أحدث الأخبارشؤون آسيويةشمال أفريقيا

المستقبل العربي في ظل صراع الأقطاب؟

مجلة تحليلات العصر الدولية - د. عادل رضا

 

النظام الطاغوتي الربوي الصهيوني العالمي لا يخجل من صناعة “عقل جمعي” مزيف يدعو الى نموذجهم “الوهمي” الذي يتم نفخه “إعلاميا” و الترويج له عن طريق وسائل الترفيه من أفلام و أغنيات مصورة و مسلسلات كوميدية قصيرة وعبر مرتزقة مواقع التواصل الاجتماعي و هي جزء من اليات صناعة الوهم و الدعاية المزيفة التي تصنع “عالما “غريبا ليس موجودا الا في شاشات التلفزيون او على أقراص الأفلام او في ما تم استحداثه مؤخرا من منصات انترنت تبث الترفيه رقميا مع تركيزها القذر على الشذوذ الجنسي و النشر “المنحط” للانحرافات الأخلاقية و كل ما يدمر “مفهوم العائلة الإنسانية الطبيعية”.

“لقد أثبت العلماء منذ فترة طويلة أن المعرفة بالشؤون الدولية تعكس غالبًا التحيزات السياسية والثقافية والجغرافية لأولئك الذين ينتجونها. على سبيل المثال، كشفت دراسات ما بعد الاستعمار عن أن المناهج الأمريكية السائدة «ضيقة الأفق» وليست عالمية، أو تعكس الافتراضات الفكرية والتفضيلات السياسية لمن هم في مركز النظام الدولي”*
“ووجد بعض هؤلاء العلماء الملتزمين بالتفكير الوضعي الجديد أن الهيمنة الأمريكية في هذا المجال تميل إلى خلق «نقاط عمياء» في العلاقات الدولية، مما يؤثر سلبًا على العلاقات الدولية. كما تؤثر التحيزات السياسية والثقافية أيضًا على وكالات التصنيف وقواعد البيانات، مما يؤدي إلى تقييمات وتوصيات من جانب واحد.”*
ان النظام الطاغوتي الربوي الصهيوني العالمي هو “ديكتاتورية” كمنظومة عالمية عابرة للقارات لا تريد الا ان يتم “فرض” ما تريده هي وهي تخدع شعوبها من خلال الإيحاء من ان هجومهم على الأقطاب الروسية الصينية “الصاعدة” هي جزء من “وطنية مطلوبة من هذه الشعوب !؟” وهي حالة “استحمار” خادعة يمارسها النظام الطاغوتي العالمي ضد شعوبهم !؟
“تخلق الأزمات الدولية والمعضلات الأمنية الظروف التي يصبح فيها إنتاج المعرفة الموضوعية وغير المتحيزة أكثر صعوبة من أي وقتٍ مضى. إن ضغوط الأزمات لها تأثير في تقليص الحيز الفكري لخطابات النقد والتأمل الذاتي، تاركة مجالًا فقط لخطاب التفوق والدفاع. عندما تتطور الأزمة إلى مواجهة سياسية وعسكرية، يتعرض المثقفون لضغوط شديدة للوقوف إلى جانب حكوماتهم، وقد يُنظر إلى بعضهم على أنهم خونة إذا انتقدوا سياسات دولهم. في ظل هذه الظروف، تهيمن المواقف والصور النمطية السلبية. ويتم الضغط على الدول لتقديم نفسها على أنها الحامي النهائي للمصالح الوطنية، ويمكن أن تميل إلى الانخراط في صناعة الأساطير القومية وإثارة الخوف والتستر الاستراتيجي.”*

