أحدث الأخبارالعراق

إسـتـراتـيـجـيـات وعـقـبـات عـالـمـيـة الأربـعـيـن

صالح الصيرفي .

العصر-دراسة كتبتها باللغتين العربي والإنگليزي بناءا على دعوة وجهت لي للمشاركة في المؤتمر الدولي الأول “الأربعين تجسيد للقيم السماوية والإنسانية” الذي أقامته جامعة أردبيل الإيرانية العام الماضي 2021 وقد وجدت من المناسب نشرها هذا العام 2022

بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 ، صدر كتاب بعنوان MILITANT ISLAM ، لكاتب اسمه Godfrey H Jansen ، مضمون الكتاب ، عبارة عن مشروع لاحتواء الثورة الايرانية والقضاء عليها ، انطلاقا من فكرة أو قصة ذكرها الكاتب ، في الطبعة الأولى الاصلية فقط من هذا الكتاب ، ملخصها ؛ قبل إستيلاء الانگليز والفرنسيين على الدولة العثمانية بعدة سنوات ، ( منتصف القرن السابع عشر ) ، قاموا بعمل دراسة حول سبب قوة الانسان المسلم ، الذي يمتلك قوة جبارة ، ادت الى تأسيس دول قوية جدًا ( الاموية والعباسية والعثمانية والفاطمية والاندلس ) ، وعلوم إنسانية كبيرة ، وبناء حضارة واسعة جدا مكنت المسلمين ان يغزوا العالم ، من المحيط الاطلسي الى فيينا عاصمة النمسا وبعد انتهاء الدراسة ، وجدوا ان الطفل المسلم من عمر( 3) ثلاثة سنين الى (6) ستة سنين كان يذهب الى دور الكتّاب ( كتاتيب تحفيظ القرأن الكريم ) ، ويحفظ القرآن في ستة سنين ، وبعدما يحفظ القرآن ، في السنة السابعة (7) يحفظ ألفية بن مالك ، يعني ألف بيت من الشعر الفصيح مع قواعدها النحوية ، وعندما يحفظ الطفل المسلم 50 الف كلمة من القرآن و 1000 الف بيت شِعر من الفية بن مالك ، ( هذا يعني ان الطفل المسلم بلغ أعلى درجات الذكاء اللغوي ) ، والدراسات العلمية الحديثة تقول ، ان القدرة السريعة على استيعاب العلوم ، والقدرة على الابداع ، يعتمد اعتمادا مباشرا وكليا على درجة الذكاء اللغوي !!فكلما حفظ الطفل أكبر كمية من الكلمات ، كلما كان ابداعه أكبر وقدرته على استيعاب العلوم أكثر ، بكثير ممن يحفظ بضعة الالاف قليلة من الكلمات !!
وهنا شخصوا ووضعوا أيدهم على السر المعرفي والحضاري في قوة المسلمين ، وهو ( كتاتيب حفظ القرآن ) ، التي هي السبب والسر وراء هذا التقدم العلمي والحضاري ، وهذا التوسع الجغرافي للدولة الاسلامية !! عندها قرر نابليون في حينه ، غلق كافة الكتاتيب القرآنية ، في كافة المستعمرات الفرنسية المسلمة ، وفرض عليهم تعلم اللغة الفرنسية بالقوة ، ثم دعى نابليون الى فتح علم جديد ، سموه علم الاستشراق الاسلامي ( المستشرقين ) ، الذي يصفه المفكر والكاتب الفلسطيني ادوارد سعيد ، بقوله أن الاستشراق سياسة ، و معرفة ، لها منهج معين ، لا مكان فيه للعمل الفردي ، انه عمل جماعي ، شارك فيه كل مكونات المجتمع الغربي: المفكر ، والمثقف باسم المناهج العلمية، الراهب والقسيس ورجل الدين ، والسياسي المحنك.
اما الانگليز ، فعمدوا الى استبدال الكتاتيب ، وأسسوا لنا المدارس ( الحديثة) ، والتي هي في الحقيقة ( المدارس المتخلفة) ، ووضعوا الى العرب والمسلمين ، المناهج التي تدرس الطالب المسلم ، من سن 7 سنين المدرسة الابتدائية ، الى 24 سنة فترة التخرج من الجامعة ، وهو لا يحفظ من اللغة العربية المنهجية ، إلا 3000 الاف كلمة فقط ، من مجموع 90 الف كلمة في القرآن والشعر والنحو !!
من هذه القصة ، يمكننا القول ، ان لا أحد يفهم ، اهمية الاسلام ودوره في الحياة الانسانية ، أكثر من الغرب المسيحي – اليهودي . وأقصد بذلك ، المنظومة المعرفية الغربية ، التي تتشكل من (علماء الفكر ، والفلسفة ، والاستشراق ، والاجتماع ، والسياسية ، والاقتصاد ) وفي هذا السياق ، يذكر الشيخ السلفي محمد رشيدرضا 1935 ، في مجلة المنار ، ( قال احد المستشرقين ، وهو من العلماء الالمان المتعصبين لجنسيتهم ، ينبغي على المانيا ، ان تقيم لمعاوية بن ابي سفيان ، تمثال من الذهب ، في اعظم ساحة من عاصمتنا برلين ، وينبغي مثل ذلك في جميع عواصم دول اوربا … اذ لولا معاوية بن ابي سفيان ، لكانت هذه الشعوب الاوربية والامريكية كلها عربية ، وتدين بالاسلام ) .
ومن هذا القول ، نستنتج ، بان الغرب يعي ويدرك ، ويفهم جيدا ، دور واهمية الامامة ، بعد النبوة ، في عالمية الدين الاسلامي ( كما في قوله تعالى: “تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً” (الفرقان: 1).
وكذلك في قوله تعالى (وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً” (الإسراء: 106)
أو في قوله تعالى( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ). سورة ص 87 ـ 88
وان النبي محمد (ص) هو رسول للعالم أجمع ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء:107
وان المشروع النبوي الامامي مشروع حضاري وانساني واخلاقي ونهضوي وتنموي … كما في قوله تعالى (رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ …) الطلاق 11
وقد نلمس هذا الإستيعاب الكلي لأهمية ودور الإسلام المحمدي العلوي القرآني في المنظومة الفكرية الغربية من خلال أقول فلاسفتهم ومفكريهم والتي منها على سبيل النثال لا الحصر :
يقول مايكل هارث ، وهو فيزيائي فلكي يهودي امريكي ، في كتابه ” المائة الأعظم تأثيرا في التاريخ (the 100 : A Rannking of the Most Influuential Person in History
يقول : محمد صلى الله عليه وسلم ، كان الرجل الوحيد ، في التاريخ ، الذي نجح بشكل منقطع النظير ، على المستويين الديني والدنيوي .
ويقول رودي بارت Rudi, Part
عالم ألماني معاصر ، اضطلع بالدراسات الشرقية في جامعة هايدلبرج : رأيت في النبي العربي صلى الله عليه وسلم ، مشرّعاً حكيماً ، ورسولاً للفضيلة ، وناطقاً بكلمة الدين الطبيعي الفطري ، ومبشّراً به .
اما استاذ العلوم الانسانية الكاتب والاديب الالماني غوته … يقول : إننا أهل أوروبا ، بجميع مفاهيمنا ، لم نصل بعد ، إلى ما وصل إليه محمد ، ولن يتقدم عليه أحد•
من هنا يأتي الدليل على قولنا اعلاه ، ان الغرب ، فهم المشروع النبوي الامامي ، فهما عميقا وجوهريا … فلقد شخصوا الأبعاد الحضارية ، للتعاليم النبوية والامامية ، المتعلقة بالقضايا التي تهم الناس عموما ، وأبناء الغرب خصوصا ، كالاهتمام بالعلوم ، والمعارف ، وبناء واصلاح الانسان والمجتمعات ، والبناء العمراني للاوطان والدول ، والاهتمام بحقوق الإنسان ، وحقوق المرأة ، والحفاظ على البيئة ، والرفق بالحيوان ، والتنمية الاجتماعية ، والقيادة الشخصية ، والتنمية الفكرية ، والآداب السلوكية ، والتعاملات مع الشعوب الأخرى ، على اختلاف أطيافها وثقافاتها وأديانها ، وحضارتها، بالإضافة إلى نبذ العنف والتطرف ، وإظهار سماحة الإسلام ، والجوانب الإنسانية والحضارية ، في شخص النبي صلى الله عليه وسلم ، في تعامله مع غير المسلمين.
وبما ان المشروع الحسيني ، هو امتداد للمشروع النبوي الامامي ، («إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي محمد ، أريد أن آمر بالمعروف ، وأنهي عن المنكر ، فمن قبلني بقبول الحق ، فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا ، أصبر ، حتى يقضي الله ، بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».
اذن ، نهضة الإمام الحسين عليه السلام ، هي نهضةٌ حضارية إنسانية ، في جميع أبعادها، فهي إنسانيةٌ في دوافعها ، وأسبابها ، ومنطلقاتها ، وأهدافها ، وهي حضارية ، في مضمونها ، ومحتواها ، ورسالتها .
وشخصية الإمام الحسين ، هي امتداد لشخصية النبي محمد ص ، والامام علي ع ، شخصيةٌ مليئة بالمواقف الإنسانية ، والتعامل الإنساني، نحن لم نستطع -لحد الآن– إلا بصورة محدودة ونسبية ، إيصال رسالة الإمام الحسين عليه السلام الإنسانية ، إلى كل الناس ، وإلى كل إنسان في هذا العالم!
يمكن القول ، بأن كل الناس يعرفون (مانديلا) أو (غاندي).. أينما ذهبت في هذا العالم، ولكن لا زال الإمام الحسين عليه السلام، بالرغم من انتشار ، القنوات الفضائية ، إلا أننا لا نزال مقصرين في إيصال رسالته الإنسانية، وإيصال المضامين الإنسانية ، لنهضة الإمام الحسين عليه السلام إلى العالم.
وكما قلت في مقدمة البحث ، لا أحد يفهم ، اهمية الاسلام ودوره في الحياة الانسانية ، أكثر من الغرب المسيحي – اليهودي. وأقصد بذلك المنظومة المعرفية الغربية ، التي تتشكل من (علماء الفكر ، والفلسفة ، والاستشراق ، والاجتماع ، والسياسية ، والاقتصاد ) كذلك يمكنني القول ، ان لا احد فهم الامام الحسين ع ، ونهضته ، ومشروعه الانساني ، أكثر من الغرب المسيحي – اليهودي ، وفي هذا الصدد ، انقل لكم من ذاكرة علماء ومفكري الغرب والعالم مقولاتهم بحق الامام الحسين وكربلاء …

من هذه المقدمة ، نخلص الى ، أن المستعمر الغربي المسيحي واليهودي ، شخصوا وعرفوا نقاط قوة هذه الامة ، وقالوا ، ان المرتكز الاول ، في قوة الامة الاسلامية ، هو القرآن الكريم ، فعملوا على إماتته ( موته ) ، اما المرتكز الثاني ، فهو ثورة الامام الحسين ، ونهضته ، فعملوا الى تحجميها ، وحصرها ، في الطائفة الشيعية ، وفصلها عن باقي عموم المسلمين ، ثم عادوا الى الشيعة ، وعملوا على تشويه الثورة الحسينية ، وتحويلها الى طقوس موسمية ، مليئة بالممارسات الشاذة ، وترهات التاريخ والتراث !!

وبناء عليه … مالعمل ؟ .

العلّامة الراحل السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي ، لدية مقولة ، أو قاعدة ذهبية ، يمكن أن تكون إستراتيجية إعلامية ، نستخدمها في عالمية الاربعين ، وليس الى (عولمة الاربعين) ، لإن كما تعلمون ، هناك فرق بين العالمية والعولمة ، والاولى هي عكس الثانية ، لذا انا ادعو الى عالمية الاربعين ، التي تعني ؛ الانفتاح ، وتلاقح الافكار ، وتبادل المعرفة ، والتعامل الراقي مع كافة الشعوب .
الاستراتيجية الاولى : هي القاعدة الذهبية ، للسيد عبدالحسين شرف الدين ، التي تقول :
( لاينتشر الهدى إلا من حيث أنتشر الضلال ) .
الاستراتيجية الثانية : أهداف الثورة الحسينية ، والتي ترتكز على :
الثنائية الاولى : التوحيد والعدل .
الثنائية الثانية : الحرية ورفض الظلم .
الثنائية الثالثة : الاصلاح والتغيير .

الآليات وأدوات التطبيق :
لايغفل عن بال أحد ، أننا نعيش في عصر المعلومات ، التي حولت العالم الى قرية صغيرة ، بفضل الثورة الرقمية ، وتطور تقنيات الاتصال ، وبرامج التواصل الاجتماعي ، ولو استطعنا ، أن نحسن الاداء ، بتوظيف هذه الثورة الرقمية ، في الترويج لعالمية الاربعين ، لاستطعنا أن نختصر الزمن ، ونسير بقفزات ، نحو تحقيق الاهداف ، التي نضعها في بعض الافكار أدناه ، التي ربما هي معروفة للجميع ومنها :

1- إنشاء غرف افتراضية حوارية ، ( غرف ماسنجر ) ، عبر الفيس بوك ، أو عبر الزووم ، او الواتس اب ، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي ، وباللغات العالمية ، والاقليمية ، الانجليزي ، والفرنسي ، والاسباني ، والالماني ، والعربي ، والفارسي .
2- إنشاء مخيمات الاربعين ، وهي تجمعات مختلطة نساء ، ورجال ، من الشباب والطلاب ، ( طلبة المدارس والجامعات والحوزات ) ، والادباء ، والشعراء ، والفنانين ، والمثقفين ، والاعلاميين ، والخطباء ، والعلماء .
3 – إنشاء جامعة الاربعين العالمية ، ولا نعني بالجامعة الاكاديمية التقليدية ، وإنما نعني ؛ تقديم كورسات ، على الاون لاين ، للتعريف بثورة ونهضة الحسين ، و بالاربعين ، في كل شهر كورس ، وبكافة اللغات التي ذكرناها اعلاه
4 – القيام بحملة اعلامية سنوية ، تعتمد على استخدام أحدث الطرق ، في الدعاية والترويج الاعلامي ، عن الاربعين ، في كل موسم محرم وصفر ، من كل سنة
5 – القنوات الفضائية الرشيدة ، ونقصد بالرشيدة ، بمعنى القنوات الفضائية التي تقدم خطابا معرفيا ، وعاطفيا ، وحضاريا ، عن الاربعين ، بما يتناسب ، مع لغة ، وطريقة تفكير العصر .
6 – فتح حساب دولي ، لتغطية تكاليف كل مناسبة ، أو نشاط ، نريد القيام به ، من أجل الاربعين ، لجمع التبرعات ، ابتداءاً من دولار واحد (1$) ، او أكثر حسب الاستطاعة .

عن الكاتب

كاتب at العراق | + المقالات

باحث وناشط في الشأن السياسي والاسلامي والاجتماعي

Related Articles

Back to top button