أحدث الأخبارلبنانمحور المقاومة

“الميلاد” ولبنان.. كضحكة في مأتم

مجلة تحليلات العصر الدولية - يوسف بزي

كان ذلك قبل الحرب. أن يخرج الناس إلى وسط البلد ونحو منطقة الفنادق والزيتونة ثم الاتجاه إلى الحمرا ورأس بيروت، وبعدها إلى الروشة.. للفرجة والدهشة، للبهجة والزهو. إنها بيروت المشعشعة بزينة الميلاد. الساحات والشوارع والواجهات والبنايات، وتلك الأضواء التي كانت تفتننا كعلامة على عصر حديث مبهر.

تأتيني صور من ذاكرة ذاك الزمن، ولم أكن تجاوزت السابعة من عمري: كل عائلة تخرج لشراء الثياب الجديدة والهدايا، للتنزه والاستراحة في المطاعم والمقاهي والباتيسري والحدائق العامة، للاندماج ببحر البشر المتدفق في كل الاتجاهات، نحو المتاجر وإلى صالات السينما التي لا عد لها، للوقوف أمام عربات بيع الكستناء، للمرور أمام الكنائس التي يقف على مدخلها “بابا نويل” محاطاً بعشرات الأطفال، لمتعة التجول بالسيارات والانسحار بالأبهة التي تطبع الأمكنة ووجوه الناس. وكانت الأناقة سمة “وطنية”.

ولم يكن العيد آنذاك “مسيحياً” يخص أبناء طوائف وملّة، بل تقليد لبناني عمومي يتجاوز دينيته ليكون هكذا احتفالاً شاملاً في البيت والمدرسة وأماكن العمل ودوائر الدولة، ومناسبة لأهل البلد جميعهم في أزمان بحبوحة كان فيه حتى الفقراء موفوري الكرامة وسبل العيش ومتعه. و”الميلاد” في مطالع السبعينات امتاز عن سائر الأعياد بوصفه محطة للاحتفاء بما تحقق خلال عام، طالما أن لبنان آنذاك كان “يتقدم” ازدهاراً سنة بعد سنة، واللبنانيون كانوا يرتقون في عصريتهم، اقتصاداً واجتماعاً، على نحو ملموس عاماً بعد عام. وبهذا المعنى، كان العيد مناسبة وطنية، كمرآة هائلة لمشاهدة البلد في أجمل لحظاته.

من “تراث” ذاك الزمن الآفل، وفي محاولة عاطفية لا شفاء منها، عاد اللبنانيون منذ مطالع التسعينات، وقد استقرت في أرواحهم جروح الحرب، ليستأنفوا تقاليد “الميلاد” وصوره وعاداته وزينته العمومية. إعادة إنتاج تفتقد للأصالة والعفوية والتلقائية. مع ذلك، بدا لبنان واعداً وهو يتعافى بعمرانه واجتماعه واقتصاده. وبدت “الثقافة” اللبنانية قادرة على استعادة تقاليد العيش وأنماط الحياة التي يصبو إليها اللبنانيون، رغم ما استجد من “ثقافات” أو أيديولوجيات وأصوليات راحت تكرس انفصال الطوائف عن بعضها البعض، وتقلل من “وطنية” العيد.

كان الميلاد أيضاً يتحول في التسعينات وبالعشرية الأولى إلى صناعة سياحية. وأيضاً بتأثير معولم، بات لحظة استهلاكية يقبل عليها موفورو الحظ والمال. فقد بابا نويل براءته، والفرجة لا تبعث المسرة بل الحسرة على الأغلب.

رغم ذلك، بقي ذاك الرونق يضفي على بيروت جاذبيتها، ويمنح الناس فرصة للاحتفال والالتقاء والتفاؤل وتبادل المسرات. كانت هناك قوة الأمل، أو بالأحرى طموح راسخ بـ”استعادة” لبنان.

لم يخطر ببالنا، حتى في عقدي الحرب، أن يموت العيد هكذا، كما هو الحال اليوم. أن يأتي كموعد مع محنة، كمناسبة للوجوم والكآبة.. كضحكة في مأتم.

لم يخطر ببالنا أن يكون “الميلاد” سبباً للتحسر على ذاكرة تتلاشى صلاتها بالواقع الراهن. أن يكون حزيناً إلى هذا الحد. أن يضعنا أمام مرآة البلد ونراه شاحباً كالأموات، ونرى أنفسنا محطمين. أن يكون فقيراً إلى درجة العار.

بالتأكيد سيكون هناك شجرة مزينة في البيت، سيكون هناك عشاء ونبيذ، وسيكون المؤمنون في الكنائس.. لكن من سيبتهج حقاً اليوم؟

Related Articles

Back to top button