديدة، أو في الحركات التي تطاول عليها العمر وأصبحت فلسفتها مليئة بالفجوات نتيجة الهرم وفعل الزمن !.

وهذا ما نراه جلياً في الحركات التي تصل إلى الحكم قبل أن ينضج لديها تصور مشروع التغيير وإمكاناته الشعبية الداعمة، ومعرفة اطراف الصراع في ساحة التغيير !!!، فتجلب على بلدانها الويلات ، والاضطراب، والتدخل الخارجي، والتشتت الداخلي !!!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى