أحدث الأخبارفلسطين

القدس والالتزام بقضية فلسطين

بقلم : عادل ابو هاشم

العصر-من الأخطاء القاتلة تبسيط النظرة إلى موضوع المدينة المقدسة في إطار الصراع العربي – الإسرائيلي ، واعتبارها جزءاً هامشياً من الصراع ، لأن القدس تشكل أهم عنصر في أيديولوجية الصراع، وليس التناقض التاريخي والعقائدي والحضاري لأطراف الصراع فحسب ،إضافة إلى أن من الخطورة تقزيم طبيعة الصراع حول القدس وأطلاق عليه مصطلح(( الخلاف حول القدس))، فالحقيقة أنه ليس خلافاً لكنه صراع بين وجودين مضادين تاريخيين تشكل القدس فيه جوهر الصراع .
و ما شهدناه مؤخرا من تدنيس للمسجد الأقصى و انتهاك حرمته باقتحام مستوطنة صهيونية و هي شبه عاريه ، و قيامها بالتقاط صور لها داخل ساحاته الطاهره ،
وما يشهده هذه الايام من اقتحام الجنود الصهاينة ورعاع المستوطنين لباحات الحرم القدسي ، واعتلاء اسطحه ، واستخدام الرصاص الحي والمطاطي والغازات المسيلة للدموع ، واخلاء الحرم من المصلين والمعتكفين فيه ، والسماح لشراذم المستوطنين بدخوله ، واصابة وجرح عشرات المصلين داخله ، واغلاق الطرق المؤدية اليه ، وتهجير سكان حي الشيخ جراح الا خير دليل على ذلك .!


فما أعلنه ويعلنه قادة العدو الإسرائيلي منذ إحتلال القدس الشرقية عام 1967م وإلى اليوم بأن القدس الموحدة ستبقى العاصمة الأبدية لإسرائيل،هو في حد ذاته إعلان حرب بكل المقاييس، وينسجم مع حقيقة المخطط الصهيوني في السيطرة على المدينة المقدسة لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى ، وهو ما أكده أيهود أولمرت رئيس ما يسمى بلدية القدس المحتلة السابق حيث قالها واضحة وجلية :
( لقد بدأت معركة القدس ) ، وذلك تعبيراً عن الإجراءات المادية والعملية لضم القدس وتهويدها من خلال تطويقها بالأحزمة الاستيطانية، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وسحب الهويات المقدسيه وكافة التغييرات الجغرافية والديموغرافية التي دأبت سلطات الاحتلال في تطبيقها منذ بداية الاحتلال عام 1967م وحتى الآن ، وما كشف عنه مؤخراً من أن الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة بدأت بالعمل على هدم المسجد الأقصى من خلال الترويج لمعتقد أصولي يهودي يؤكد ضرورة هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه ، ومباركة الحكومة الإسرائيلية لهذا الطرح وتشجيعه من خلال سماحها إقامة المؤتمر السنوي السابع لـ ( حركة إعادة بناء الهيكل ) ، حيث أقسم آلاف اليهود على هدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهم مكانه لوضع العالم كله بما في ذلك الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية أمام أمر واقع مفاده أن القدس جزء من إسرائيل .
وإذ يظن البعض أن الاستيلاء على المدينة المقدسة والشروع بإجراءات الضم والتهويد وإلغاء صبغتها الإسلامية والشروع المبكر والمستمر لتغيير تركيبتها السكانية والسعي إلى تحويلها مدينة ( مليونية يهودية ) قد أرتبط وتزامن مع بداية الاحتلال الكامل للمدينة عام 1967م ، إلا أن الحقيقة التي تثبتها وقائع الحركة الصهيونية وتصريحات قادتها تؤكد أن تلك النوايا والمخططات كانت مبيته قبل ذلك التاريخ بعشرات السنين ، وإن شارون وباراك ونتنياهو وأولمرت وبيريز ورابين و لابيد لم يكونوا وحدهم التلاميذ النجباء للحركة الصهيونية ، إذ سبقهم آخرون ، وجميعهم يترجمون على أرض الواقع أقوال ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في مدينة بال بسويسرا عام 1897م والذي قال:


( إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها وسوف أدمر الآثار التي مرت عليها القرون).!
وماذا يعني السعي الحثيث والمتواصل لتدمير المقدسات الإسلامية وغيرها بالحرق والحفر والتدمير والتدنيس المتواصل إن لم يكن تطبيقـًا عمليـًا وأمنيـًا لقول دافيد بن غور يون أول رئيس للحكومة الإسرائيلية في إدعائه :
( لا معنى لفلسطين بدون القدس … ولا معنى للقدس بدون الهيكل ) .؟!
وماذا يقول غلاة الصهيونية اليوم غير ما قاله ليفي أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي في 17/6/1967م من أن ( إسرائيل لن تتخلى مطلقاً عن الجزء القديم من القدس وأنها ستعمل من أجل حدودها الطبيعية الحقيقية ).!
وخرج علينا شلومو غورين الذين يطلقون عليه في إسرائيل كبير أحبار اليهود بالقول :
( أن الصهيونية وأهدافها ستبقتى معرضة للخطر ما دام المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة قائمين أمام أعين المسلمين وأفئدتهم لذا يجب إزالتهما من على سطح الأرض ) !!
وحتى أسحق رابين والذين أطلق بعض العرب علية لقب (( شهيد السلام)) حدد مفهوم الأمن في أنه ( يمكن السيطرة على وادي الأردن وعلى القدس موسعة وموحدة وعاصمة أبدية لدولة إسرائيل ).!
وبعد توقيع الاتفاق الفلسطيني –الإسرائيلي في واشنطن في 13/9/1993م والمعروف باتفاق أوسلو ، صدر قرار المحكمة الإسرائيلية العليا باعتبار الحرم الشريف في القدس جزءاً من دولة إسرائيل ووضعه تحت وصاية جمعية ( أمناء الهيكل ) الصهيونية ، واستمرت حكومة رابين في توسيع المستوطنات اليهودية والاستمرار في بنائها وخاصة في القدس، بهدف وضع المفاوض الفلسطيني تحت الأمر الواقع في المفاوضات النهائية حول مدينة القدس ، مما دعا المعلق الإسرائيلي زئيف شيف للقول :
(عندما يحين موعد مفاوضات المرحلة النهائية لن يظل هناك شيء ليتفاوض عليه الفلسطينيون في القدس باستثناء الأماكن الإسلامية).!
لقد عبر عن سياسة الأمر الواقع هذه بوضوح وبدون أدنى مواربة ( إبراهيم كاحيلا ) الذي أشرف على بداية مشروع المستوطنات عندما كان تيدي كوليك رئيساً لبلدية القدس الموحدة حيث قال :
( إنه مع إنجاز المخطط الاستيطاني سيستحيل على رئيس منظمة التحرير أن يقول أن القدس الشرقية عاصمته ، لأن إنجاز هذا المخطط سيجعل تقسيم المدينة من جديد أمراً مستحيلاً ).!
لقد أتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في المدينة المقدسة التكتيك الصهيوني القائم على التطويق والإبادة :
 تطويق استيطاني وسكاني واقتصادي .
 وإبادة للوجود العربي بشتى الوسائل .
لقد أدرك قادة العدو بأن القدس هي عنوان القضية الفلسطينية ، وهي في وعي العرب والمسلمين عنوان الالتزام بقضية فلسطين، وأدركوا أيضاً أن المسجد الأقصى يمثل رمزاً للمقدسات الإسلامية في القدس، فعملوا جاهدين على حرق وتدمير الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه ، حيث تعمل 125 جماعة يهودية متطرفة داخل الأراضي العربية المحتلة ، منها 25 جماعة تسعى إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه .!
وللوصول إلى تنفيذ مخططاتها بدأت الحكومة الإسرائيلية في الاستحواذ على غالبية الحقوق الفلسطينية في المدينة المقدسة، واتخذت سلسلة من الإجراءات لتقليص الوجود التاريخي العربي الفلسطيني وتضخيم الغالبية اليهودية ، حيث تمارس حكومة العدو سياسة التطهير العربي في القدس مما دفع بنحو 200 ألف فلسطيني إلى ترك مدينتهم والرحيل عنها ، ويقفز هذا الرقم إلى نصف مليون إنسان لدى إضافة أبناء وأحفاد هؤلاء الفلسطينيين الذين أجبرتهم سلطات الاحتلال على الهجرة وحولتهم إلى لاجئين . !


مما سبق يتضح بأن كافة ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مروراً بالوسط تجمع على تهويد القدس وبسط السيادة الإسرائيلية عليها، ولكن مصير القدس لا يمكن أن تقرره إسرائيل ، فالقدس ليست مدينة فلسطينية فحسب ، ولكنها ذات بعد عربي وإسلامي ، وهي خط أحمر بالنسبة للفلسطينيين والعرب والمسلمين وللعالم المسيحي ، وإن أي مساس بالوضع الديني والقانوني للمدينة المقدسة أو جعلها محل مساومة لا يعتبر تنازلاً فحسب ، ولكنه يعني أن الوضع الناشئ عن مثل تسوية كهذه محكوم عليه بانهيار سيقود حتماً إلى كارثة يصعب التكهن بنتائجها ، ويضع المنطقة على فوهة بركان جديد ، ويحمل الأجيال القادمة تبعات مقارنة تاريخ المدينة المقدسة وما آلت اليه بين الأجداد والأحفاد .

Related Articles

Back to top button