أحدث الأخبارايرانمحور المقاومة

أسرار القوة الإيرانيّة الذكرى الـ 42 للانتصار

مجلة تحليلات العصر الدولية - ناصر قنديل

▪️عندما تقول الدولة الأعظم في العالم على لسان رئيسها المنتخب حديثاً إن أولويتها هي العودة الى اتفاق سبق ووقع مع دولة وألغته إدارة سابقة، وتكون الدولة المعنيّة هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، فهذا يعني أن هذه الدولة نجحت ببناء القوة والاقتدار بحيث صار المسار التفاوضي السلمي هو الطريق الوحيد الممكن لحل القضايا العالقة معها، ويعني الاعتراف بفشل خيارات الحروب والضغوط والعقوبات، ويعني أن هذه الدولة نجحت بتحويل حضورها، سواء في الملف التقني المتطور لمشروعها النووي أو في حجم تأثيرها على العناصر التي تتشكل منها اللوحة الاستراتيجية في المنطقة الأهم في العالم التي تتوسّطها إيران وتسمّى بالشرق الأوسط والتي تتركز فيها موارد الطاقة، والممرات والمضائق المائية التجارية الاستراتيجية، ويقع في قلبها الكيان الأهم في حسابات الغرب الذي يمثله كيان الاحتلال الواقع تحت رحمة تنامي قوة إيران وقوى المقاومة. وهذا معنى أن يقول الخبراء الأميركيون أنه لولا إيران بعد الثورة الإسلامية لكانت كل الأزمات الأميركية بما فيها مع روسيا والصين قابلة للاحتواء، وأنه لا يمكن مقارنة التحدي الإيراني بتحدّي حرب فييتنام، ولا حتى بتحدّي ظهور الصين على المسرح الدولي، فالتحدّي الإيراني يفوقها جميعاً من حيث الجدية والاستمرارية.

🔹السؤال الذي يطرحه الخبراء الغربيون وغيرهم حول كيفيّة تمكن الجمهورية الإسلامية من تحقيق هذا الصعود الكبير خلال أربعة عقود، بالمقارنة مع دول تملك مقدرات عظمى، عالمية وإقليمية، يصطدم بالطريقة التقليدية للتفكير والتحليل المستمدّة من نمطية غربية مهيمنة على مدارس السياسة والتاريخ وعلم الاجتماع حتى في غير الغرب، خصوصا عندما تقارن التجربة الإيرانية المستمرة في الصعود المفتوح، بتجربة الاتحاد السوفياتي التي انطلقت مع ثورة 1917، وتنامي نهضة الأحزاب الشيوعية في العالم، وتبوّء موسكو موقعاً قيادياً في منظومة الدول الساعية للتحرر والاستقلال، والتي فقدت بريقها بعد أقل من ثلاثة عقود في الحرب العالمية الثانية كقوة ثوريّة، وتحوّلت الى مجرد دولة عظمى تتقاسم النفوذ مع الدول الغربية، ضمن ضوابط المصالح المتبادلة. وعندما تعرّض العملاق السوفياتي لشح في الموارد، دون ما تعرّضت له إيران ولا تزال بكثير، بدأ الانهيار والتفكك، وظهر أن جمراً تحت الرماد كان يسكن الدول التي كانت تبدو حليفاً شيوعياً موثوقاً، لم تلبث ان انهارت من دون حرب، وتحولت الى دول اعضاء في الحلف الأطلسي.

🔸ربما تشكل المقارنة مع التجربة السوفياتية فرصة لفهم أقرب للتجربة الإيرانية، فأوجه التشابه القائمة لجهة المقارنة بين ثورتين قامتا على بعد عقائدي وتطلعتا لتشكيل مركز استقطاب على المستوى الدولي، تتيح تظهير أسرار القوة الإيرانيّة وتميز مصادرها، خصوصاً في كيفية تفادي الوقوع بما أصاب التجربة السوفياتية من أمراض وثغرات، مع الأخذ بالاعتبار تفوق العقيدة التي تستند إليها الثورة الإسلاميّة من بُعد روحي نابع من إيمان ديني صادق، لجهة ما يوفره من بحث عن حياة أخرى، شرطها تطبيق صارم لمنظومة قيم وقواعد تنتظم تحت عنوان السعي لمرضاة الله، لكن هذا العامل لا يستطيع الإجابة عن سبب فشل تجربة موازية كتلك التي خاضها الأخوان المسلمون في مصر، خلال أقل من سنة من وصولهم إلى السلطة، على أكتاف ثورة شعبيّة شكلوا التنظيم الأقوى في مكوناتها، توجت عبر انتخابات ديمقراطية حملتهم الى السلطة، في بلد لا يملك موقعاً جغرافياً وسياسياً ومكانة وحجماً بما يجعل المقارنة مع إيران واقعية، بينما تعادل النموذجان السوفياتي والإيراني في التمسك بقرار مستقل وبناء قوة عسكرية مقتدرة والسعي لتحقيق أعلى درجات الاكتفاء الذاتي.

