أحدث الأخبارشؤون امريكيةفلسطينمحور المقاومة

الموقف الأمريكي من قضية الدولة الفلسطينية المستقلة (حل الدولتين)

مجلة تحليلات العصر الدولية - اياد خالد الشربجي

عندما أدلى الرئيس بوش الابن بتصريحه الذي تناول فيه الدولة الفلسطينية بتاريخ 2/10/2001 قائلاً: «إن الدولة الفلسطينية كانت جزءاً من التصور الأمريكي شرط احترام حق إسرائيل في الوجود»؛ رأى البعض أن بوش لم يَعِد بدولة، لكنه عبَّر عن قراءة تاريخية للتصور الأمريكي وتجلياته في نهاية المطاف، دون تقديم أي برنامج عملي أو جدول زمني لإنجاز هذا التصور، في الوقت الذي تم القضاء إسرائيلياً على أي مقومات وفرص للدولة المنشودة، في ظل حكم اليمين الإسرائيلي بقيادة شارون.

وبقي هذا التصور الأمريكي– الذي عُرف فيما بعد برؤية بوش – حول الدولة هلامياً، وغير محدد الملامح ولا التفاصيل. وعلى الأرجح فقد جاءت هذه الخطوة من باب المناورة السياسية والدعائية، لتمرير الحملة الأمريكية في أوساط المسلمين لغزو أفغانستان، وحشد التأييد الدولي لها، حيث بدأت الحملة عملياً بعد تصريح بوش بخمسة أيام، أي في 7/10/2001.

وقد عاد بوش لتكرار نفس الحديث عن الدولة الفلسطينية قبيل غزو العراق لنفس الغاية. فلم يُشر السلوك الأمريكي اللاحق إلى أي نوع من الجدية لإنزال هذا التصور محل التطبيق، بل أن الشروط التي وضعتها إدارة بوش الابن على الفلسطينيين مقابل تنفيذ حلم الدولة؛ تكاد تكون تعجيزية، ولا تعبِّر عن نوايا حقيقية لتنفيذ هذا الاستحقاق.

بعد ذلك حاول أوباما أن يكون أكثر توازناً أو بالأدق؛ أقل انحيازاً من سلفه بوش الابن في نظرته للصراع العربي الإسرائيلي، ضمن رؤيته الأشمل في تحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة العربية، بعد تضررها بشكل كبير في حقبة بوش الابن؛ وذلك من خلال النفاذ من بوابة القضية الفلسطينية كقضية مركزية في الصراع الدائر. فأعاد طرح موضوع حل الدولتين كمطلب عربي وفلسطيني، حيث قال: «إن الاستمرار في بناء المستوطنات الإسرائيلية ليس شرعياً، وأن قيام دولة فلسطينية من مصلحة إسرائيل وفلسطين وأمريكا والعالم، موضحاً أن بلاده لن تدير ظهرها للتطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني في قيام دولته، مضيفاً أن الحل الوحيد هو دولتان يعيش فيهما الإسرائيليون والفلسطينيون في سلام وأمن».

غير أن هذا التوجه سرعان ما اصطدم بالرفض والتعنت الإسرائيلي، بل وممارسة الضغوط المعتادة على الإدارة الأمريكية لثنيها عن مثل هذه التوجهات، في ظل رغبة أمريكية غير جادة ولا حازمة في التعاطي مع السلوك الإسرائيلي الاحتلالي. وقد انصبت الجهود الأمريكية في تلك الفترة على محاولاتها الرامية لإعادة طرفي الصراع إلى طاولة المفاوضات، الذي سأم الطرف الفلسطيني منها نتيجة التعنت الإسرائيلي، فاشترط وقف الاستيطان للعودة للمفاوضات.

على أي حال فإن الجهود الأمريكية لم تفلح في الضغط على (إسرائيل) لتجميد الاستيطان، على الرغم من الجولات المكوكية المكثفة التي أدارها السيناتور جورج ميتشل المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط آنذاك.
وعلى الرغم من أن رسالة إدارة أوباما لـ(إسرائيل) كانت تبدو قوية، وفيها إصرار وتصميم على سير هذه الإدارة باتجاه تسوية سياسية لإنهاء حالة الصراع في المنطقة، يسبقها تجميد تام للاستيطان، بتوجيهات من أوباما نفسه؛ الذي تبين له فيما بعد أن قدرته على فرض مطالبه على (إسرائيل) هي محدودة جداً.
وقد اعترف بذلك بشكل غير مباشر عندما قال: «إننا قدرنا قدرتنا على صنع السلام بين اسرائيل والفلسطينيين فوق منزلتها»، فتبين لإدارة أوباما في واقع الأمر أن حكومة (إسرائيل) تملك أدوات – ولو محدودة – لتبريد غضب الإدارة على (إسرائيل).

وفي عهد الرئيس ترامب زادت هذه الوتيرة في دعم الاستيطان، سيما بعد زيارته لـ(إسرائيل) وعدم تطرقه لقضية الاستيطان، ما عدته (إسرائيل) ضوءاً أخضراً وتشجيعاً لسياساتها وأنشطتها الاستيطانية. وهذا ما تم ترجمته عملياً وبحسب المصادر الإسرائيلية؛ من أن موجة من عطاءات البناء الاستيطانية تم توقيعها بعد الزيارة. لذلك فقد شكلت إدارة ترامب دعماً إضافياً على المستوى السياسي لزيادة وتشجيع وشرعنة الأنشطة الاستيطانية.

ففي تصريحات خارجة عن الدبلوماسية وأعرافها وتقاليدها، وفي خرق فاضح للقانون الدولي والشرعية الدولية قال السفير الأميركي في (إسرائيل) ديفيد فريدمان عبر تغريدة له “أنه يعتبر الاستيطان نهج وفعل إيمان وأسلوب حياة”، ويُعتبر فريدمان أحد الداعمين الماليين للأنشطة الاستيطانية التوسعية، وهو يتفاخر بذلك ولا يخيفه.

أما فيما يتعلق بالتصور الأمريكي حول حدود الدولة المنشودة، فقد تبنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الرؤية الإسرائيلية بهذا الشأن، والقاضية بأن (إسرائيل) غير ملزمة بالانسحاب إلى حدود عام 1967، وفق قراءتها للقرار الدولي (242) بأنه لا يُلزمها بالانسحاب من كامل الأراضي التي احتلتها عام 67. وقد التزم كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بهذا الموقف، فضلاً عن مختلف الرؤساء الأمريكان، بحجة أن (إسرائيل) من حقها الاحتفاظ بحدود يمكن الدفاع عنها، أو ما يُطلق عليه في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية (الحدود الآمنة).

وبالتالي – وفي ضوء المواقف الأمريكية المتواترة – فأن كل ما يتعلق بالقضايا الاستراتيجية التي تمس بوجود (إسرائيل) وقوتها وأمنها وحدودها وتفوقها وديمومتها؛ هو محل إجماع لدى مختلف النخب الأمريكية الحاكمة، فهي سياسة أمريكية ثابتة ومستقرة وغير خاضعة بشكل جوهري لتقلبات الساسة والسياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى