أحدث الأخبارشؤون حربية

الحرب البيولوجية والإرهاب

العصر-تأليف: فرانسيس بويل (Francis A. Boyle)
ترجمة: عزام محمد مكي
(لاتشمل هذه الترجمة جميع فصول الكتاب وانما تقتصر على اربعة فصول، ستنشر تباع. يشمل هذا الجزء على نبذة عن المؤلف مع عرض بسيط للكتاب مع مقدمة يليها الفصل الاول )
عن المؤلف
فرانسيس بويل أستاذ أمريكي بارز وممارس ومدافع عن القانون الدولي. كان مسؤولاً عن صياغة قانون مكافحة الإرهاب للأسلحة البيولوجية لعام 1989 ، وهو التشريع التنفيذي الأمريكي لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972.  ويُدرس القانون الدولي في جامعة إيليونوا ، مدينة شامبين، حاصل على دكتوراه في القانون بامتياز بدرجة الشرف وكذلك دكتوراه في العلوم السياسية، وكلاهما من جامعة هارفارد.                             
عن الكتاب
في هذا الكتاب يرسم المؤلف الخطوط العريضة عن بداية قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتأسيس صناعة الاسلحة البيولوجية ولماذا استمرت وبوتيرة متصاعدة ببناء ومراكمة هذه الاسلحة البيولوجية الغير قانونية وبشكل كبير.
ويلاحظ المؤلف كذلك الرابطة الوثيقة بين قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتطوير الاسلحة البيلوجية وهجوم (الجمرة الخبيثة) على الكونغرس الامريكي- الذي مثل الهجوم السياسي الاكثر اهمية على الديمقراطية الدستورية في الولايات المتحدة الامريكية في العصر الحديث- حيث يسلط ضوء جديد على دوافع هذا الهجوم- في الوقت الذي اختارت فيه الصحافة السقوط في ثقب الصمت الاسود- ولماذا قد لا يمكن ان يقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) باعتقال مقترف هذه الجريمة ذات العواقب الوخيمة للقرن الحادي والعشرين.




مقدمة
بدءًا من أكتوبر من عام 2001، شهد العالم هجمات إرهابية بالجمرة الخبيثة على الحكومة الأمريكية والتي من الواضح أنها كانت تهدف إلى إغلاق الكونجرس الأمريكي في لحظة حرجة للغاية في تاريخ أمريكا كجمهورية، أي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية مباشرة.  خلال هذه اللحظة بالتحديد كان يجب أن يكون الكونغرس منعقدًا، من اجل اتخاذ قرارات حيوية، وممارسة رقابة صارمة على السلطة التنفيذية للحكومة، وبوجه خاص البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، ووزارة العدل برئاسة المدعي العام جون أشكروفت، وزارة الدفاع في عهد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووكالة المخابرات المركزية تحت إشراف المدير جورج تينيت.  ولكن لم تحدث مثل هذه الرقابة من قبل الكونغرس الأمريكي بسبب هجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية. والأسوأ من ذلك ، أن الرئيس بوش والمدعي العام أشكروفت تلاعبوا بشكل خادع بهجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية على الكونجرس من أجل خلق الذعر وحالة تدافع للشعب الامريكي والكونغرس الامريكي لاجل سن القانون الوطني الأمريكي الشمولي حتى بدون فعل حقيقي تقريبا من قبل الكونغرس.
سيناقش هذا الكتاب بعضًا من الخلفية التاريخية للقانون والسياسة والعلم وراء الأسلحة البيولوجية في الولايات المتحدة: كيف ولماذا أطلقت حكومة الولايات المتحدة ، وواصلت ، ثم وسعت بشكل كبير سباق تسلح بيولوجي غير قانوني يحتمل أن يكون له عواقب  كارثية على الجنس البشري والمحيط الحيوي الداعم له على الارض هذا الكوكب الهش.

من خلال تحديد سياق البيئة السياسية والقانونية والعلمية التي وقع فيها هذا الهجوم الإرهابي التاريخي الأول من نوعه للحرب البيولوجية ضد حكومة الولايات المتحدة – هجمات الجمرة الخبيثة على الكونغرس في عام 2001 – يسعى هذا الكتاب أيضًا إلى إلقاء ضوء جديد على هذه الأسئلة المقلقة: لماذا يختفي هذا الحادث غير المسبوق وبسرعة كبيرة من مناقشة وسائل الإعلام العامة؟  لماذا فقد مكتب التحقيقات الفدرالي الزخم في البحث عن الجناة؟ لماذا فشل الكونغرس نفسه في متابعة هذا الحادث تحديدا  وتداعيات هذا الهجوم الإرهابي عليه، والفشل في العثور على الجاني؟  لماذا لم يكن هناك احتجاج على هذا الفشل؟ ما هي الأسباب التي تجعل امكانية العثور على الجناة الحقيقيين غير موجودة تماما؟
في ضوء التوسع الأخير لإدارة بوش في تمويل أبحاث «الدفاع البيولوجي»، بما في ذلك الاختبارات المقترحة على الأشخاص، والتهديد الواضح والجلي الآن للحرب البيولوجية ليس فقط على الجمهور الأمريكي ولكن على البشرية جمعاء، يقدم هذا الكتاب دليلاً سياسياً حول كيفية إيقاف تصميم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على فتح صندوق باندورا للحرب البيولوجية.
الفصل الأول
اتفاقية الأسلحة البيولوجية
جذور اتفاقية الأسلحة البيولوجية
كان لدى الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي شديد العدوانية والهجوم يعود تاريخه إلى الحرب العالمية الثانية ، ولن اقوم بذكر تاريخها الكامل هنا.  ولإختصار القصة، قرر الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 إنهاء هذا البرنامج لأسباب تتعلق بـ السياسة الواقعية الميكافيلية.  أولاً ، كان هناك شعور بأن الأسلحة البيولوجية ذات نتائج عكسية عسكريًا لأنه كان من الصعب السيطرة عليها، وبالتالي سهولة حدوث  “ارتدادات” على القوات المسلحة الأمريكية في الميدان وكذلك على السكان المدنيين الأمريكيين في الوطن.  ثانيًا ، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل ترسانة ضخمة وهائلة من جميع فئات الأسلحة النووية وأنظمة إطلاقها ذات الصلة، في حين كان يُنظر إلى الأسلحة البيولوجية على أنها “القنبلة الذرية للرجل الفقير”.  لقد أراد نيكسون القضاء على هذه “الاسلحة البيولوجية” من أجل منع دول العالم الثالث من الحصول على أسلحة دمار شامل رخيصة الثمن نسبيًا. من شأن اتفاقية للأسلحة البيولوجية التي تحظر ” الاسلحة البيولوجية ” أن تمكن الدول الحائزة للأسلحة النووية في العالم من الحفاظ على وتقوية وتوسيع نطاق احتكارها شبه الكامل لأسلحة الدمار الشامل الذي تم تقنينه للتو بموجب معاهدة عام 1968 بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية.  ومن شأن نفس الحسابات الميكيافيلية الضارة أن تدفع فيما بعد هذه الدول الحائزة للأسلحة النووية نفسها إلى دعم المفاوضات وإبرام والتصديق على اتفاقية عام 1993 بشأن حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة.


ابتداءً من عام 1969 ، أمر الرئيس نيكسون ومن جانب واحد بتدمير العوامل البيولوجية والذخائر الأمريكية المضادة للأفراد، وهي عملية اكتملت ظاهريًا اعتبارًا من أوائل عام 1973.  ومع ذلك، وعلى الرغم من أمر الرئيس، واصلت وكالة المخابرات المركزية البحوث وتطوير أسلحة بيولوجية.  في نهاية المطاف، دعمت الولايات المتحدة التفاوض وإبرام وتصديق اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والسمية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1972، التي دخلت حيز النفاذ في 26 آذار / مارس 1975 (التي سيشار إليها فيما يلي باسم اتفاقية الأسلحة البيولوجية-BWC)).
تُلزم المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية الأطراف الحكومية المتعاقدة” بعدم القيام تحت أي ظرف من الظروف بتطوير أو إنتاج أو تخزين أو الحصول أو الاحتفاظ بأي طريقة أخرى:
(1)العوامل الجرثومية أو غيرها من العوامل البيولوجية ، أو المواد السمية مهما كان مصدرها أو طريقة إنتاجها ، من الأنواع والكميات التي لاتجد لها مبرر من ناحية استخدامها من اجل الوقاية أو الحماية أو الأغراض السلمية الأخرى ؛
(2)أسلحة أو معدات أو وسائل إيصال مصممة لاستخدام مثل هذه العوامل أو المواد السمية لأغراض عدائية أو في نزاع مسلح “.
لاحظ بان المادة الأولى لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر “البحوث” “لأغراض وقائية أو حمائية أو لأغراض سلمية أخرى”.  فأصبح هذا هو الاستثناء الذي استغلته حكومة الولايات المتحدة كمثال من اجل إلغاء القاعدة العامة لحظر “الاسلحة البيولوجية” الموجود في المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية. لاحظ أيضًا أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر حرفيا “استخدام” الأسلحة البيولوجية في الحرب. وقد سبق أن نص بروتوكول جنيف لعام 1925 على هذا الحظر. ومع ذلك ، ووفقًا لديباجة اتفاقية الأسلحة البيولوجية، فإن الأطراف الحكومية المتعاقدة  في الاتفاقية قد أندرجت أساسًا من خلال مرجعية بروتوكول الحظر على استخدام الأسلحة البيولوجية في الحرب:
إعادة تأكيد تمسكها بمبادئ وأهداف ذلك البروتوكول ودعوة جميع الدول إلى الامتثال الصارم لها.
في النهاية وخلال إدارة نيكسون انهت حكومة الولايات المتحدة، وهذا ما يحسب لها، برنامجها الهجومي للحرب البيولوجية. ولكن الأخطر من ذلك هو أن بقايا وحدة الحرب الكيميائية والبيولوجية القديمة كانت تكمن في أحشاء البنتاغون، في الانتظار والتمني والأمل من خلال التخطيط والتدبير بالعودة إلى الحياة مرة أخرى.
المحافظون الجدد الريغانيون
ثم في عام 1981 ، وصلت إدارة ريغان إلى السلطة،  معززة بالكثير ممن يصفون انفسهم بالمحافظين الجدد، والذين كانوا مزروعين في البنتاغون.  بعد عقدين من الزمان، عاد العديد من هؤلاء المحافظين الجدد  إلى السلطة مع مجيء إدارة بوش الابن في عام 2001،  لتتم ترقيتهم لاحقا بشكل بيروقراطي لخدماتهم الشائنة السابقة.  اتخذ الريجانيون الموقف القائل بأن أمريكا ستستغل تفوقها التكنولوجي في جميع مجالات المساعي العلمية في جميع المجالات للأغراض المتعلقة بالحرب: النووية ، والكيميائية ، والبيولوجية ، والفضائية ، والليزر ، وأجهزة الكمبيوتر ، وما إلى ذلك.   لذلك بدأ الريغانيون في ضخ مبالغ ضخمة من المال في البحوث في العوامل البيولوجية وتطويرها لاغراض زعموا أنها “دفاعية”.
على الرغم من المفاهيم الخاطئة الشائعة التي تشير إلى العكس، فإن المادة 1 من اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تستحدث استثناءً “للدفاع” أو “الردع” ، ناهيك عن “الرد الانتقامي” ، ولكن فقط من أجل “الأغراض الوقائية من الامراض أو الحمائية أو الأغراض السلمية الأخرى”.  أولئك الذين دعموااتفاقية الأسلحة البيولوجية كانوا وعي تام بأن “الدفاع” ليس بالضرورة “سلميًا”.  كما لو كان توضيحًا لتلك الحقيقة بالذات ، فإن المحافظين الجدد الريغانيين، الذين يؤمنون بشدة بالمبدأ الميكافيلي بأن “الدفاع الافضل هو الهجوم الجيد” ، شرعوا في التصرف وفقًا لذلك، من بين أمور أخرى، بشأن “الاسلحة البيولوجية”.  ينطبق نفس الحساب المكيافيلي على المحافظين الجدد في عهد بوش الابن فيما يتعلق بمبادئهم  بشأن شن حروب عدوانية (يُزعم أنها وقائية) واستخدامهم الأول لأسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك “الاسلحة البيولوجية” ، والتي ستتم مناقشتها بمزيد من التفصيل لاحقا.
لو افترضنا القيمة الثابتة للدولار، أنفقت إدارة ريغان قدر من الأموال على أبحاث الحرب البيولوجية المزعومة “دفاعية”، هو نفسه الذي انفقته إدارة نيكسون عندما كان لدى حكومة الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي هجومي بشكل علني وعدواني.  على وجه الخصوص ، سعى الريجانيون إلى استغلال التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة في أبحاث الهندسة الوراثية للحامض النووي التي اضحت في صدارة ابحاث علوم الحياة، بعد إبرام اتفاقية الأسلحة البيولوجية، والتي لم تتم صياغتها وذلك اخذا بالحسبان الاستفادة من ظاهرة “الربط الجيني  (gene-splicing)” لغرض تطوير أسلحة بيولوجية.  من منظور اتفاقية الأسلحة البيولوجية، كانت المشكلة التي قدمتها الهندسة الوراثية للحامض النووي ولا تزال هي أنها ذات استخدام مزدوج بطبيعتها ولا يمكن تجنبه – يمكن وضعها للاستخدامات الهجومية والدفاعية في نفس الوقت.  التكنولوجيا الحيوية هي نفسها تمامًا في كلتا الحالتين.
يتبع:
الفصل الثاني:صنع الأسلحة البيولوجية

مراحل عملية صنع الأسلحة البيولوجية
من أجل تطوير سلاح بيولوجي ، تحتاج الحكومة إلى ثلاث وحدات أساسية:


(1)عامل بيولوجي ضار.
(2)لقاح لتلقيح قواتها وسكانها المدنيين من أجل حمايتهم من “ارتداد” العامل البيولوجي الذي طوره “علماء الحياة”.
(3)وسيلة توصيل فعالة وآلية لنشرالعامل البيولوجي.
وتشمل العملية ما يلي: عن طريق الهندسة الوراثية للحامض النووي، يقوم  ما يدعون زعما ب “علماء الحياة” عاملًا بيولوجيًا هجوميًا جديدًا.  بعد ذلك، وباستخدام نفس التقنية الحيوية للربط الجيني الدقيق، فإن هؤلاء “علماء الحياة” يطورون اللقاح.  إنهم يتوجون عملهم بتحويل العامل البيولوجي الى هباء جوي ثم اختباره على الكائنات الحية لإثبات أنه يمكن توصيله إلى الهدف المقصود مع احداث الآثار الضارة المخطط لها.  أخيرًا ، يقوم “علماء الحياة” هؤلاء بتسليم هذه الوحدات المكونة الثلاثة لسلاحهم البيولوجي الجديد والمُختبَر إلى حكومتهم لإنتاجها وتخزينها ونشرها واستخدامها في النهاية.  لاحظ أنه في هذه المرحلة، تحول “علماء الحياة” هؤلاء في عملهم من مما يمكن القول انه  مجرد “بحث” مستثنى الى “تطوير” “الاسلحة البيولوجية” المحظور في انتهاك واضح للمادة الاولى من اتفاقية الاسلحة البيولوجية.
وكقاعدة عامة، فإن إحدى الاشارات الواضحة تدل بأن العقد الحكومي الخاص  بالحرب البيولوجية مخصص لأغراض غير قانونية ومحظورة وهجومية هو أنه يتطلب على وجه التحديد التحويل الناجح للعامل البيولوجي الى هَبَاب جوي الذي هو موضوع العقد.  هذا أمر بالغ الأهمية لنجاح سلاح الحرب البيولوجية الجديد لأن معظم عوامل الحرب البيولوجية المضادة للإنسان يتم توجيهها إلى الضحايا المقصودين عن طريق الجو.
وتحت سيطرة حكومة عديمة الضمير، يتم التمكن بسهولة من التلاعب بالهندسة الوراثية للحامض النووي وإساءة استخدامها من أجل التحايل على اتفاقية الأسلحة البيولوجية وإبطالها وإبطال مفعولها وجعلها مما عفا عليها الزمن،  تحت ستار إجراء “بحث” تم استثنائه بسبب تعريفه  ومن جانب واحد على انه “دفاعي”.
هذا هو بالضبط ما شرع المحافظون الجدد الريغانيون في فعله.  حيث شرع  ريغانيوا البنتاغون في التعاقد مع باحثين في جامعات مرموقة في جميع أنحاء الولايات المتحدة من أجل إجراء مثل هذه المشاريع ذات الاستخدام المزدوج،  حيث يكون “هجومي-دفاعي” في نفس الوقت، للحامض النووي لكل مرض غريب يمكن الحصول عليه من الطبيعة في ظل الاسم الاستبدادي الشمولي (الاوريللي)، اسم “برنامج أبحاث الدفاع البيولوجي (BDRP)”. و يقوم المحافظون الجدد تحت ادارة بوش الابن بالشيء نفسه بالضبط اليوم تحت عنوان ما يسمى ببرنامج الدفاع الكيميائي والبيولوجي التابع للبنتاغون (CBDP)، وهو الخلف المباشر لبرنامج BDRP.
يتبع
الفصل الخامس
الحرب البيولوجية الأمريكية ذات الصلة بانتهاكات القانون الدولي

العراق: قانون نورمبرغ للتجارب الطبية

دعونا نعيد التحليل إلى العوامل البيولوجية الخاصة بالتسليح والتي شُحنت إلى صدام حسين بواسطة (American Type Culture Collection) والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بناءً على طلب إدارة ريغان والمحافظين الجدد ، والذين يعمل العديد منهم الآن تحت إدارة بوش الابن، التي، كما ذُكر أعلاه، انتهكت بالفعل بنود اتفاقية الأسلحة البيولوجية.   في أواخر خريف عام 1990، عندما كانت إدارة بوش الأب تسارع إلى الحرب ضد العراق،  أمر وزير “الدفاع” آنذاك ريتشارد تشيني (نائب رئيس بوش الابن الآن وفي نظر الكثيرين ، الرئيس الفعلي لـ الولايات المتحدة الأمريكية) بان يتم تلقيح جميع القوات المسلحة الأمريكية المنتشرة في منطقة الأعمال العدائية باللقاحات الطبية التجريبية للجمرة الخبيثة وسم البوتولين*،  ليس فقط قبل موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على اللقاح ، ولكن دون موافقتهم المسبقة وبالتالي في انتهاك واضح لقانون نورمبرغ**.  في ذلك الوقت لم تكن لدينا أي فكرة لماذا كانت اللقاحات ضرورية.  وأصبح السبب واضحًا في وقت لاحق، عندما اتضح أن إدارة ريغان قد شحنت خلسة هذه العوامل البيولوجية الخاصة بالأسلحة إلى العراق، وكان هناك شعور بأن صدام حسين قام بتجهيز الاسلحة بالجمرة الخبيثة وسم البوتولين.  كانت إدارة بوش الأب تعلم جيدًا أن القوات المسلحة الأمريكية التي ستهاجم العراق ستكون عرضة لعوامل الحرب البيولوجية التي قدمها المحافظون الجدد الريغانيون لصدام حسين لغرض صريح يتمثل في تسليح  هذه العوامل البيولوجية واستخدامها ضد إيران.  “انتكاسة” بالتأكيد. 
كما هو الحال دائمًا ، فإن الزلة الأولى غير القانونية تستلزم الثانية، والتي كانت إجرامية. وعلى هذا فما كان آنذاك لقاحات طبية تجريبية فقط، تم استخدامها في تطعيم  500000 من افراد القوات المسلحة الأمريكية والتي تم نشرها في حرب الخليج الأولى من قبل إدارة بوش الأب، وشمل هذا التطعيم كذلك افراد القوات البريطانية المصنفة بالمثل  مما أدى إلى تحويل المشروع بأكمله إلى تجربة حية ضخمة ، لم يتمكن مجتمع البحث العلمي ولا البنتاغون من التصدي لنتائجها –بسبب مخالفتها ووبالتأكيد لعدم شرعيتها- نظرًا لعدم الاحتفاظ بسجلات تأثيرات اللقاحات بشكل منهجي – وهذا راجع اما لعدم اتاحة الفرصة لعامة الناس وكذلك الجنود من معرفة ذلك مما يسهل إعادة بناء الطبيعة التجريبية للقاحات والتي يتم إعطاؤها بالقوة، أو في الواقع، لحظر تجميع النتائج السلبية لاستخدامها ضد المسؤولين في إدارة بوش الأب.   حتى اليوم، مات أكثر من 11000 جندي أمريكي – ولم يكن هذا كنتيجة مباشرة للقتال – ويعاني معظم الباقون على قيد الحياة  من اعراض متلازمة حرب الخليج (GWS).  بالطبع، كانت ذخائر اليورانيوم المستنفد (DU) ولا تزال عاملاً مسببًا آخر وراء متلازمة حرب الخليج (GWS).  ويواصل البنتاغون إنكار وجود مثل هذه الظاهرة الطبية المصنفة على أنها متلازمة حرب الخليج – حتى أبعد من الحد التي يعرف فيها الجميع أن الإنكار هو مجرد دعاية وتضليل.  لن يلتزم البنتاغون وبالتالي لن يتحمل أبدًا العواقب القانونية والاقتصادية والتعسفية والسياسية والجنائية للاعتراف بوجود متلازمة حرب الخليج (GWS).  لذا فإن المحاربين القدامى في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الذين شاركوا في حرب الخليج الأولى وكذلك أطفالهم بعد الولادة سيستمرون في المعاناة والموت***.  وسيثبت الشيء نفسه بالنسبة للمحاربين القدامى – وكذلك لأطفالهم بعد ولادتهم- في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في حرب الخليج الثانية في عهد بوش الابن.  لقد اقترف بوش الأب، وتشيني، والجنرال كولن باول (رئيس هيئة الأركان المشتركة ثم وزير خارجية بوش الابن)، والجنرال “ستورمين” نورمان شوارزكوف ، وبقية القيادة العليا للجيش الأمريكي، جريمة نورمبرغ (الجرائم التي تم تقديم مقترفيها الى محكمة نورمبرغ) على القوات المسلحة للولايات المتحدة من خلال إجبارها على أخذ هذه اللقاحات الطبية التجريبية في انتهاك لقانون (مدونة) نورمبرغ للتجارب الطبية.  لقد جادلت لأول مرة بهذه النقطة في الإجراءات العسكرية للجيش الأمريكي عام 1991 ضد النقيب الطبيب يولاندا هويت فون، الذي تعرض للاضطهاد جزئيًا لرفضه إعطاء هذه اللقاحات الطبية التجريبية للقوات المسلحة الأمريكية التي تم نشرها في حرب الخليج الأولى التي شنها بوش الأب.  وفي وقت لاحق عقد السناتور (جاي روكفلر) جلسات استماع علنية حول هذه الفضيحة، وفي ختامها اتهم أيضًا كبار أعضاء إدارة بوش الأب بارتكاب جريمة نورمبرغ ضد القوات الأمريكية.




إدارة كلينتون
تنتهك اتفاقية الأسلحة البيولوجية
وباعتبارهم أعضاء في النخبة الحاكمة في أمريكا، انخرط الديمقراطيون أيضًا في أعمال إجرامية دولية.  قرر الليبراليون الجدد في إدارة كلينتون إعادة تنشيط تمويل البنتاغون الضخم لعقود الحرب البيولوجية للهندسة الجينية ذات الاستخدام المزدوج (الدفاعية-الهجومية) في نفس الوقت، على الرغم من حقيقة أن المحافظين الجدد الريغانيين والمتواطئين معهم من علماء “برنامج أبحاث الدفاع البيولوجي (BDRP)” قد قاموا، وقبل ما يقارب العقد من الزمان ببذل اقصى طاقة في بحوث في العوامل الجرثومية الموجودة بشكل طبيعي. 
ثم تأتي صحيفة نيويورك تايمز لتكشف القصة:
•قامت وكالة حكومية أمريكية بتطوير سلالة من الجمرة الخبيثة مقاومة للمناعة عن طريق الهندسة الوراثية للحامض النووي.
•طورت وكالة حكومية أمريكية اسلحة فائقة التطورة للجمرة الخبيثة بكميات و قوة لا يمكن ان يكون لها غرض «دفاعي» مشروع على الإطلاق.
•شيدت وكالة حكومية أمريكية مصنعًا لقنابل الحرب البيولوجية حيث كانوا يختبرون قدرتهم على «إنتاج» أسلحة بيولوجية.
وتضمنت العقود الحكومية الاخرى، والتي سمح بها الليبراليون الجدد لإدارة كلينتون في البنتاغون، دعوة لعلماء-الموت من اجل تحويل العوامل الجرثومية  المعدلة وراثيا الى هباب جوي- وهو اعلان واضح، وان لم يكن قاطعا، لبرنامج غير قانوني واجرامي للحرب البيولوجية.  ويعتبر تحويل العوامل الجرثومية الى هباء جوي أمرًا بالغ الأهمية لتسليح العوامل البيولوجية لأن معظمها يتم توجيهه إلى البشر عن طريق الجو.
انتهكت برامج الحرب البيولوجية التي اوجدها الليبراليون الجدد لإدارة كلينتون كلاً من اتفاقية الأسلحة البيولوجية وقانون مكافحة الإرهاب للأسلحة البيولوجية لعام 1989، الذي بادرت به لجنة علم الوراثة المسؤولة.
إدارة جورج دبليو بوش
تتنصل من بروتوكول التحقق الخاص باتفاقية الأسلحة البيولوجية
لم يكن مفاجئًا قيام إدارة بوش الابن الجديدة والمحافظين الجدد الريغانيين المعاد تدويرهم، وفي أول فرصة متاحة في تموز/يوليو من عام 2001، بالتنصل من بروتوكول التحقق من اتفاقية الأسلحة البيولوجية الذي كان قيد التفاوض الدولي لبعض الوقت.  إن التقليل من بروتوكول التحقق من اتفاقية الأسلحة البيولوجية، والمماطلة فيه، وتدهوره من قبل الليبراليين الجدد في ادارة  كلينتون، والذي أعقبه على الفور تقريبًا الرفض الصريح للاتفاقية من قبل المحافظين الجدد في ادارة بوش الابن، انتهك بوضوح ديباجة اتفاقية الأسلحة البيولوجية التي تنص على اتخاذ تدابير فعالة لإلغاء  جميع أسلحة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيميائية) بشكل عام، وعوامل الحرب البيولوجية بشكل خاص:
إن الدول االموقعة على هذه الاتفاقية،
عاقدة العزم على العمل من أجل تحقيق
إحراز تقدم فعال نحو تحقيق نزع عام
و كامل للسلاح، بما في ذلك التحريم
والقضاء على جميع أنواع أسلحة الدمار،
الشامل واقتناعا منها بأن تحريم
التطوير  والإنتاج والتخزين
للاسلحة الكيميائية والجرثومية (البيولوجية)
وإزالتها، من خلال تدابيرفعالة
سيسهل تحقيق نزع السلاح
العام والكامل في إطار
رقابة دولية صارمة وفعالة
…………………………………
واقتناعا منها بأهمية وضرورة
تخليص ترسانات الدول، من خلال
تدابير فعالة، من مثل هذه الأسلحة الخطرة
للدمار الشامل كتلك التي تستخدم المواد الكيميائية
أو العوامل الجرثومية (البيولوجية)
بما أن كلا من المحافظين الجدد الجمهوريين و الليبراليين الجدد الديمقراطيين قد  اتفقوا مع المبدأ الميكافيلي بأن “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد” عندما يتعلق الأمر بالبحوث والتطوير واختبار الأسلحة البيولوجية، فقد اتحدت النخبة الحاكمة الأمريكية في قناعاتها بأنه سيكون من غير المجدي وجود آلية مراقبة وتفتيش دولية صارمة وفعالة لاتفاقية الأسلحة البيولوجية – والذي لايمكن التحقق منها بدونه.  في الواقع، لم يكن هناك سبب في تعيين الذئب راعيا لحراسة الخراف عندما كان الذئب يخطط لأكلها.  كان بوش الابن يستعد بالفعل لإطلاق كلاب الحرب على أفغانستان والعراق وأماكن أخرى. وهذا هو السبب أيضا في أن إدارة بوش الابن، منذ لحظة إنشائها، بذلت كل ما في وسعها بشريا لتخريب المحكمة الجنائية الدولية.
——————————–
* أحد الأسلحة البيولوجية القاتلة، تُفرزه بكتريا Clostridium botulinum، وتكمن خطورته في تسببه بشلل عام وموت المصاب في حال لم يُعْط المصل المضاد في خلال 24 ساعة
**: Nuremberg Code‏ هو أحد المبادئ الاساسية للاخلاق في التجارب على الإنسان، تم وضعه خلال محاكمة أطباء النظام النازي في مدينة نورمبرغ الألمانية بعد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية، ويعتبر حتى اليوم، الأساس في مجال إعداد وتنفيذ التجارب الطبية والنفسية على البشر.
***والشئ نفسه ينطبق على رجال ونساء واطفال العراق الذين تعرضوا لليورانيوم اثناء الحروب الامريكية على العراق



الفصل السادس
الإرهاب المحلي: هجمات الجمرة الخبيثة على الكونغرس الأمريكي

اتخذ تاريخ البحوث في الحرب البيولوجية في الولايات المتحدة تطورًا كبيرًا بعد 11 ايلول/سبتمبر 2001، مع هجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية على كونغرس الولايات المتحدة. لم يكن لدي في الأصل صورة واضحة عن الذي كان يحدث- ليس قبل ان تتحدث صحيفة نيويورك تايمز عن التكنولوجيا الحيوية المستخدمة في رسالة (Daschle)( وهي الرسالة المحتوية على جراثيم الجمرة الخبيثة التي تم ارسالها الى عضو الكونغرس Daschle). لقد كانت جراثيم الجمرة الخبيثة في رسالة  Daschle متطورة للغاية: حيث تمت معالجة جراثيم الجمرة الخبيثة بطريقة مصممة للتخلص من الشحنات الكهروستاتيكية حتى يمكن أن تطفو في الهواء، مما جعلها من فئة الأسلحة الفائقة التطور.  العلماء الوحيدون الذين كانت لديهم القدرة على تصنيع مثل هذا النوع من السلاح هم الأفراد الذين تم توظيفهم حاليًا أو تم توظيفهم في برنامج الحرب البيولوجية التابع للحكومة الأمريكية.  يمكن القول إنهم يعملون حاليًا ، حيث يفترض وجود امكانية لديهم للوصول إلى أحد مختبرات الحرب البيولوجية عالية التحصين التابعة للحكومة الأمريكية المخصصة من أجل معالجة وتجميع أسلحة الإرهاب البيولوجي هذه ؛ وربما يتعين عليهم ارتداء واحدة من البدلات الواقية مما يسمى “بدلات رواد الفضاء- moonsuits” من أجل القيام بذلك بأمان.  هذه المعايير الدقيقة قلصت قائمة الجناة المحتملين إلى حفنة يمكن التعامل معها.  فور قراءة المقال في صحيفة نيويورك تايمز ، أجريت مكالمتين هاتفيتين لماريون ” Spike” بومان – الذي سأعود إليه فيما يلي- وهو مسؤول كبير في مكتب التحقيقات الفيدرالي يتولى شؤون الإرهاب ومكافحة الإرهاب وكان على علم بالعمل الذي قمت به في مجال الحرب البيولوجية، وذلك من أجل مناقشة هذا الأمر معه.  أخبرته أن هناك عددًا قليلاً جدًا من الأشخاص الذين لديهم هذه القدرة التكنولوجية وامكانية الوصول المادي إلى المرافق المعنية، وأنه يمكنني توفير بعض الخطوات له من خلال تقديم قائمة بهؤلاء الاشخاص من الذين عملوا في إطار برنامج (الريغانيين) لأبحاث الدفاع البيولوجي (BDRP).  ثم انتقلت إلى قائمة الأسماء والمختبرات الخاصة بـ “علماء الحياة” الأمريكيين الذين عملوا على الجمرة الخبيثة في برنامج (الريغانيين) لأبحاث الدفاع البيولوجي (BDRP). وأخبرته أيضًا بامكانية ان يحصل على القوائم الحديثة لـ «علماء الحياة» الأمريكيين الذين يعملون الآن على الجمرة الخبيثة في البنتاغون ووكالة المخا

Related Articles

Back to top button