🔹نجحت إيران بتفادي مخاطر تعدّد القوميات الذي أدى إلى تشكيل الفالق الحاسم في تفكك الاتحاد السوفياتي، بتحويل الإسلام من مجرد عقيدة إلى هوية للدولة الأمة، بالاستناد إلى تراث حضاريّ ثقافي زاخر يوفره الإسلام وتعجز عن توفيره أي عقيدة أخرى، ويشكل إطاراً مفتوحاً نحو الدول والقوميّات الواضعة خارج حدود إيران، وخصوصاً ما كان يعرف ببلاد فارس تاريخياً، والتي لا تزال للغة الفارسيّة فيها مكانة ثقافية واجتماعيّة، وشكل هذا الحل العبقريّ الذي ابتكره الإمام الخمينيّ مصدراً لتشكيل صعود الهوية الجديدة كبديل يحل مكان الهوية القومية التقليدية، التي تحوّلت الى هوية من الدرجة الثانية، التي تحظى بالاعتراف والاحترام من الدولة الإسلاميّة، وبالتوازي نتج عن هذه الهوية للدولة الأمة، تحديد هدف عنوانه فلسطين ومقدّساتها كحق ومسؤولية بالنسبة لكل دولة او حركة إسلامية، فصار ما يُعرف بالنفوذ الذي تشوبه عملية استغلال انتهازية لقضايا الآخرين في حالة الاتحاد السوفياتي، التزاماً بقضية عقائدية بالنسبة لإيران تلزمها وتلتزم بها مع الآخرين بصفتها قضيتهم المشتركة. وبينما تشيخ قضايا النفوذ وتهرم وتنكشف، تبدو قضية فلسطين أكثر ما يختصر ويختزن قضية الصراع مع مشروع الهيمنة الأميركية على العالم وليس على المنطقة فقط، بحيث إنها قضية قابلة للحياة لأمد غير قصير، ويرتبط حلها وفق مضمون الالتزام الإيراني، بتحقيق إصابات بالغة وقد تكون قاضية بحضور الدولة الأعظم المهيمنة على العالم، ويعني هذا الحل تغييراً جذرياً في هوية دول المنطقة وتوازناتها، وأشكال وهويات أنظمة الحكم فيها، وفقاً لاصطفافاتها على خطوط الاشتباك حول هذه القضية.

🔸نجحت الجمهورية الإسلامية بخلاف الاتحاد السوفياتي، رغم فوارق الالتزام بالعقيدة لصالح قوة نفوذها وتأثيرها في الحالة الإيرانية قياساً بالاتحاد السوفياتي، بالتحرر من القوالب الجامدة تحت عنوان الالتزام العقائديّ، فبنى الإسلام في إيران دولة عصرية، تأخذ كل مخرجات علوم السياسة والعمران والقانون والإدارة وكل عناصر الحداثة العلمية في البحوث والدراسات، من الانتخابات وتداول السلطة الى البورصة وصولا الى الاستنساخ البيولوجي، وحولت العقيدة الى عامل صناعة الضوابط والكوابح لا توليد المطلوبات، فكل شيء ينتجه العلم مقبول ما لم تكن الموانع العقيديّة ذات تبريرات صارخة ووازنة بدرجة لا تقبل التأويل. فالدين يهتم بالتدقيق في ما يستحق المنع، والباقي مسموح بل مطلوب، والمنع يستدعي مراجعات من مؤسسات متعدّدة تراقب وتدقق في مندرجات الطلب والمشروعية والمصلحة، فعملت العقيدة من الخارج الى الداخل بحيث يتم تلقي كل وارد من الخارج، وتتولى العقيدة في الداخل بعضاً قليلاً نادراً من التدخلات، بينما في التجربة السوفياتية كانت العقيدة تشتغل من الداخل الى الخارج، فعليها هي أن تستولد نماذج جديدة في العلم والتربية والاقتصاد والاجتماع وصولاً الى مخرجات العلم. وبالتوازي نجحت إيران في اعتماد نموذج لممارسة الحكم يعمل من تحت الى فوق، حيث الشعب صاحب سلطة فعليّ، والمرشد كممثل للعقيدة عنصر ضبط إيقاع وتوازنات بين العناصر والقوى والقضايا والمصالح والقوميّات، بينما قام النموذج السوفياتي على العكس، أي من فوق الى تحت، فقيادة الحزب تعين السلطات وتدمج وتذيب المكوّنات، وتلغي الخصوصيّات، وتدير وفق نمطية عقائدية تقوم بصياغتها ما يجب أن يكون عليه المجتمع.

عن الكاتب

رئيس المركز at | الموقع الالكتروني | + المقالات

المعلومات الشخصية
الميلاد: سنة 1958
مواطنة: لبنان

مؤهلاته العلمية
رئيس المركز وكالة أخبار الشرق الجديد

نشاطه السياسي
أحد مؤسسي المؤتمر الدائم للعلمانيين اللبنانيين الذي يرأسه المطران غريغوار حداد عام 1986.
تأثر بأفكار الأحزاب اليسارية والناصرية، وانضم لـ "رابطة الشغيلة" عام 1975 والقيادة المركزية حتى عام 1989.
ناضل في سبيل الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويكافح من أجل العدالة والمساواة والتضامن.
شارك عام 1978 أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في اعمال مقاومة لبنانية خلف خطوط الاحتلال.
شارك في القتال على محاور الجبهة الجنوبية من بيروت أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخصوصاً في معارك مطار بيروت الدولي.
تولى مهام التنسيق السياسي في الاعداد لانتفاضة 6 شباط 1984 التي حررت العاصمة بيروت من القوات المتعددة الجنسيات وادت إلى إسقاط اتفاق 17 أيار
ربطته بالرئيسين العماد إميل لحود ونبيه بري علاقة سياسية متينة، كما أظهر تعاطفًا كبيرًا مع الحركات الراديكالية الفلسطينية.
نائب لبناني سابق مقرّب من حركة امل وحزب الله وسوريا، داعم للمقاومة.
وثق علاقاته مع حركة «أمل» وعمل مستشاراً لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ (الراحل) محمد مهدي شمس الدين.
انتخب نائبًا في البرلمان اللبناني في دورة العام 2000 على لائحة الرئيس رفيق الحريري وانضم إلى كتلته البرلمانية عن المقعد الشيعي في مدينة بيروت، قبل أن ينفصل عنه ويستقل في خطه السياسي ونهجه ورؤيته الوطنية والقومية.
في إطار نشاطه النيابي كان مقررًا للجنة الإعلام والاتصالات وعضوًا في لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين.
عضو كتلة قرار بيروت ومقرر لجنة الاعلام والاتصالات النيابية وعضو لجنة الشؤون الخارجية.
أحد مؤسسي منتدى الحوار الاهلي الحكومي عام 2001 الذي يعنى بإدارة الحوار بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني حول القضايا الساخنة.
حائز على مركز أحد الأوائل الاربعة لأفضل خطاب نيابي في مناقشات الموازنة حسب استطلاع رأي مركز الدراسات الدولية للمعلومات لعام 2003 والمنشور في جريدة النهار اللبنانية.

في حقل الإعلام
تولى أثناء انتفاضة شباط 1984 الاشراف على وزارة الاعلام والتلفزيون الرسمي.
أنشأ جريدة الدنيا «الحقيقة» (1985) واسس إذاعة المقاومة عام 1985 وإذاعة "صوت المقاومة الوطنية" عام 1987.
ساهم في تأسيس "تلفزيون المشرق" عام 1988.
شغل موقع رئيس تحرير صحيفة الديار عام 1990، ورئيس مركز كون للدراسات الاستراتيجية.
أشرف على أول بث فضائي لبناني جامع للمؤسسات التلفزيونية أثناء العدوان الإسرائيلي في نيسان 1996 ومجزرة قانا تحت اسم "اخبار لبنان".
اختير إلى عضوية «المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع» فور تأليفه في 7 أيار (مايو) 1999 مدعوماً من رئيس مجلس النواب نبيه بري،
انتخب نائبًا للرئيس سنة 1995، وترأسه في 11 حزيران (يونيو) 1999حتى عام 2000 موعد انتخابه نائباً عن العاصمة بيروت.
حائز على المركز الأول لأفضل اعلامي لعام 2000 في استطلاع رأي مركز ماء داتا عن دوره كرئيس لمجلس الاعلام وكمحاور اعلامي أثناء تحرير الجنوب.
حائز على المركز الأول لأفضل اعلامي لعام 2001 في استطلاع رأي الشبكة الوطنية للارسال عن ادائه كمحاور تلفزيوني.
أطلق في أكتوبر 2011 شبكة توب نيوز الإخبارية

من نشاطه
أسس مركز الدراسات الاستراتيجية "كون" عام 1991
عضو شرف في جمعية الاجتماع العالمية - كوريا.

مؤلفاته
"6 شباط الثورة التي لم تنته" في تأريخ احداث الانتفاضة عام 1984 التي حررت بيروت من القوات المتعددة الجنسيات.
"نحو فهم أدق لإشكالية الإسلام المسيحية الماركسية" حوارات مع السيد محمد حسين فضل الله والمطران غريغوار حداد عام 1985.
"هكذا تفجر البركان" عن احداث اليمن عام 1986.
"ماذا يجري في موسكو؟" عن مقدمات الانهيار في الاتحاد السوفياتي عام 1987.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى