أحدث الأخبارايران

الاقتصاد الإيراني أمام سيناريوهين

العصر-يقف الاقتصاد الإيراني اليوم على مفترق طرق. فالقرارات السياسية التي ستتخذها إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة هي التي ستقرر مستقبل البلاد. فإما أن تتجه إلى تعزيز توقعاتها الاقتصادية من خلال استعادة الاتفاق النووي لعام 2015 أو تحافظ على مسارها الحالي.
ويرفض بعض المعارضين الإيرانيين لاستعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، المسمى الرسمي للاتفاق النووي، التعويل على الولايات المتحدة. ولعل هذه المعارضة مبنية على وجه الخصوص على احتمال وصول الجمهوريين إلى البيت الأبيض عام 2025 ما سيستتبع خروجهم من الصفقة مرة جديدة. وبالنظر إلى المشهد، تبدو هذه الحجة مقنعة.
لكن رسم خرائط السيناريوهات المحتملة أمر ضروري، لتقييم الأبعاد الاقتصادية لخيارات إيران بغض النظر عن المقاربات الشخصية.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر في سيناريوهين مختلفين. يتمثل الأول في انهيار المحادثات النووية والثاني في استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة. ومع ذلك، يجب التعامل مع كلا السيناريوهين بناء على قاسم مشترك واحد وهو افتراض أن الصفقة النووية لن تستمر على المدى الطويل.

السيناريو الأول: انهيار مفاوضات خطة العمل المشتركة الشاملة
يتوقع هذا السيناريو انهيار المحادثات الإيرانية الأميركية غير المباشرة وغياب أي تخفيف للعقوبات على الجمهورية الإسلامية. كما يفترض زيادة في تطبيق العقوبات الأميركية، ما سيؤدي إلى انخفاض صادرات النفط الخام والمكثفات الإيرانية من متوسط 1.5 مليون برميل يوميًا في عام 2022 إلى حوالى مليون برميل يوميًا بين عامَي 2023 و2026.



وفي هذا السيناريو، يمكن توقع زيادة تجارة إيران مع جيرانها المباشرين، لكن وضع مالية الحكومة سيبقى رغم ذلك متوترًا. وفي حال غياب استثمارات كبيرة، يمكن الافتراض أن القاعدة الاقتصادية والصناعية للبلاد ستستمر في التآكل.
وفي نهاية المطاف، سيؤدي استمرار العجز في الميزانية وهروب رؤوس الأموال وهجرة الأدمغة ونقص الاستثمار إلى تدهور اقتصادي. كما ستزداد البطالة، خاصة وأن الكثير من مؤسسات القطاع الخاص ستخضع لمساءلة سياسية واقتصادية بالإضافة إلى مزيد من تخفيض قيمة العملة الوطنية. كذلك، سيبقى التضخم مرتفعًا، خاصة بسبب إصلاحات الدعم الأخيرة التي أدت إلى ارتفاع أسعار المستهلكين بطريقة غير مسبوقة.

السيناريو الثاني: استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة حتى عام 2025
يتوقع هذا السيناريو رفعًا مؤقتًا للعقوبات الأميركية حتى عام 2025. وفي حين ستضر عودة العقوبات الأميركية بالشركات الإيرانية، يمكن افتراض أن القرارات الاستراتيجية الصحيحة ستقلل من آثارها. على سبيل المثال، يمكن لقطاع البترول الإيراني زيادة قدرته المحلية على التكرير إلى حد أن يتحرر جزئيًا من الاعتماد على صادرات النفط الخام في مرحلة ما بعد العام 2025 ما سيمكنه من تصنيع منتجات بترولية يصدرها إلى الأسواق في الدول المجاورة وسيدرّ عليه فائدة أكبر.
من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، من المتوقع أن تصل إيران من جديد إلى أكثر من 100 مليار دولار أميركي من احتياطياتها من العملات الأجنبية. وقد يسمح ذلك للسلطات في طهران بإدارة أسعار صرف العملات بشكل أفضل، وتحسين أوضاع الميزانية وتقليل الضغوط التضخمية. كما يمكن أن يؤدي ضخ رأس المال إلى تمويل الاستثمار المتأخر في البنية التحتية.
وقد تصل صادرات النفط الخام والمكثفات الإيرانية إلى 2.8 مليون برميل يوميًا لمدة سنتين ونصف بزيادة 1.8 مليون برميل يوميًا عن كميتها في السيناريو الأول. ومن شأن هذا التطور أن يدر دخلًا إضافيًا يقارب الـ 65 مليار دولار أميركي سنويًا بحسب أسعار الطاقة العالمية الحالية، ما سيعزز بشكل كبير الإيرادات الحكومية وصندوق الثروة السيادي كما سيسمح لقطاع البترول بتلبية بعض احتياجاته الاستثمارية.

مقارنة المؤشرات الاقتصادية
السيناريوهان المذكوران أعلاه ليسا جامدين فالنتائج التي سيرتبانها تعتمد على عدة عوامل أخرى، مثل أسعار السلع والطاقة العالمية، وطبيعة العقوبات الأميركية القديمة والجديدة وطرق إنفاذها، والأنماط الجديدة للتعاون الدولي، وبناء القدرات المحلية.
ولمقارنة هذين السيناريوهين على مدى السنوات الخمس المقبلة، يمكن تقييم بعض المؤشرات المختارة. وتعتمد منهجية إسقاط هذه المؤشرات على سوابق من السنوات السابقة.
بالنسبة إلى السيناريو الأول، هناك افتراض باستمرار المسار الحالي للاقتصاد الإيراني الذي استقر منذ انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة وإعادة فرض العقوبات في عام 2018. أما السيناريو الثاني فيرتكز على الديناميات الاقتصادية التي كانت سائدة في عام 2016، عندما تم تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة لأول مرة من قبل جميع الموقعين. ومع ذلك، تعتبر منهجية البحث أيضًا أن الزخم الاقتصادي الذي طبع العام 2016 كان مختلفًا نظرًا لتأثير العامل النفسي الأصلي الذي عكسه الاتفاق النووي. بعبارة أخرى، في حين يبدو أنه المرجح أن تشهد إيران زخمًا إيجابيًا، فإنها لن تشهد النمو الاقتصادي نفسه.
في السيناريو الأول، لن تدخل إيران في حالة ركود. ومع ذلك، سيستمر النمو الاقتصادي في الانخفاض. واستنادًا إلى تقرير صدر مؤخرًا عن غرفة التجارة في طهران، من المتوقع أن يتوسع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 بالمئة في العام الحالي وبمعدل سنوي يبلغ 2 بالمئة خلال السنوات الأربع المقبلة. وهذه الأرقام بعيدة عن هدف الجمهورية الإسلامية المتمثلة في تحقيق نمو سنوي بنسبة 8 بالمئة كما أنها غير كافية أيضًا لتوليد مليون وظيفة سنويًا وهو الحد المطلوب للحفاظ على معدل البطالة. ونتيجة لذلك، يمكن توقع ارتفاع معدل البطالة مرة جديدة، من 9.8 بالمئة في العام الحالي إلى 11 بالمئة بحلول العام 2026.


ويبقى أن التركيز على التضخم هو التحدي الرئيسي الذي يواجهه الاقتصاد الإيراني في نظر معظم رجال الأعمال المحليين. وستكون التوقعات للسنوات القليلة القادمة أكثر قتامة مما كان متوقعًا في الأصل. ويعتقد الخبراء أن التضخم سيبلغ ذروته عند حوالى 50 بالمئة هذا العام. وعلى الرغم من أنه سيبقى مرتفعًا، سيعود لينخفض تدريجيًا إلى حوالى 30 بالمئة بحلول العام 2026.
وستستمر البيئة التضخمية المرتفعة في التهام القوة الشرائية ما سيؤدي إلى زيادة الفقر وكذلك رغبة المواطن الإيراني العادي في الهجرة. كما أن الهجرة وانعدام الأمل في مجتمع الأعمال سيمهدان الطريق لاستمرار هروب رأس المال، ما يزيد من تآكل القاعدة الاقتصادية ويطيل فترة التضخم وانخفاض النمو الاقتصادي.
وعلى هذه الخلفية، سيقول بعض المراقبين إن إدارة الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي ستنفذ سياسات من شأنها تخفيف بعض الانكماش الاقتصادي المتوقع في السيناريو الأول. ومع ذلك، يكفي أن نلقي نظرة على وعود حكومة رئيسي، التي تولت السلطة في أغسطس/آب 2021 لنرى بأنها لم تقدم صورة مفعمة بالأمل. ففي عامها الأول في السلطة على سبيل المثال، لم تحقق خطة بناء 4 ملايين وحدة سكنية.
في السيناريو الثاني، سيكون الاقتصاد قادرًا على التنفس لمدة تصل إلى ثلاث سنوات وبناء القدرة على مواجهة العقبات في العام 2025، إذا أعادت الإدارة الأميركية الجديدة فرض العقوبات. وسيتحسن الأداء الاقتصادي بشكل عام، وسيكون الاقتصاد في وضع أكثر تماسكًا يمكّنه من تحمل العقوبات والضغط المتجدد المحتمل في الفترة التي ستلي العام 2025.
علاوة على ذلك، في حين أن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة قد توفر فقط 3 سنوات من النمو الاقتصادي المرتفع، لا ينبغي التقليل من الآثار الاقتصادية الكلية حتى لو رُفعت العقوبات الأميركية بشكل مؤقت.
وفي السيناريو الأول من المتوقع أن تبلغ عائدات تصدير النفط الخام والمكثفات خلال الفترة بين 2023 و2026 إجمالي 136 مليار دولار أميركي مقارنة بـ 320 مليارًا في السيناريو الثاني. وإذا ما احتسبنا الفرق بين هذه الأرقام سنجد أنه 184 مليار دولار أميركي. إضافة إلى ذلك، في حين أن التضخم سيبقى مرتفعًا في كل من السيناريوهين، فإن الفرق سوف تشعر به بشدة الأسرة الإيرانية المتوسطة وكذلك قادة الأعمال. وقد لا يكون التضخم بنسبة 20 بالمئة المتوقع في العام 2025 بموجب السيناريو الثاني مثاليًا، لكنه سيكون تقريبًا نصف النسبة المتوقعة في السيناريو الأول والبالغة 35 بالمئة.
أما المؤشر الذي لن يُلحظ فيه فرق كبير بين السيناريوهين فهو البطالة، وهو ما يعكس الحاجة إلى استثمار طويل الأجل ويصعّب على المؤسسات المحلية معالجة الوضع خلال فترة الثلاث سنوات المتاحة لها. فمع استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة أو من دونها، يتعين على الشركات الإيرانية تعزيز قدراتها، وتوسيع الإنتاج، ورفع مستوى التسويق، لتحسن أداءها في استقطاب المواهب المحلية.


وفي نهاية المطاف، توضح البيانات المتاحة وخريطة السيناريو الناتجة عنها أن الاقتصاد الإيراني لا يحتاج لأكثر من فترة راحة مؤقتة من العقوبات الأميركية كي ينتعش. ومن شأن رفع القيود لمدة 3 سنوات نزولًا من فرض أقسى القيود الأميركية أن يسمح لإدارة رئيسي بمساعدة الفاعلين الاقتصاديين على الحد من نقاط الضعف المستقبلية، في حالة إعادة فرض العقوبات. وفي هذا السياق لا بد أن نكرر أن ما عُرض لم يتناول السيناريو الأكثر تفاؤلًا الذي ستؤدي فيه الديناميات السياسية المحلية في الولايات المتحدة إلى تجنب الخروج مجددًا من خطة العمل الشاملة المشتركة.

Related Articles

Back to top button