أحدث الأخبارفلسطين

المقاومة الفلسطينية وإستراتيجية مراكمة القوة

*ماجد الزبدة*

العصر-تعمل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ عدة سنوات على مراكمة قوتها العسكرية استعدادًا لمعركة التحرير، وفي هذا الإطار خطت المقاومة خطوات متلاحقة في مسيرة الإعداد والتجهيز الميداني، وضاعفت من جهودها لتطوير قدراتها الصاروخية، وأبدت اهتمامًا كبيرًا بالتصنيع العسكري المحلي، ولا سيما بعد التكاتف الإقليمي مع الاحتلال لملاحقتها وقطع خطوط إمدادها برًا وبحرًا طيلة السنوات الماضية.

وفي مقابل إستراتيجية المقاومة لمراكمة القوة حاول الاحتلال وما زال إضعاف قدراتها، تارة بعقد اتفاقيات أمنية إقليمية ودولية لملاحقة منابع تمويلها، وتشديد الحصار عليها في غزة بمنع وصول الكثير من البضائع ذات الاستخدام المزدوج ظنًّا منه بأن المقاومة تستخدمها لصالح تطوير قدراتها العسكرية، وهي أوهام اختلقها الاحتلال ودفع أثمانها أهالي غزة نتيجة استمرار الحصار لسنوات طوال.



ومن الناحية العسكرية اعتمد الاحتلال إستراتيجية جز العشب، وهي تقوم على افتعال معركة بين الحروب لاستئصال قدرات المقاومة، واستثمار الأحداث الميدانية الطارئة لاستئصال منجزات المقاومة من خلال تنفيذ مئات الغارات الجوية التي طالت مواقع المقاومة، ومقدراتها الميدانية خلال السنوات الأخيرة.

قراءة قيادة المقاومة للمشهد السياسي والميداني في كيان الاحتلال، يجعلها تدرك جيدًا محاولاته لاستدراجها في مواجهات عسكرية خطط واستعد لها على مختلف الصعد، لذلك نراها في كثير من الأحيان تصمت على قصف الاحتلال لمواقعها ومقدراتها، لتقديرها أن المواجهة العسكرية التي يطلق الاحتلال شرارتها الأولى، ربما تهدف إلى استدراج المقاومة لردود أفعال آنية، يُجبي أثمانها الاحتلال والأحزاب الإسرائيلية على مشارف انتخابات الكنيست المقبلة.

من الواضح أن قيادة المقاومة التي تمثلها غرفة العمليات المشتركة في غزة تسعى إلى جمع الكلمة الوطنية، والتنسيق العسكري المشترك، وتحقيق وحدة الفهم الميداني لمخططات الاحتلال تجاه الاحتلال، فهي من جهة توفر البيئة الداعمة لكل حالات المقاومة الموجودة في غزة، وتقدم لها الدعم والإسناد الميداني، إضافة إلى توفير الحماية الأمنية لقادتها وعناصرها بما يكفل لكل الحالات العسكرية حرية العمل والحركة في غزة، ومن جهة أخرى على مراكمة القوة، وترى في الحالات العسكرية كافة عناصر قوة يجب الحفاظ عليها ودعمها استعدادًا لمعركة التحرير.



ربما مثلت المواجهة الأخيرة بين سرايا القدس وجيش الاحتلال شاهدًا ميدانيًّا على أهمية التنسيق الميداني، والرعاية التي قدمتها غرفة العمليات المشتركة للسرايا والتي أكدتها البيانات الإعلامية الداعمة لخطوة السرايا بالرد على عدوان الاحتلال، والمؤازرة العسكرية الميدانية التي قدمتها عدد من القوى المنضوية في غرفة العمليات المشتركة، وتأكيد قيادة الجهاد الإسلامي على دعم حركة حماس لموقف الجهاد من العدوان، ردًا على محاولات الاحتلال إحداث شرخ بين قوى المقاومة، وهي دلالة أخرى على أهمية الحفاظ على غرفة العمليات المشتركة كإطار جامع للحالات العسكرية كافة وجمع كلمتها في مواجهة الاحتلال.

ورغم قناعتنا بأهمية استراتيجية مراكمة القوة التي تتبعها قيادة المقاومة في ساحة غزة، ودعوتنا لضرورة الحفاظ على مقدراتها العسكرية والأمنية، والانتباه لمخططات الاحتلال الرامية إلى القضم البطيء لمقدراتها، وتفتيت وحدة صفوفها، إلا أننا في المقابل ندعو لضرورة العمل على إشعال ساحات المواجهة الأخرى مع الاحتلال، وقد أحسن الإخوة في الجهاد الإسلامي في رفع شعار “وحدة الساحات” في المواجهة العسكرية ،وهو عنوان مهم للمقاومة يقتضي ضرورة تطبيقه ميدانيًّا من خلال العمل على اشتعال ساحات المواجهة الأخرى ضد الاحتلال، ولا سيما ساحات القدس والضفة والداخل المحتل، وخارج فلسطين المحتلة، فليس من المنطق أن نترك الاحتلال يستفرد في إحدى الساحات قصفًا وحصارًا، فيما دور الساحات الأخرى أشد إيلامًا للاحتلال في حال استنهاضه واشتعاله.

ندرك جيدًا مساعي المقاومة الفلسطينية لإشعال مختلف الساحات، وبذلها أموالًا طائلة لإسناد المقاومة في الساحات الأخرى، وهي محاولات ينبغي البناء عليها، فاستراتيجية مراكمة القوة يجب أن تتمدد إلى ساحات المواجهة كافة، وليس من الصواب أن تحصر المقاومة ردودها من ساحة غزة فقط، بينما الاحتلال يجد راحته في القصف الجوي خارج فلسطين، وممارسة القتل والاعتقال ومصادرة الأراضي في الضفة والقدس، وقد شهدنا جميعًا كيف أربكت انتفاضة الداخل المحتل خلال معركة سيف القدس كيان الاحتلال، وكيف تركت آثارها رعبًا وخوفًا من المستقبل المجهول الذي ما زال يعيشه المجتمع الصهيوني إلى يومنا هذا.

إن العملية البطولية التي نفذها قبل يومين البطل المقدسي أمير صيداوي تُثبت بما لا يدع مجالًا للشك بأن رصاصة تُطلقها المقاومة داخل القدس المحتلة تنخر وبقوة في أركان الاحتلال، وتدفع مستوطنيه إلى الفرار نحو ديار الغرب التي جاء آباؤهم وأجدادهم منها قبل عقود، وإن اشتعال ساحة الضفة في مواجهة الاحتلال كفيل بإنهاء سياسة القتل ومصادرة الأراضي التي يعانيها أهالي الضفة، ويدفعون أثمانها من دمائهم وأرواح شبابهم.



ختامًا فإننا ندعو كافة القوى الفلسطينية الفاعلة إلى ضرورة مشاغلة الاحتلال من خلال الساحات الأكثر تأثيرًا في عمق الاحتلال ألا وهي ساحات الضفة والقدس والداخل المحتل، كما ننادي بضرورة مشاغلة الاحتلال من خارج فلسطين المحتلة، فجرأة الاحتلال على القصف الجوي المتكرر للأراضي السورية ما كان ليستمر لو وجد ردًا على عدوانه الذي ما زال متواصلًا.

Related Articles

Back to top button