هذا النظام الطاغوتي الربوي الصهيوني العالمي يلعب على الأرض العربية بالتدمير والسيطرة والاستغلال وسرقة مواردها الغنية ومحاولة تحريك هذا الطرف وذاك الطرف بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني وادواتهم، والمنطقة العربية أصبحت منطقة “تدخل مفتوح” وملعب لكل من هب ودب في ظل غياب “المشروع العربي الشامل والجامع” وفي ظل غياب الوحدة العربية الحقيقية المطلوبة من أي أمة تريد صناعة نهضتها وامنها الحقيقي وتنميتها الواقعية في خط خدمة الفرد والمجتمع من اجل الإنتاج الحضاري المستمر والمتواصل وهو الدور الذي غاب عنه العرب.
نحن نريد نقاش المستقبل العربي في ظل صراع الأقطاب؟
وهل لنا دور في هذه اللعبة في ظل التفكك العربي السائد في المنطقة؟
وما أفضل من التاريخ العربي لكي ننطلق منه لصناعة المستقبل وهو التاريخ الذي نريد قراءته لا لكي نستغرق فيه ونغرق في تفاصيله، بل هو التاريخ الذي ندرسه ك “تجربة” وك “محاولات عربية” نحاول دراستها من خلال سلبياتها لكيلا نقع فيها مرة أخرى، لكي ننطلق من جديد من اجل إعادة النهضة العربية في خط صناعة الحضارة والابداع وهو الدور العربي الذي غاب عن العالم.
ان التاريخ موقع انطلاق لقراءة الحاضر وصناعة المستقبل، وكذلك لتقديم الدروس بعيدا عن المثاليات والاحلام الخيالية التي تصطدم مع الواقع الذي قد يخلق “احباطات” وفشل متكرر مما قد يصنع الردة عن الايمان الفكري او يدمر الاحلام، ومسألة الردة تزداد حساسيتها عندما تحصل عند المتدينين الذين قد يتفاجئون من تصرفات حزب من هنا او انحراف قيادات من هناك او حرمنه معمم هنالك وارتباط ذاك مع جهاز استخبارات …. الخ من صدمات الواقع الذي قد يعيشها ليس فقط “الإسلاميين” بل القوميين والماركسيين سابقا عندما يسقط المبدأ والفكر امامهم ويشاهدون “الانحراف” و”السقوط”.

شاهدنا و رأينا و عاصرنا كلنا مسألة “عبادة الشخصيات” و تقديس الأشخاص عند القوميين و بخاصة لدى الأنظمة الرسمية العربية و أنظمة حكم الحزب الواحد ,منحن هنا لا نناقش فشل او نجاح فكرة نظام الحزب الواحد ولا نسوق لفكرة الديمقراطية “الغربية” فالنقاش الفكري التحليلي يطول في تلك المسألة وتتطلب دراسة منفصلة ولكن في عالمنا العربي رأينا كيف أصبحت الأحزاب “مافيات” و عصابات تجميع لأوباش البشر و مواقع للمزاوجة بين الامن و التجارة و هذه مأساة الأحزاب العربية بكل تفرعاتها و تنوعاتها فالأسلامي سقط كما سقط القومي و الماركسي اذا صح التعبير , و لعل ذلك منتوج ان الايمان الفكري “سطحي” بعيدا عن القاعدة الايمانية العميقة , او ان ذلك منتوج “طغيان” ثقافة المجتمع على الإفقار الدينية او القومية او الماركسية , فنجد على سبيل المثال عقلية البيك و العبيد عن “جزء” من شعبنا العربي في القطر اللبناني و التي تحولت الى حالة أسوأ من عبادة الشخصية او تقديس القيادات الى مستويات مخزية من التضحية , او ان يقتل اشخاص أنفسهم من اجل ان زعيمهم لم يحصل على موقع وزاري !؟ وهذه للأسف قصص حقيقية حصلت تعكس مشكلة اجتماعية في واقع أحد أجمل اقطار عالمنا العربي، وهو مثال مؤسف نذكره هنا من باب المثال وليس التفصيل لكي نقول:
ان لدينا في عالمنا العربي قوة اجتماعية وعادات وعقليات عميقة التأسيس في الشخصية الجماعية العربية قد تكون أعمق اثرا من الأفكار الدينية والقومية والماركسية والليبرالية الحديثة بل انها قد تلغيها من واقع الحركة والتطبيق وتتركها ك “شعارات” ويافطات” فارغة ولكن الحاكمية الأصيلة هي لمعتقدات المجتمع الموروثة.

ان مشروع الأحزاب والتنظيمات السياسية الفكرية أتصور انها قد فشلت في الواقع العربي وانتهى دورها في مفهومها السابق وهذه المسألة قد طرحها قبلي الأستاذ صلاح عمر العلي في أكثر من موقع اعلامي وما يهم إطلاق الأستاذ صلاح لتلك المسألة انه يقولها من واقع حركي تاريخي عاشه هو شخصيا كأحد اهم الشخصيات القومية العربية وأحد قادة انقلاب 1968 الشهير في العراق آنذاك أي ما اريد قوله لأنه كان أحد بناة النظام الرسمي العربي المرتبط في حكم الحزب الفكري، من هنا تأتي أهمية مراجعاته وآرائه، ويقول الأستاذ صلاح عمر العلي بهذا الخصوص:
“لاشك بان الأحزاب الأيديولوجية أدت دورا مهما على امتداد القرن العشرين ومارست ادوارا توعوية بين شعوب المنطقة الا انني ومن منظار موضوعي اجد ان ما شهده عالم الْيَوْمَ من تطورات هائلة في مختلف مجالات الحياة وخصوصا في مجالات الاتصالات والانترنيت والتواصل الاجتماعي وهذا الفضاء المفتوح لكل البشر والذي جعل مختلف المعارف متاحة امام جميع البشر تمكن من خلق تغيرات جذرية في جميع مجالات الحياة بحيث بدأت كثير من القيم والمفاهيم والمعايير بالانحسار والانتهاء ومنها ظاهرة الأحزاب الأيديولوجية فأنا كإنسان كنت اشعر بحاجة شديدة قبل نصف قرن للاستعانة بمثل هذه الأحزاب لتساعدنا في اتاحة المزيد من الثقافة والمعرفة اما الْيَوْمَ فقد أصبحت اشعر انني في غنى عنها وعن دورها القديم.”

وعن تجربة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في “العراق” يذكر الأستاذ صلاح عمر العلي نقاط مهمة ومراجعة تاريخية قيمة جاء فيها:
” مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي تحول البعث الى جهاز من اجهزة الدولة التنفيذية، لا فرق بينه وبين اي جهاز تنفيذي او أمنى من اجهزة الدولة الاخرى. ينفذ ما يملى عليه من الاوامر والقرارات الصادرة عن القيادات العليا دون ان يملك حق ابداء الراي او الاعتراض قبل او بعد تنفيذ تلك الاوامر. وهو ما ترك أثره المدمر على بناء الحزب التنظيمي والفكري بصورة جذرية، فعطل مجمل اليات العمل المنصوص عليها في النظام الداخلي، وفقد هذا الحزب المتميز بشجاعة وبطولة اعضاءه وقدراتهم النضالية العالية في الدفاع عن مصالح امتهم وابناء شعبهم ضد النظم الديكتاتورية العميلة، وبمستواه التنظيمي الدقيق، وانفتاحه المرن على تجارب وافكار الاخرين، فقد روح الابداع والمبادرة، وانعدمت اي قيمة فعلية لمؤتمراته الدورية المنصوص عليها في النظام الداخلي والتي كانت تتناول خلال فترات انعقادها كل ما له علاقة بالدولة والحزب بالنقد والتقييم الجريء والصريح ابتداء من ادنى القيادات صعودا نحو المؤتمر القطري، أعلى سلطة في الحزب الذي تناط به مهمة وضع استراتيجية عمل الدولة والحزب للفترة المحصورة بين مؤتمرين متتاليين. والذي يختتم عادة بأجراء عمليات انتخاب ديمقراطية لقيادات الحزب المختلفة. وبدلا عن ذلك تحولت مؤتمرات الحزب الى مناسبات لفرض المزيد من السطوة الفردية والهيمنة والارهاب الفكري والترويع على جهاز الحزب يوم بعد اخر، تطبيقا حرفيا للنزعة الستالينية، وتراجعت تلك القيم والمبادئ النبيلة التي اكسبت البعث دورا مهما في ساحة العمل الوطني والقومي خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فحلت ظاهرة بسط الهيمنة التامة على الحزب وترويضه لصالح الفرد.

لقد نمى البعث في بدايات نشوئه الاولى على منطلقات فكرية ترفض عبادة الشخص والفكر الشمولي ونظرية الحزب الواحد التي كان اول من طرحها وتبناها في الساحة العربية هو أديب الشيشكلي، بعد ان سبقه الى ذلك كل من الشيوعيين والفاشيين، وكان جهد قيادات هذا الحزب مركزا منذ عام 47 على تنشئة جيل واع وحركة عربية منفتحة، تؤمن بالحوار والانفتاح على الاخر، وكان عضو القاعدة مساويا من حيث القيمة النضالية لدور عضو القيادة، كما كانت تشجع المبادرات والابداع الفكري والنضالي للبعثيين، وكانت جهود المؤسسين الاوائل مكرسة لبناء هذا الحزب على اسس اشتراكية ديمقراطية، الا ان البعث مع اقترابه من استلام السلطة عام 63 في العراق، ومع تعقيدات الوضع السياسي السائد آنذاك بدأت تظهر في عدد من ادبياته السياسية ما يشير الى بداية تخليه عن تلك المنطلقات الفكرية ، بدلا من العمل على إغنائها وتطويرها وتحويلها الى ركائز اساسية متميزة في الحكم.

وبدلا من الاستفادة من اسباب فشل تجربتي ثورة 1958 و1963 في ادارة شؤون الدولة وكذلك فشلها في إدارة العلاقات الوطنية، وتجنب الوقوع في الاخطاء التي وقعت بهما الثورتين المذكورتين فان قيادة البعث التي قادت ثورة 17 تموز عام 1968 بعد ان تخلصت في وقت مبكر من عدد لا يستهان به من المناضلين الاشداء الملتزمين بفكر الحزب ومنطلقاته النظرية، سرعان ما تبنت فكرة الحزب القائد والفرد القائد ومن ثم القائد الضرورة في تراجع خطير عن العديد من المفاهيم والمقررات المقرة من قبل مؤتمرات الحزب القومية والقطرية ومن قبل قيادته في العراق. وبدلا من حشد وتكريس الامكانيات الفكرية في الحزب وخارجه من اجل تطوير مشروع حكم في العراق يجعل من تجربته نموذجا يحتذى به وترجمة لحلم كان يراود الكثير من المناضلين العرب، فقد لجات القيادة الى المفاهيم الستالينية في شكل الدولة وكيفية ادارتها
ومثلما نجح الخط التحريفي في تعطيل اليات العمل بصورة شاملة داخل حزب البعث والغاء العديد من تقاليده النضالية والتنظيمية والعبث بكل صغيرة وكبيرة لها علاقة بهذا التنظيم، فقد حقق ايضا نجاحا مدهشا في فرض سيطرته الكاملة على اجهزة الدولة المختلفة، وتوظيفها لخدمة تلك النزعة التحريفية المدمرة مستعينا بجيش جرار من نهازي الفرص وذوي النفوس المريضة من الاعلاميين، والسياسيين، فكل مواطن عراقي اصبح في منطقهم بعثي وان لم ينتم!! هذه المقولة التي احتارت العقول في تفسيرها وفهمها.

وبعد ان تمت السيطرة على كل جزئيات الحياة في العراق بتفاصيلها الدقيقة، بدأت حملة إعلامية من الوزن الثقيل لترويج تلك الشعارات والمصطلحات التي تبشر بقيادة الفرد وعبقريته الفذة (القائد الضرورة) على حساب قيادات الحزب الجماعية والكوادر المتخصصة في شتى المجالات تغزو اسماع وعقول البعثيين قبل غيرهم من المواطنين العراقيين الاخرين. وبتطبيق حرفي لنظرية وزير الاعلام النازي غوبلز لم يرى المواطن العراقي، بعثيا كان او غير بعثي، سوى الوجه السلبي للحقيقة، وفقد في لجة ذلك الاعلام الغوغائي مقدرته على التمييز بين الاشياء، فسقط سقوطا مدويا امام ذلك الكم الهائل من الدجل والكذب والتزوير والاعلام المظلل، الى جانب ما كان يمارس ضده من اساليب الارهاب والقمع الدموي وضد من يحاول التفكير، مجرد التفكير في الاعتراض او النقد لتلك الاساليب التي سادت ومورست على نطاق واسع والتي راح ضحيتها مناضلين معروفين، من اكثر البعثيين اخلاصا ووفاء لقيم الحزب القومية التقدمية. واصبح البعثيون المخلصون يعانون من حالة احباط وازدواج في الشخصية، ففي الوقت الذي يشاهدون فيه المؤامرة الدولية التي تستهدفهم وتستهدف بلادهم، ويجري العمل على تطويرها وانضاجها وتوفير وتحشيد كل مستلزمات نجاحها، يجدون انفسهم مسلوبي الارادة والقدرة على الفعل الجاد لدرء ما يخطط ضدهم، الامر الذي فرض عليهم شعورا بالهزيمة المعنوية والنفسية قبل وقوع الهزيمة العسكرية الكارثية.

 

ومن العجب العجاب ان نجد قيادات وكوادر الهزيمة وهي تعود لممارسة مسؤولياتها القيادية في الحزب من جديد بنفس الاساليب والعقليات التقليدية التي ادت الى الكارثة التاريخية التي راح ضحيتها العراق برمته ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وكأن شيئا لم يحدث، باستثناء بعض الاشارات الخجولة التي وردت في التصريحات او البيانات الاخيرة التي صدرت عن السيد عزت الدوري والتي لا ترقى الى مستوى الحد الادنى مما يطمح له البعثيون، فلا ندوة متخصصة ولا مؤتمر قومي او قطري ولا حتى مجرد اجتماع موسع يشارك فيه عدد من كوادر الحزب الثقافية يكرس لأعادة تقييم ما حدث ومحاولة بناء استراتيجية جديدة تواكب وتعالج مستجدات الاوضاع المعقدة المترتبة على تلك الهزيمة التي مني بها الحزب. أما من يحاول ممارسة حقه المشروع في المطالبة بالنقد والنقد الذاتي فانه سرعان ما يوضع على لائحة المتهمين بالتآمر على الحزب، تماما مثلما كان عليه الامر قبل الاحتلال، مع فارق لا يستهان به هو ان قيادات الحزب الراهنة لا تملك سلطة تنفيذ أحكام الاعدام على ايدي جلاوزتها المتكتلين في مواقع الانترنيت وكأنهم خلايا دبابير سامة جاهزة للسع هذا ولسع ذاك من الرفاق بتوجيه تهم جاهزة، بالتأمر والخيانة والعمالة للمحتلين او لإيران او لسلطة المنطقة الخضراء في العراق.

فمتى يا ترى سيتم استيعاب الدرس؟ وهل هناك ما يشي بإمكانية حدوث هذه المعجزة في المستقبل القريب، أم ان بعض من بقي من قيادات الحزب المختلفة لم تعد في وارد القدرة على التخلص من عقدة الشعور بالمسؤولية عن كل ما جرى للعراق والعراقيين؟ وذلك من خلال إصرارها على انجاز مشوارها التدميري حتى القضاء النهائي على البعث ورسالته القومية التقدمية؟”

, و لعل مسألة وسائل التواصل الاجتماعي و التحركات الشبابية في مختلف بلدان العالم العربي قد تجاوزت رتابة الاحزاب العربية التقليدية في مراحل كثيرة و أصبحت الحركة الثورية الشبابية العربية تتمحور حول مطلب من هنا و مشروع من هناك و هذه الحركة الثورية الشبابية العربية قد يتم إعادة تشكيلها عند تغير الاهتمامات و المطالب لذلك ما نريد ان نقوله اننا امام عالم جديد و واقع الأحزاب العربية ليس لها دور فيه الا تثبيت الانحرافات و إعادة محاولات احياء إعادة صناعة الفشل من حيث التركيز على ربط القطر العربي بهذا الزعيم او ذاك الحزب.
ويذكر الأستاذ صلاح عمر العلي عن هذه المسألة:
“تؤكد ثورتا تونس ومصر العربية جملة حقائق مهمة، يأتي في مقدمة تلك الحقائق ان عالمنا المعاصر يشهد منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وباقي الدول الاشتراكية تزامنا مع ظهور ثورة المعلوماتية والاعلام العابر للقارات وبداية اشتغال الشبكة العنكبوتية التي وفرت للأنسان من المعلومات المجانية بسرعة خارقة ما لم يحلم به من قبل، دخوله في عصر جديد مختلف في العديد من المسائل الجوهرية عن عصر ما قبل ذلك، حيث اندثرت أو توشك على الاندثار قيم ومفاهيم وممارسات كانت سائدة منذ زمن بعيد ولم تعد صالحة للحياة الا على رفوف المكتبات او في قاعات المتاحف، وفي المقابل برزت او اوشكت على البروز قيم ومفاهيم وممارسات مختلفة بدأت تشق طريقها بسرعة فائقة، لتستقر في عقول ابناء هذا العصر وتحرك مشاعرهم ومواقفهم ازاء متطلبات حياتهم الجديدة لتحل محلها.

ففي الحقبة السابقة مثلا كان للعمل الحزبي المنظم بأشكاله وممارساته والتزاماته التقليدية، نيابة عن او باسم الجماهير يقوم بمهام رائدة ومتقدمة وخطيرة في قيادة الجماهير من اجل تحقيق امالها وتطلعاتها نحو اهدافها الكبرى قبل ان ينتهى دورها او يوشك على الانتهاء، بعد ان ادت ما عليها من التزامات سلبا او ايجابا، ليحل محلها اسلوب العمل الجماهيري الارادوي بعد ان لم تشعر تلك الجماهير بالحاجة الفعلية لمن يتكفل بالعمل أو يخطط نيابة عنها او باسمها أو يفكر نيابة عنها. فقد تنامى الوعي السياسي بوتائر متسارعة بفضل ما تقدمه وسائل الاعلام المختلفة من خدمات غير محدودة في هذا المجال. وعلى هذا نجد ان الجماهير في مختلف بلدان العالم أمسكت بزمام مصيرها بيدها بصورة مباشرة بعد ان اسقطت من حساباتها امكانية الاستمرار بقبول من يعمل نيابة عنها من الاحزاب والحركات السياسية.”

“النصر على العدو يتحقق حينما تتحقق عوامله في نفوسنا اولا أكثر من ستين عاما مرت على نكبة العرب في فلسطين على ايدي الحركة الصهيونية ولا زلنا نسمع النداء تلو النداء من قبل حكام الهزيمة العرب وورثتهم في السلطة بضرورة واهمية وفائدة السكوت على الممارسات الدكتاتورية وقمع الحريات العامة والتجاوزات الفاضحة على حقوق الانسان العربي وعلى سرقة ونهب ثرواتنا تحت شعار تحرير فلسطين (فكل شيء من أجل المعركة). فلا يجوز لنا المطالبة بأطلاق الحريات العامة للمواطنين ولا يجوز لنا المطالبة بأجراء الانتخابات الحرة لاختيار حكامنا أو من يمثلنا في البرلمان ولا يجوز لنا الاعتراض على سياسات النهب وسرقة المال العام ولا يجوز لنا المطالبة بحرية الصحافة او العمل السياسي او اقامة جمعيات او منتديات للفكر مستقلة عن هيمنة وسطوة اولئك الحكام، فكل ذلك يجب تأجيله من اجل معركة تحرير فلسطين.

وتحمل المواطن العربي في جميع اقطار الوطن الكبير كل تلك الفضائح والاعتداءات المتواصلة على حقوقه المشروعة في الحياة وصبر طويلا على ممارسات القمع والاذلال تحت نفس المبررات، الا انه اكتشف بعد حين بان فلسطين لم تتحرر بل اوشك الجزء المتبقي منها على الضياع بصورة نهائية بسبب تواطؤ هؤلاء الحكام وخيانة بعض القيادات الفلسطينية الراهنة. ومع ذلك تجدهم سادرين في غيهم مستمرين في تخاذلهم وتواطئهم على حقوق ومصالح الامة مقابل احتفاظهم بكراسيهم وامتيازاتهم.

ومن اجل اهدافهم (المقدسة) فلا ضير من الاستمرار بالتنازلات امام الاعداء والطامعين في اوطاننا، فتواطئوا على احتلال العراق والغاء دولته ونهب ثروته وقتل ابنائه وتدمير بنيته التحتية، وامعانا في تلك السياسة التخاذلية المهينة والمدمرة فأنك تراهم وهم يعقدون مؤتمراتهم التي لم تثمر سوى عن المزيد من التراجع والضعف والهوان لهم ولأبناء أمتهم. ان هذه الصورة المفجعة التي يعيشها العرب اليوم تطرح علينا سؤالا ملحا لم يعد بالإمكان التغاضي عنه او تجاهله، هل نحن امة مهزومة، ام ان هناك اسبابا منطقية زرعت في نفوسنا عوامل الهزيمة؟

لقد تناول العديد من الباحثين والكتاب والمحللين العرب مهمة الاجابة على هذا السؤال من مختلف الاوجه واشبعوه بحثا ودراسة وتحليلا، الامر الذي يجعلني اشعر بان اي محاولة للإجابة على هذا السؤال سوف لن يأتي بجديد، الا انني اعتقد بان في الاعادة افادة لمن يلقي السمع وهو شهيد.

في التحليل والدراسة الموضوعية لتاريخ الشعوب ليس هناك امة من الامم حكم عليها التاريخ بانها امة مهزومة او منتصرة بالضرورة، فللهزيمة اسباب وعوامل موضوعية ان توفرت في الامة فستصبح عرضة للهزيمة، وللانتصار اسباب مختلفة فحينما تتوفر في الامة فسوف تنتصر لا محالة.

وبناء على هذا، هل يمكن تصور انتصار امة في وقت نجد فيه ابناءها مهزومون في الداخل ويعانون ما يعانون من كم الافواه وكبت الحريات العامة والقمع الشرس من قبل اجهزة الدولة وهل يمكن لامة ان تحقق نصرا في وقت لا يملك فيه المواطن حق ابداء الراي فيما يجري في بلده من احداث خطيرة تمس مصالح الشعب ومستقبله في وقت نجد فيه عصابات من الجهلة والاميين هم من يقررون سياسة الحرب والسلام دون غيرهم من ابناء الوطن والمتخصصين منهم على وجه التحديد؟

فلو اخذنا تجارب بعض الشعوب التي تخلصت من الاستعمار وانتزعت حريتها ونهضت وتقدمت وتطورت في شتى مناحي الحياة في فترة زمنية لا تزيد عن الفترة التي اعقبت هزيمتنا في فلسطين وما تلاها من مسلسل الهزائم المذلة على امتداد الوطن العربي والتي كان اخرها ما حدث في العراق، لوجدنا بان ذلك ما كان ليتحقق لولا توفر عوامل النصر والتقدم. فهذه الهند وتلك ماليزيا، واليابان وعملاق اسيا الصين الشعبية، وغيرها، كلها أمثلة حية للدول والامم التي توفرت لها عوامل النصر التي يمكن ان نجملها باحترام ارادة الانسان وكرامته وصيانة حقوقه المشروعة في تلك البلدان.

ولو توفر في اي بلد من البلدان العربية ما وفرته القيادة الماليزية مثلا لمواطنيها من ضمانات دستورية وقانونية لصيانة حرية المواطن واحترام ادميته وضمان المساوات بين المواطنين وبحق المواطن في انتخاب من يمثله في المجلس النيابي بكل حرية وشفافية، لتحقق في هذا البلد ما تحقق في ماليزيا بكل تأكيد.

عندما نقرا نصوص الدساتير العربية وما تتضمنه من بنود تؤكد على حقوق المواطنين العامة واحترام ارادتهم في التعبير عن آرائهم وغيرها من الحقوق يصيبنا العجب، ولو التزمت حكوماتنا بتطبيق الحد الادنى من تلك الحقوق المنصوص عليها في دساتيرهم التي شرعوها بعيدا عن راي المواطن لأصابنا العجب واصبحنا في عداد الدول المتقدمة، الا اننا حينما نراقب ما يحدث من تطبيق فعلي على الارض نصاب بالحيرة واليأس فينطبق علينا المثل المصري الذي يقول (اسمع اخبارك تعجبني واشوف فعايلك اتعجب!)

ومع اندلاع الثورة العملاقة في تكنولوجيا الاتصالات والاعلام العابر للقارات وفي مجالات الوعي والثقافة الانسانية وبروز ظاهرة العولمة التي اجبرت جميع دول العالم على المراجعة واعادة النظر بسياساتها المختلفة بصورة جذرية ومع السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية فقد ساد اوساط المثقفين العرب جو من التفاؤل بان رياح التغيير قادمة لا محالة الى المنطقة وستجرف معها وفي طريقها كل ذلك الارث البغيض من الافكار والمفاهيم والقيم البالية التي عطلت فاعلية وابداع وحيوية هذه الامة العربية وأوقفت عطاءها الانساني منذ زمن طويل وحولتها الى مخلوقات طفيلية مستهلة لما ينتجه الاخرون.

ورغم مضى اكثر من عقدين من الزمن على ذلك الزلزال المدوي الذي شمل مختلف ربوع الكرة الارضية باستثناء منطقتنا العربية التي بقيت عصية على اي تغيير وباي درجة كانت فلا حكامنا تبدلوا ولا افكارهم تغيرت، وبقيت اوضاعنا العامة على كافة الاصعدة الرسمية والشعبية كما هي دون تغيير ودونما تطور بينما نرى العالم من حولنا يتطور بوتائر متصاعدة في مختلف مجالات الحياة وهي تنفتح على كل ما هو نافع ومفيد.

ومثلما مارست انظمتنا العربية طوال تلك الحقبة التي زادت على الستين عاما اخس واحط وسائل القمع والارهاب ضد المواطنين، من اجل تعطيل والغاء عوامل النصر في نفوسهم، نجد هذه الايام بعضا من حملة الاقلام من السياسيين العراقيين، من يحاول التصدي بكل صلافة وبأساليب ارهابية عفى عليها الزمن لأي صوت شريف يرتفع للمطالبة بالمراجعة والنقد الموضوعي الهادف لأعادة هيكلة الحياة في هذه الحركة السياسية او تلك من الحركات العاملة في الساحة العراقية، وبنفس المبررات الخادعة التي استعملها من قبلهم حكامنا العرب خلال عقود من الزمن، فليس من حق أحد ممارسة النقد ولا الاعتراض ولا المطالبة بالتغيير أو الاصلاح وتحريك عوامل الابداع والتطور الفكري المعطلة منذ أمد طويل بعد ان حل الخطاب الفردي الغوغائي محل الفكر القومي التقدمي الا بعد انهاء الاحتلال الامريكي، بصرف النظر عن المدة التي ستستغرقها عملية تحرير البلاد من المحتل، حتى وان طالت ستين عاما اخرى ما دام لدينا قادة ملهمين اودعهم الله سبحانه كنوز الفكر وعوامل الرجولة النادرة والبطولة الخارقة.

والانكى من كل ذلك انهم نصبوا من انفسهم حكاما ومراجع عظام يصدرون احكامهم وفتاواهم حول قضايا معقدة وشائكة تحتاج الى تظافر جهود كل المخلصين لبناء وتقرير مواقف واضحة وجريئة حيالها لا ان يقف شخص واحد بمفرده ليقرر ما هو صحيح او خطأ ضاربا عرض الحائط تجارب الاف مؤلفة لمناضلين اشداء تشهد لهم ساحات النضال الفعلية وليست ساحات الانترنيت. وان ما يثير الدهشة والتساؤل ان بعض هؤلاء سبق ان هاجموا في الماضي انظمة الحزب الواحد والراي الواحد نجدهم اليوم في طليعة من يرفضون المطالبة المشروعة بنقد ومراجعة تجارب الماضي بكل ما فيها من الاخطاء الاستراتيجية والتكتيكية التي قادت هذه الامة الى كوارث وهزائم لا مثيل لها في التاريخ.

وما يثير التساؤل والاستغراب حقا هو ان اولئك الكتاب يدركون تماما مثلما نحن بان النصر والتحرير لا يمكن ان تحققه حركة تعاني من حالة انهزام داخلي كما يدركون ان للنصر شروط موضوعية لم تعد متوفرة في تلك الحركات، الامر الذي يفرض على كل مواطن عراقي وعربي شريف عدم الاصغاء الى اصوات هؤلاء السياسيين المتخلفين ممن انظموا الى جوقة الحكام العرب الذين دمروا طموحات وامال امتنا العربية في التحرر والتقدم والتطور والمشاركة الفاعلة في ركب الحضارة الانسانية من جديد بالتخلص من كل عوامل الضعف والهزيمة لتحل محلها عوامل الانتصار على النفس الذي يشكل المدخل الحقيقي لتحقيق الانتصار على العدو.”

هذه النصوص المطولة والجوهرية للأستاذ صلاح عمر العلي تأتي أهميتها انها صرخات الم من واقع “تجربة” و من خلال “واقع” حدث و جرى في واقعنا العربي من شخص كان مخلص ومؤمن في الوحدة العربية “الحقيقية”, و نحن ذكرناها هنا لأهميتها وحيويتها في تشكيل مستقبلنا العربي لمن لم يعيش تلك التجربة و الذي يجب ان تكون احد ركائزه هو تعزيز “دولة الانسان” و المؤسسات الخادمة لذلك الأخير , و العمل الجماعي داخل تلك المؤسسات , و علينا ك “عرب” ان نقتل “عبادة الشخصيات وتقديسها” عن طريق تثبيت عقلية ان المواقع السلطوية هي “وظائف عامة خدمية للناس” و ليس مواقع “الهية مقدسة” وهذا احد طرق تفعيلها هي إقرار مبدأ تداول السلطة و أيضا تفكيك شبكات النفوذ و التكلس الصانعة للفساد الممولة من خارج محيطنا العربي والتي قد يستغلها اعدائنا وعلى رأسهم الكيان الصهيوني و هذه احد اهم مشاكل الديمقراطية في مفهومها “الغربي” و هذا كله يأتي بمنع وجود أي شخص بموقع المسئولية لأكثر من فترتين متتاليتين بدون أي استثناء و من موقع الرئاسة نزولا الى مستوى رئاسة قسم او إدارة , و لعل ان مشروع النهضة العربية و مستقبل العرب وخاصة في ظل صراع الأقطاب و تغير مواقع السيطرة و القوة في العالم هو احد اهم المواضيع التي يجب ان يتم نقاشها على اعلى المستويات فأغلب الدول العربية حاليا تقع تحت سيطرة وهيمنة حلف الأطلسي والذي يمثل مصالح اللوبي الصهيوني في الدرجة الأولى اما المشروع الروسي او الصيني والذي حتما سيغير قواعد اللعبة ويحول العالم الى عالم ذو عدة اقطاب وهذا ما سيفتح المجال للعرب للتقارب والتحالف مع حضارات تحترم الشعوب الأخرى ولا تنظر لنا العرب بنظرة دونية وأيضا تشاركنا من حيث المبدأ في المحافظة على العادات الإنسانية وقيم “الاسرة” و “العائلة” في مفهومها التقليدي والابتعاد عن افات النيوليبرالية الحديثة التي يتبناها حلف الناتو عبر ثوراته الناعمة بكل ما تمثل من شذوذ جنسي وانحطاط أخلاقي وقيمي وتفكيك مجتمعي واسري , فمن واجبنا ك “عرب” ان نتحرك في خط التطبيق وان نراجع تحالفاتنا , لكي نعود ك “عرب” الى صناعة التاريخ , و ليس ان نكون “هامش” يكتب تفاصيله الاخرين !؟.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى