أحدث الأخبارشؤون اوروبيية

النزاع الأذربيجاني – الأرميني، ماضيه وحاضره – (٢/١)

مجلة تحليلات العصر- د. إعصار الصفار

كان لاندلاع الحرب بين أرمينيا واذربيجان في الأيام القليلة الماضية، أثر كبير في تحفيز الجميع للكلام والكتابة عن الموضوع. إلا أن الملفت للنظر أن الكثيرين ممن أدلوا بدلوهم، خصوصا على مواقع التواصل الإجتماعي، لا يبدو أنهم على اطلاع بما يجري. عادة وعند اندلاع صراع عسكري، يحاول البعض اتخاذ موقف، ولو بدرجة ما، مع هذا الطرف أو ذاك. ولا اعتراض على هذا الأمر من ناحية المبدأ، ولكن المهم هنا أن تكون المواقف مبنية على اسس سليمة ومستندة الى فهم للخلفيات التاريخية والسياسية.

وقد لا يعرف اغلبنا الكثير عن منطقة جنوب القوقاز، ولذلك من المهم البحث والمتابعة لتكوين تصور عن احوال هذه المنطقة التي انتهت بهذا النزاع وهو واقعا بين اذربيجان وارمينيا وناغورنو-كاراباخ.

تقع منطقة جنوب القوقاز في غرب قارة اسيا، قريبا من قارة اوروبا (اوراسيا).

ان تاريخ هذه المنطقة والصراعات التي دارت بها معقدة جدا حيث انتقلت سيطرتها بين العديد من الامبراطوريات السابقة بما فيها الساسانية والأموية والعباسية والعثمانية والسلجوقية والصفوية وروسيا القيصرية و الاتحاد السوفييتي.

اذربيجان:
مساحتها حوالي ٨٧ الف كيلومتر مربع ونفوسها حوالي ١٠ ملايين نسمة (تقدير ٢٠١٩). يشكل العرق الآذري حوالي ٩٢٪ من السكان مع اقليات عرقية صغيرة ارمينية وروسية. حوالي ٩٧٪ من سكانها هم من المسلمين. ويشكل الشيعة ٨٥٪‏ من المسلمين في اذربيحان، وهي ثاني أكبر نسبة للشيعة في أي بلد، بعد إيران. وقد تعاقبت، في السيطرة عليها، الامبراطوريات المذكورة اعلاه. وقد تم تقسيم الأمة الآذرية جغرافيا حين تمكنت روسيا القيصرية من اقتطاع جزء منها من إيران القاجارية في القرن التاسع عشر. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي استقل هذا الجزء كاذربيجان المعروفة اليوم. وبقيت الغالبية الكبرى من الآذريين تعيش في إيران. وقد اعتنقت الديانة النصرانية في القرن الرابع الميلادي ثم تحولت الى الإسلام زمن الدولة الأموية. ومن المذهب السني إلى التشيع على يد الصفويين.
وقد استقلت اذربيجان عن الاتحاد السوفياتي في شهر تشرين اول/اكتوبر ١٩٩١ فيما إنحلَّ الاتحاد السوفياتي رسميا في شهر كانون الاول/ديسمبر من نفس العام. وانضمت اذربيجان الى الأمم المتحدة عام ١٩٩٢.
وبالرغم من أن اذربيجان رسميا تعتبر دولة ديمقراطية لها دستور وانتخابات، إلا أن هناك تقارير تؤشر تدهور سجلها المتعلق بالديمقراطية والحريات. ومن الجدير بالملاحظة أن الرئيس الحالي، الهام علييڤ، كان قد استلم السلطة من والده حيدر علييڤ بعد وفاته عام ٢٠٠٣ ولازال رئيسا للبلاد حتى اليوم! وقد انتُقد حيدر علييڤ لتعطيله الانتخابات واستشراء الفساد وتشجيع الطبقية.
وبالرغم من أن حوالي ٩٧٪ من سكان اذربيجان يدينون بالاسلام إلا أن الدولة علمانية رسميا لكنها تعترف بحرية العقيدة. وهذه المنطقة غنية بالنفط والغاز.

ارمينيا:
هي دولة مساحتها حوالي ٣٠ الف كيلومتر مربع، ونفوسها حوالي ٣ ملايين نسمة (تقدير عام ٢٠٢٠). يشكل العرق الارميني حوالي ٩٨٪ من السكان مع اقليات صغيرة من اليزيديين والروس. ٩٨٪ من السكان يدينون بالديانة المسيحية. وقد مرت ارمينيا بنفس الظروف التي مرت بها اذربيجان تاريخيا. الا انها، وابان سيادة الدولة العثمانية عليها، احست بنوع من الاضطهاد الديني كونها منطقة مسيحية في امبراطورية اسلامية. وعند اندلاع الحرب العالمية الاولى، اصطف الارمن مع روسيا في مواجهة العثمانيين. وحسب المؤرخين، فان الدولة العثمانية ونتيجة لذلك مارست ابادة جماعية ضد الارمن، وهو امر تنفيه تركيا اليوم بشكل قاطع. وكما حصل مع اذربيجان، فقد استقلت ارمينيا عن الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩١ وانضمت الى الامم المتحدة عام ١٩٩٢. تعتبر ارمينيا جيدة في مجال الديمقراطية والحريات، وتعتبر الافضل من بين الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي في هذا المجال.

اقليم ناغورنو-كاراباخ:
وهو اقليم صغير بمساحة حوالي ٥ الاف كيلومتر مربع، وتعداده السكاني حوالي ١٥٠ الف نسمة (تعداد ٢٠١٥)! غالبية سكان الاقليم هم من الارمن. تحد الاقليم اذربيجان شرقا وشمالا، وارمينيا غربا، وايران جنوبا. وقد خضعت هذه المنطقة الى نفس الامبراطوريات التي حكمت المنطقة الا ان هذا الاقليم استطاع المحافظة على وجوده ككيان قائم بذاته على طول التاريخ وقد تنازعت كل من ارمينيا واذربيجان على احتواء الاقليم الى ان تم ضم كل هذه المنطقة تحت نفوذ الاتحاد السوفياتي. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩١، عاد النزاع على الاقليم بين اذربيجان (مدعومة بقوات “مجاهدين” من افغانستان والشيشان) وبين ارمينيا (مدعومةً من روسيا). وكانت الغلبة عموما لارمينيا التي نجحت في احتلال اجزاء من اذربيجان وبالنتيجة اضطرت اذربيجان الى الاعتراف بالاقليم ككيان مستقل ووافقت على التفاوض معه. واستمر النزاع العسكري حتى عام ١٩٩٤ حيث حصلت هدنة بين الاطراف المتنازعة. وبالرغم من النزاع على سيادة الاقليم تاريخيا بين ارمينيا واذربيجان، الا ان الاقليم قام باستفتاء شعبي ايد الاستقلال، وقد اعلن الاقليم استقلاله من طرف واحد عام ١٩٩٢ تحت اسم جمهورية ناغورنو-كاراباخ. وفي عام ٢٠٠٦ حصل استفتاء اخر عزز مبدا الاستقلال، واصبح الاسم الجديد هو جمهورية ارتساغ (Republic of Artsakh) وهذه هي التسمية الحالية. بالرغم من كل هذه التطورات الداخلية الا ان الاقليم لا يزال يعتبر دوليا بانه جزء من اذربيجان.

في الفترة اللاحقة لهدنة عام ١٩٩٤، ونتيجة لاخفاقات اذربيجان العسكرية في معاركها مع ارمينيا، عملت اذربيجان على تعزيز قدراتها العسكرية وزادت من انفاقها على التسليح. وقد اعتمدت أساسا في ذلك على الكيان الصهيوني وتركيا وروسيا. أما الكيان الصهيوني فقد أنشأ واحدة من أكبر سفاراته في العالم في باكو، عاصمة اذربيجان، وقدم خدمات التدريب والاستخبارات والمراقبة لأذربيجان بالاضافة لبعض المعدات العسكرية بما فيها الطائرات المسيرة. أما تركيا، والتي هي أيضا لها علاقات قوية مع الكيان الصهيوني، فقد ساهمت بشكل فعال في بناء قدرات اذربيجان العسكرية لا سيما في مجال الالكترونيات والطائرات المسيرة.

بالنسبة للتصعيد الاخير والذي ابتدأ نهاية ايلول/سبتمبر ٢٠٢٠، فان اذربيجان هي التي ابتدأت الحرب بقيامها بانزال واسع ومفاجيء خلف القوات الأرمينية ونجحت في احداث خروقات متعددة في خط الصد الأرميني الاول. وقد اعتمدت اذربيجان على الخبرات والمعدات والاستخبارات التي توفرت لها من كل من الكيان الصهيوني وتركيا واللتين تلعبان دورا مهما في القتال الدائر الان. كما أن هناك اخبار عن نقل الالاف من المليشيات الارهابية المسلحة الموالية لتركيا من سوريا وليبيا، عبر الاراضي التركية، للقتال مع الجانب الآذري!

ان تقييم المواقف في هذا الصراع ليس سهلا. فمن جانب ان اقليم ناغورنو-كاراباخ يعتبر رسميا أراضٍ تابعة لاذربيجان اضافة لاحتلال ارمينيا لمساحات من اذربيجان وبالتالي تبدو محاولات اذربيجان لاستعادة هذه الاراضي امر مشروع. الا ان على الجانب الاخر، فان التعاون الوثيق بين اذربيجان والكيان الصهيوني لا يمكن قبوله باي حال من الاحوال. فالكيان الصهيوني من اسوء الانظمة تاريخا فيما يتعلق بحقوق الانسان وهو الذي قام باغتصاب أراضٍ فلسطينية وسورية ولبنانية ويستمر في قضم الاراضي الفلسطينية من اهلها الشرعيين ويضطهدهم ويهجرهم. فكيف يمكن تناسي كل هذا المسار والتعاون مع هذا الكيان! اما تركيا فمنهجها التوسعي واضح ايضا فهي حاليا تحتل مساحات ليست بالقليلة في العراق وسوريا وسوف لن تتردد عن احتلال اية اراضٍ تسمح لها الظروف باحتلالها. اما استعمال مرتزقة ارهابيين فهو امر لا يستطيع تبريره اي كان، تحت اي ظرف كان.

من المؤسف أن الذي يحدد سياسات الكثير من الدول هي ليست شعوب تلك الدول إنما زعاماتها السياسية. ولهذا، فإن الموقف، على الصعيد الفردي وحتى الدولي، من اي نزاع عسكري ينبغي أن يُبنى على قيم الحق والانصاف وليس ديانة او مذهب تلك الشعوب. فبغض النظر ما أن كانت الدولة مسلمة ام غير مسلمة، شيعية ام سنية، فان هذا لا قيمة له. المهم هو مَن المعتدي. وبحسب الظاهر، فأن اذربيجان، التي ابتداءت القتال هذه الايام، هي المعتدية. لقد ارادت احقاق الحق باللجوء الى الباطل، بل واسوء انواع الباطل متمثلة بالكيان الصهيوني وتركيا والمجاميع الارهابية. ومن استقراء التاريخ نعلم ان نتيجة هذه المعادلة هي الخسران المبين.

فإن تذكرنا (… إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، فلن يجرؤ اي منا بعد ذلك على محبة وموالاة وممالات المعتدين، كائنا ما كانت ديانتهم أو لغتهم أو مسمياتهم!

عن الكاتب

طبيب at العراق | + المقالات

طبيب عراقي مقيم في استراليا
مهتم ومتابع للشأن العراقي والإقليمي وما يتعلق بهما من متغيرات دولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى