أحدث الأخبارفلسطين

الاحتلال وتدمير المجتمع الفلسطيني في الداخل من الداخل | واقع وحلول

إعداد: عماد توفيق عفانة
مدير مركز دراسات اللاجئين

العصر- تشهد جرائم القتل والعنف الداخلي في المجتمع العربي الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة 48 تزايداً مثيرا للقلق وباعثا على الحزن والأسى على الضحايا.

أصابع الاحتلال الخبيثة هي من يقف خلف الزيادة المضطردة التي طرأت على منسوب الجرائم في الوسط الفلسطيني في الداخل المحتل، وتتجلى هذه الحقيقة في ازدواجية المعايير ونظام الأبارتهايد الذي يعتمده الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني.

لم تكن السيدة “رباب أبو صيام” (30 عامًا)، الأم لثلاثة من الأبناء والمنفصلة عن زوجها، الضحية الوحيدة، بل واحدة من آخر الضحايا الذين سقطوا نتيجة تخاذل بل امتناع شرطة الاحتلال عن القيام بواجبها حيال حفظ أمن السكان.

ففي جريمة إطلاق النار التي راحت ضحيتها رباب في اللد عندما حضر زوجها لقتلها، امتنعت الشرطة عن توفير أي حماية لها رغم إبلاغها عن تعرضها لتهديدات قتل متكررة، لكنها بقيت رغم ذلك بلا حماية.

مساء أمس الأربعاء فقط سقطت ضحيتان جديدتان في جرائم القتل التي تقيد عادة ضد مجهول، رغم أن كاميرات المراقبة توثق هذه الجرائم بالصوت والصورة، إلا أن الشرطة تتجاهل الأمر ما يتسبب بانتشار الجريمة التي لا تجد لها رادع، فيما تكتفي شرطة الاحتلال بتصريح مقتضب حول بدئها ” البحث عن مشتبهين، إلى جانب جمع النتائج في مكان الحادث من محققي الشرطة العسكرية”.


جرائم القتل الأخيرة غير معزولة عن سياق تصاعد جرائم القتل والعنف الداخلي المدفوع والمفتعل في الوسط الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة؛ إذ شهد شهر يوليو/تموز حتى اليوم سقوط 15 ضحية، فيما شهد شهر يونيو/حزيران الماضي مقتل 14 شخصًا، حيث ارتفع عدد ضحايا جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل منذ مطلع العام الجاري، إلى 62 ضحية.

ويعكس ارتفاع معدلات جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني التي بلغ ضحاياها في العام الماضي (2021)؛ 126 ضحية، منهم 16 امرأة، حيث حصدت جرائم القتل منذ عام 2000 نحو 1800 ضحية، علمًا أن هذه الإحصائية لا تشمل ضحايا الجرائم التي وقعت في مدينة القدس وهضبة الجولان، يعكس مؤشرا على إرادة صهيونية مثابرة على تدمير المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل من الداخل، وهدم تماسكه الاجتماعي وتفكيك قدرته على التعايش الجماعي وسط بيئة معادية، حيث حافظ أكثر من 1.5 مليون فلسطيني حتى الآن على قدرتهم على التكيف والعيش في قرى ومدن تحيط بها المغتصبات والمدن المحتلة.

فسياسة الاحتلال التي تكرس الإفلات من العقاب التي خلص اليها تحليل وقائع جرائم القتل وارتفاعها المضطرد في السنوات الأخيرة، تشجع على اقتراف مزيد من هذه الجرائم؛ التي تمر دون أدنى محاسبة غالبا.

فتقاعس شرطة الاحتلال في حل جرائم القتل أو تفكيك الجريمة المنظمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل، ينتج عنه تقييد أغلب الجرائم ضد مجهول.

ففي حين يجري فك غموض أغلب جرائم القتل في الوسط اليهودي بنسبة لا تقل عن 70% منها، فإن نسبة 80% من جرائم القتل في الوسط العربي تبقى دون حل، ما يدلل على أن الاحتلال يتعامل مع الفلسطينيين الذين يفرض عليهم حمل الجنسية “الاسرائيلية” كمواطنين من الدرجة الثانية.

تتنوع أسباب القتل وخلفياته التي تغذيها تفشي البطالة في أوساط الشباب، وانتشار المخدرات، مع غياب برامج التوعية والقيادة الموحدة للمجتمع العربي.

فبعض الجرائم يتم على خلفية قضايا وإشكالات اجتماعية وخلافات شخصية ومالية، فيما جزء كبير منها يتم نتيجة صراعات أو اعتداءات تنفذها عصابات إجرامية منظمة، توفر الجهات الأمنية الصهيونية لها السلاح وتغذيها لأسباب ذات ابعاد أمنية.

وكأن الاحتلال بتغذيته للعصابات والجريمة في المجتمع الفلسطيني يزرع القنابل ليحصد شعبنا في الداخل الضحايا والألم، وتفكك النسيج المجتمعي وضعف التماسك في بعده الوطني كقومية فلسطينية، لإشغال شعبنا الفلسطيني هذه الكتلة البشرية القومية في صراعات داخلية، عن الانشغال في التفكير بالتخلص من الاحتلال الذي يغتصب أرضه ووطنه منذ أكثر من 74 عاما.

ولا يفوتنا تناول الازدواجية الصهيونية في التعامل مع انتشار السلاح في المجتمع الفلسطيني في الداخل؛ ففي حيت تغض النظر عن وصول السلاح لمجموعات إجرامية، فانها في ذات الوقت تشن حملات محمومة لاعتقال ومصادرة أي قطعة سلاح أو حتى رصاصة يمكن أن توجه إلى الاحتلال.


القلق من المؤشرات الجدية على احتمالية وجود سياسة صهيونية رسمية وممنهجة تعمل على تغذية وشيوع العنف الداخلي في المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل بهدف إضعافه وتفكيكه، هو ما دفع الشيخ رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية في الداخل لإنشاء لجنة افشاء السلام، لإشاعة وتثبيت السلم الأهلي والمجتمعي في أوساط الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، وافشال المخططات الصهيونية التي تستهدف أمنه وتماسكه ووحدته، وهو ما يفرض علينا الثناء على هذا الجهد المتميز والابداعي للشيخ
رائد صلاح ومن معه من زعامات وشخصيات وطنية، رغم كل العقبات والمعيقات التي يضعها الاحتلال امام عمل اللجنة.

من هنا تبرز الحاجة لمطالبة الجهات الدولية الإنسانية والحقوقية لممارسة دورها في اجبار الاحتلال على وقف سياسة المعايير المزدوجة ونظام الأبارتهايد الذي يمارسه ضد المجتمع الفلسطيني في الداخل، وتحميله المسؤولية القانونية عن هذه الجرائم بحكم كونه سلطة الاحتلال التي تفرض سيطرتها على الأرض وهؤلاء السكان بالقوة الجبرية.
كما تبرز الحاجة أيضا لمطالبة الجهات الحقوقية والقانونية الدولية بإجراء تحقيقات جدية ومستقلة تشرف عليه الأمم المتحدة لكشف الدور الصهيوني في الوقوف خلف وتغذية جرائم القتل، من خلال تغذية العنف الداخلي وحماية العصابات الإجرامية.
وقبل كل ما سبق وبعده، نوجه نداءً مدفوعا بالحزن والألم، وملؤه الحب والأمل، إلى أحبابنا شعبنا أهلنا في الداخل المحتل، القوة البشرية والديموغرافية الأخطر على الاحتلال، الذي سطر البطولات وعبر عن صدق الانتماء في هبة الكرامة ابان معركة سيف القدس، أن يحافظوا على تماسك نسيجهم الاجتماعي، وأن يرعوا وحدتهم ووحدتهم كما يرعوا أبناءهم وفلذات أكبادهم، لأن هذا هو السبيل الوحيد لحفظ أمن وسلامة أبناءنا وعوائلنا وشعبنا هناك، وهو ما يبعث فينا الأمل أن تكونوا الكتيبة المتقدمة في جيش التحرير القادم لأرضنا ومقدساتنا.

Related Articles

Back to top button