أحدث الأخبار

التطبيع بين : هرولة الأنظمة وإرادة الشعوب..؟!

احمدحسن القشائي

بمعزل عن الدوافع والأسباب التي تقف وراء موقف البرلمان العراقي في التصويت على قانون يجرم العلاقة مع (الكيان الصهيوني) أو إقامة أي شكل من أشكال التطبيع مع هذا الكيان الصهيوني الاستيطاني المحتل لفلسطين ومقدساتها، فإن هذا القانون يعد أول قانون يصدر عن جهة سيادية عربية يعبر عن رأي وقناعات الشعب الذي يمثله هذا البرلمان، وتعد الخطوة وكأنها سابقة أقدم عليها نظام عربي تعبر عن قناعات وإيمان الشعب الذي يخضع لحكم هذا النظام وسلطته، إنطلاقا من الحقائق الثابته التي تؤكد أن غالبية شعوب الأمة محكومة من قبل أنظمة تؤمن بحقها المطلق في الحكم والتحكم فيما هناك أنظمة أخرى ترى في شعوبها وكأنهم ملكية خاصة لها ولايجوز بالتالي لمن هم تحت وصايتها الاعتراض على أي إجراء تتخذه هذه الأنظمة والتي يجب أن ترحب بها الشعوب بل وترقص فرحا وابتهاجا بكل ما تتخذه أنظمتها وما تقوم به من سلوكيات وممارسات حتى وإن كانت تتعارض مع مصالح الشعب وحقوقه ومواطنته وهويته الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية..!
لذا فإن ما نسبته 90٪من مجموع سكان الوطن العربي مجبرون قهرا وقسرا وعنوة على الخنوع لسيطرة منظومة الحكم بحكم الأمر الواقع والقوة وخشية من بطش الأنظمة، والمعروف أن أنظمة الحكم العربية والإسلامية قد نصبت نفسها بالقوة لحكم الشعوب إلا فيما ندر في تاريخ هذه الأمم حيث وصل بعض من حكامها وسط ترحيب شعبي ورضاء الشعب ومع ذلك فإن أمثال هؤلاء الحكام كثيرا ما انتهت حياتهم بالقتل أو بالسم أو بمؤامرات من قبل قوي فاسدة وإنتهازية في الداخل أو بالتعاون مع قوى خارجية تعادي فكرة التناغم والتلاحم بين الشعب وبعض رموزه وقادته المخلصين له والساعين لتحقيق أحلامه وهناك أمثله وشواهد كثيرة في تاريخنا الوطني والقومي والإسلامي تؤكد هذه السردية التراجيدية التي وقفت وتقف أمام تطور الأمة وتقدمها وتقف خلف هذا الانهيار والتمزق والأحقاد والكراهية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية..!
ما أقدم عليه البرلمان العراقي هو إنه اتخذها قرارا يعبر عن قناعة النسبة الكبيرة والأغلبية من أبناء العراق الشقيق وهو ما يمثل بادرة إيجابية، لكن هل بمقدور اي نظام عربي أن يخضع وجوده وقراراته وسلوكه ومواقفه لرأي الشعب الذي يحكم باسمه..؟!



ماذا لو كان (السادات) أو (الملك حسين) في السابق، وأيضا حكام اليوم من (المطبعين) قد أحتكموا لشعوبهم في اتخاذ قراراتهم المتعلقة ب (التطبيع) وإقامة علاقة مع العدو (الصهيوني)، هل كانت الشعوب ستوافقهم على مثل هذه القرارات والمواقف..؟!
من المؤسف أن المواطن العربي والإسلامي ومنذ خلاف (سقيفة بني ساعدة) حتى اليوم لم يمتلك حريته ولم يكن له رأي في الأحداث سوا تلك المتعلقة بمصيره وهويته وعقيدته وانتمائه أو تلك التي تتعلق بعلاقة الأنظمة الحاكمة فيما يتصل بقرارات الحروب والسلام وفي مختلف المراحل التاريخية..؟!
أنا لا أتحدث هناء عن (الديمقراطية) وعن (الحرية) وفق المفهوم الغربي لكني أتحدث من منطلق إنساني فطري منحه الله لكل عباده، وأكدته الأديان السماوية ونزلت به نواميس وتشريعات سماوية، إضافة إلا ما جاء به رسول البشرية وخاتم الأنبياء والرسل النبي العربي محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم من تعاليم وقوانين تنظم حياتنا وعلاقتنا فيما بيننا وبين الآخر الحضاري.. فالله سبحانه وتعالى يقول (وامرهم شورى بينهم) ويقول سبحانه (وشاورهم بالأمر فإذا عزمت فتوكل على الله).. فكيف عمل( فقها السلطان) على تهجين وتدجين الوعي وإستلابه حتى فقد العربي والمسلم شخصيته وحقه في التعبير عن ذاته فيما يتعلق بمصيره ووجوده..؟!
تهجين وتدجين وإستلاب للوعي والإرادة حدث ويحدث للأسف باسم الدين والله والرسول، حتى أن الدين بكل نواميسه وقيمه السمحاء وتشريعاته وأوامره ونواهيه جعل منه( فقهاء السلطان) وكأنه (دين عبودية ورق) لرموز الحاكمية الذين ربطوا طاعتهم بطاعة الله ورسوله وبالتالي فإن من يخالف الحاكم _ أيا كانت صفته واللقب الذي يحمله خليفة كان أو أميرا أو سلطانا أو رئيسا أو ملكا_فانه بهذا يخالف الله ورسوله ويعد متمردا وجب عليه الحد..؟!
لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى أحرارا ومنحنا العقل والدين الذي جاء به الأنبياء والرسل واعطانا من الحرية والكرامة والسيادة والإرادة والعدالة  ما لم تتوصل إليه كل الفلسفات والأفكار البشرية، والمؤسف إننا وحتى يومنا هذا  نعيش في أزمة وجودية وحضارية وأزمة حرية وكرامة وعدالة ونبحث عن ذاتنا في ركام ومخلفات الآخر الحضاري ونتقاتل فيما بيننا على السلطة والسطوة والتحكم والحكم بكل أدوات القهر والقتل والترويع والترهيب، ثم يقال العرب والمسلمين متخلفين وسبب تخلفهم هو (الدين)…؟!!!


أن أزمة الحرية وغياب العدالة في مسارنا عوامل قادتنا إلا ما نحن فيه اليوم من وهن وتمزق وتخلف، فلوا كنا نمتلك حريتنا لما بقت فلسطين ترزح نير الاحتلال الصهيوني، لو كنا كشعوب عربية نعيش في مناخ إجتماعي وسياسي مستقر وتجمعنا بحكامنا قيم المحبة والتوافق والانسجام وحكامنا يحترمون مشاعرنا ووجودنا ويعملون لتحقيق أحلامنا في حياة كريمة ولا يتأجرون بناء في أسواق النخاسة ولا يقودون إلي المهالك من أجل مصالحهم ويفرطون بكرامتنا وبسهولة من أجل تعزيز سيطرتهم وإحكام قبضتهم وبقاء تسلطهم وجبروتهم علينا، اعتقد لو لم  يكونوا  بهذه الشاكلة لما كان حالنا اليوم كما نحن عليه على الصعيدين الوطني والقومي؟!
وقد وصل بناء الحال أن نرى أنفسنا نتقدم للخلف وكل حدث يحدث بدافع التغير والارتقاء إلى الأمام وتحسين ما يمكن تحسينه في مسارنا الحضاري يرتد علينا بطرق سلبية ونجد أنفسنا نردد (ياليت اللي جرى ما كان)..؟!

مشكلتنا كعرب ومسلمين وازماتنا التي افقدتنا هويتنا الجامعة وأدوارنا الحضارية بصورة فشلنا  في إستلهام كل مقومات النهوض الحضاري، ويعود الأمر إلى تخلفنا في فهم نواميس الحياة وعوامل التطور والتقدم بعد أن جردتنا قوانين وتشريعات (الحاكمية العربية والإسلامية)
من كل حقوقنا الوجودية في الحرية والتفكير والشعور بالهوية والإنتماء تجسيدا للقول المأثور _المؤمن القوي احب إلا الله من المؤمن الضعيف _ وان كان الدين قد جاءنا ليعطينا حريتنا وكرامتنا وينتشلنا من براثن حياة الجهل والتخلف وعبادة الأوثان، فأن ثمة من تدخل وطوع الدين وقيمه ليعيد بموجب هذا التدخل كل الظواهر التي جاء الإسلام لطمسها وكان بمثابة الثورة عليها، ثورة باركها الله وشرع أهدافها وجعل قائدها سيد البشرية ونبيها الخاتم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وعلى آله، وللأسف هناك من عمل على إعادة إنتاج قيم ما قبل بزوغ فجر الإسلام ولكن بصورة تبدو حضارية ولكن خطورتها ربما تجاوزت خطورة قيم العهد الجاهلي وقيمه وتقاليده..!

ويمكن أن نستخلص من تاريخنا الكثير من الحقائق التي تؤكد سردية ما أقوله هناء وكيف ذهبت بناء الأحداث وتداعياتها حتى وصلت الأمة بكل مكوناتها إلا ما هي عليه اليوم من تخلف وتمزق وتناحر رغم أن (الدين) حاضرا في خطاب الجميع والكل يزعم إنتسابه للدين الإسلامي والجميع يتحدثون بلسان عربي مبين والجميع ينتسبون للنبي العربي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام والكل يصوم ويصلي ويحج ويعتمر..؟!

ومع الأسف وبالرغم من كل هذه المزاعم فإن الكل أبعد ما يكونوا عن (الدين) وقيمه وسماحته وإخلاقياته وقوانين وتشريعاته وابعد عن قيم وأخلاقيات النبي العربي وسلوكياته رغم مزاعم بعضنا بالأنتماء المتشدد حد التطرف للدين أو لرسول الله إلا أن هذا التطرف يسئ لقيم وأخلاقيات الدين والرسول ربما بصورة تفوق ما يمارسه أعداء الدين بحق الأمة ودينها ووجودها الحضاري..

قد يقول قائل طيب ما علاقة كل هذا ب (التطبيع)؟!
أعود واقول ان (فلسطين) هي معيار علاقتنا بالدين والهوية العربية والإسلامية والحال الذي تعيشه الأمة اليوم يدل على حقيقة( أركستنا) والاركسة تعني السير بالمقلوب، فهل يمكن مثلا لل(بعير) أن يمشي على ظهره..؟!

تذمرنا في بداية تأسيس الدولة والحاكمية في عهد الصحابة فجأة دولة (بني أمية) فتجادلنا حولها وترحمنا على عهد الصحابة، فجأة (الدولة العباسية) فاختلفنا حولها وترحم مواطنيها على ما كان قبلها، وهكذا دواليك حتى جاءنا الغزاة والمستعمرين فمزقونا وقسموا جغرافيتنا ورسموا حدودنا واختاروا حكامنا الذين جعلوا منا (رعية) لهم (وعبيدا) مطيعين، فإذا تقاتل ولاتنا وحكامنا علينا أن نصفق للاقوى وليس للأصلح أو لصاحب الحق..!!

وأصبحنا ( نقدس) حدودنا المصطنعة بذات القدر الذي  ( نقدس) فيه حكامنا وانضمتنا وفرطنا بكل الروابط التي تجمعنا وتخلينا عن فلسطين وفيها الكثير مما يعنينا كعرب ومسلمين..
ولم نتخلى عن هذه القضية إلا بعد أن جردتنا ( الحاكمية) من حريتنا وحقنا في التعبير والتفكير وأصبحنا جزءا من ممتلكات الحكام والأنظمة نخضع بالكامل لسلطتهم وسطوتهم وننفذ رغباتهم والويل لمن يخالف أوامرهم أو نتصدي لرغبة من رغباتهم التي تعزز سيطرتهم وتحكمهم بمصيرنا ومصير الأمة ودورها الحضاري.
—–
حكام وأنظمة ما برحوا يتاجروا بنا وبهويتنا وبدورنا الوجودي وحقنا في التعبير عن ذاتنا، فكانت نتيجة كل هذا أن وصلنا إلا ما نحن فيه والقادم سيكون أسوأ قطعا، ويبقى النظام العربي بكل هويته ومسمياته ونطاقه  الجغرافي واهما لوا فكر إنه يسير على دروب التقدم والتنمية والتطور مهما شاهدنا بعض هذه المظاهر هناء أو هناك تبقى مظاهر زائفة طالما بقت فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال الصهيوني وطالما بقت أمريكا وبريطانيا هما (عرابتان) لأنظمة الذل العربي المرتهنة لهما والمشغولتان في تنفيذ مطالبهما في تطويع الإرادة العربية وجعلها في خدمة الوجود الصهيوني والاستعماري..؟!

لقد تحدثنا كثيرا وهتفنا من أجل تحقيق (الحلم العربي) وبفضل أنظمة الذل والعار و(التطبيع) وجدنا أنفسنا نطبل
ل (الحلم العبري) ونسعى لتحقيقه من خلال صمتنا وتبعيتنا لأنظمة القهر والإرتهان، أنظمة تعيش التخلف الحضاري بأزهي صوره ولكنها تجد وسائل القمع والقهر والترهيب وشيدت من السجون والمعتقلات أكثر مما شيدت المدارس والجامعات والمعاهد والمراكز البحثية والعلمية، وأصدرت من أحكام الإعدام بحق مواطنيها ومن أوامر القبض وقرارات التجريد من الجنسية أكثر مما أصدرت من الشهائد العلمية أو من برأة الاختراع..!!

أنظمة أنفق مترفوها من المال العربي داخل (البارات والملاهي الليلية) في العواصم الغربية أكثر بمليون مرة مما أنفقته في سبيل تحرير فلسطين..؟!

أنظمة تسخر اليوم فقهائها وعلمائها في تطويع ذاكرة مواطنيها وتحبيب (التطبيع) في قلوبهم وعقولهم باعتبار أن
(الصهاينة هم عيال عمنا)
ويستغلون أيات الله التي يبتسروها من كتابه الكريم لتبرير جرائم حكامهم وانظمتهم وهذا هو الانحطاط الحضاري الذي يعيد للذاكرة حكاية آخر خلفاء الدولة العباسية الذي ترك عاصمة الخلافة (بغداد) تحت رحمة جيوش (هولاكو) وأنشغل في تفقد (أسراب الحمام)
التي كان يربيها في قصره، فكانت حمام الخليفة أكثر أهمية من الشعب ومن الدولة ومن عاصمة الخلافة..؟!

اليوم ثمة حكام عرب للأسف تشغلهم (سباقات الهجن) أكثر مما تشغلهم فلسطين وأبنائها وما يعانون جراء الاحتلال..؟!

اليوم هناك من الحكام العرب  من يعانق الصهاينة قتلة الشعب العربي الفلسطيني ويشاركهم في قتل هذا الشعب وحصاره ومحاولة تركيعه وإخضاعه لإرادة المحتل..!!

وهناك فقهاء وعلماء دين يفتون بجواز العلاقة مع الصهاينة وأعداء الأمة ويبررون ذلك باسم التسامح الديني ويحاولون إثبات تحضرهم وإنسانيتهم ورقيهم وتطورهم من خلال التنكر للدين وفلسطين نزولا عند رغبة أسيادهم من الحكام الذين بدورهم يسعون لإرضاء أسيادهم المستعمرين الذين نصبوهم حكاما على الأمة..؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى