فلسطين

التطبيع وسياسة الاستسلام

مجلة تحليلات العصر

د. السيد محمد الغريفي

نشر في مجلة قضيتنا – 2020 م – عدد صفر

المراد من التطبيع “Normalization” في اللغة: جعل الأمور طبيعية، وذلك من خلال تكييفه مع الشروط الطبيعية، وبعبارة صريحة (هو عملية تبديل حالة ما هو شاذ، غير مألوف، أو غير طبيعي، حتى يصبح طبيعيًا ومألوفًا وعاديًا).

واستعمل هذا المعنى اللغوي للتطبيع على العلاقات بين الدول، ينتج أن تطبيع العلاقات بين دولة ما ودولة أخرى، يتمثّل في الخطوات الواعية المقصودة باتجاه إقامة علاقات طبيعية وعادية، في الحد الأدنى هو تبادل السفارات، ووجود علاقات دبلوماسية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وعسكرية، حتى لو كانت في حُدودها الدنيا.

يقف على نقيض تطبيع العلاقات، ما يُطلق عليه “المقاطعة”، بمعنى الامتناع عن إقامة أي نوع من أنواع العلاقات والتواصل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والعسكري. وبمجرّد بدء المشاورات، والاتصالات، والجهود التي تهدف بشكلٍ واعٍ إلى تحويل العلاقات إلى علاقات طبيعية، فقد بدأت عملية التطبيع، وقد تحتاج سنوات طويلة.

التطبيع مع الكيان الغاصب بهذا المعنى، يعني الدخول في اتصالات وعلاقات مخططة تهدف إلى جعل العلاقة معها علاقات طبيعية مناقضة للمقاطعة تماماً. ويحمل التطبيع دلالة القبول بوجود إسرائيل بأيدولوجيتها ونظامها وصيغتها الحالية الاستيطانية العرقية، ومشروعها الاستيطاني الاحتلالي، وكذلك الحال القبول بواقع الفلسطينيين وحالتهم الشاذة تحت الاحتلال.

وعليه فأن التطبيع مع الكيان الغاصب بمعناه الواقعي للكلمة هو “الاستسلام“، وذلك لأنه يشتمل على جميع دلالات الاستسلام والخضوع والفشل في مقابل العدو الصهيوني، ونحن في هذا المقال المختصر سنشير الى بعض هذه الدلالات، ونترك الكثير منها الى فطنة القارئ اللبيب، وهي كالتالي:

1- التطبيع معناه الاعتراف بمشروعية الكيان الغاصب: بعد الإعلان عن نشؤ الكيان الغاصب عام 1948م رفضت جميع الدول العربية والإسلامية الاعتراف به كدولة ضمن المنطقة العربية والإسلامية، وبقي هذا الكيان مقاطع ومنبوذ في المنطقة الى عقود من الزمن بل والى اليوم، ولكن خيانة بعض الدول العربية (مصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية) وأبرمها معاهدات صلح قد أعطت لهذا الكيان مشروعية فردية من قبلها، وكذلك ما نشاهده اليوم هرولة بعض دول الخليج للتطبيع مع الكيان الغاصب من خلال دعوته لحضور المؤتمرات والمسابقات وتبادل الزيارات في إشارة ضمنية على اعتراف بهذا الكيان الغاصب واعتباره دولة مستقلة.

2- التطبيع معناه التنازل عن أرض فلسطين: ما يقوم به المستسلمين والمطبعين من حكام العرب الخونة هو التنازل عن أرض فلسطين التي تقع في قلب العالمين العربي والإسلامي، وتربط القارات الثلاثة القديمة (آسيا وأفريقيا وأروبا) الى حفنة من اليهود، تم جمعهم من أنحاء العالم لخلق شعب لقيط على أرض العزة فلسطين، لتقطيع أواصر الجغرافي والثقافية للعالمين العربي والإسلامي.

3- التطبيع معناه التنازل عن المقدسات والأقصى: كل من يستسلم للصهاينة ويرفع راية التطبيع فقد خرج من الإسلام؛ لأن في ذلك تنازل عن مقدسات الإسلام في فلسطين الى اليهود، لهدمها وبناء هيكلهم المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، الذي قال عنه القرآن الكريم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ).

4- التطبيع معناه التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني: منذ أكثر من ثمانية عقود والكيان الغاصب يرتكب مجازر يومية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر، الذي لا يملك سوى الحجارة للدفاع عن نفسه، فاستسلام حكام العرب وتطبيعهم مع الكيان الغاصب سيزيدهم بطشاً ودموية مع الشعب الفلسطيني العزيز.

5– التطبيع معناه نجاح المشروع الصهيوني: الصهيونية العالمية اختارت من أرض فلسطين منطلق للسيطرة على العالم، واتخذوا من اليهود واجهة لتحقيق أهدافهم الشيطانية للقضاء على جميع الأديان والثقافات. فأن التطبيع الذي ظاهره الصلح مع الكيان الغاصب ولكن حقيقته هو فتح أبوابنا للصهيونية لنفوذها الى أوطاننا وبيوتنا وثقافتنا وعقولنا ونكون مجندين لمخططاتهم.

6- التطبيع معناه الاعتراف بالهزيمة: رفع راية التطبيع مع العدو الذي يسفك دمائنا، ويغتصب أرضنا، ويهدم مقدساتنا، معناه بأننا هزمنا وهو أنتصر، وأننا ضعفاء وهو القوي، وأننا عاجزون وهو القادر، وأننا أصبحنا عبيد وهو سيدنا يبيعنا متى شاء في سوق النخاسة. ولكن هيهات من الذلة، لن نركع إلا لله، ولن نستسلم لعدو الله، ولن نطبع مع الغاصب المحتل.

 

عن الكاتب

رئيس التحرير at مجلة تحليلات العصر | + المقالات

* دكتوراه في العلوم السیاسیة والعلاقات الدولية

* مؤسس مركز العصر الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

* باحث في الفكر السياسي الإسلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى