أحدث الأخبارشؤون آسيوية

بضع دقائق … في رأس الرئيس بوتين

ناصر قنديل

▪️✨. يقول أحد الجنرالات المخضرمين العارفين بقوانين الحــــرب والذين شاركــــوا في صناعــــة بعض من معاركها، إن ثلاثة قرارات اتخذها الجنرال فلاديمير بوتين تحتاج شجاعة استثنائيّة يصعب أن يمتلكها قائد عسكريّ أو سياسيّ، الأول هو قرار بدء الحرب في ظروف جيوسياسية شديدة التعقيد. فالرئيس بوتين كان يعلم أنه يدخل غمار حقل شوك مليء بالمفاجآت والاحتمالات ليس ما جرى إلا بعضاً منها. وقرار الحرب على أوكرانيا يعادل عام 1961 قراراً أميركياً بغزو كوبا، بينما الظروف ليست معكوسة، فلا روسيا هي أميركا الستينيات القوة التي يمكن لأحد مواجهتها، ولا أوكرانيا هي كوبا المحاصرة والضعيفة. والثاني هو قرار تفعيل الأسلحة النووية ورفع جاهزيتها الى مستوى التأهب، وهو قرار يعادل الاستعداد لدخول حرب نووية، لم يسبق أن فعله أحد آخر، حتى أميركا والاتحاد السوفياتي في مرحلة النزاع حول الصواريخ السوفياتية في كوبا وما عرف بأزمة الخنازير بقيا على مسافة من مثل هذا القرار. والقرار الثالث هو إعلان الانسحاب من المحور الرئيسي للهجوم الروسي الذي استهدف العاصمة كييف، وكان على مقربة من قلبها، واتخاذ القرار من طرف واحد بما فيه من مخاطرة بالاضطرار للعودة لاسترداد المناطق التي تم الانسحاب منها بكلفة أعلى، وما فيه من فرص للخصوم لتصويره هزيمة للجيش الروسي واعترافاً بالفشل، هو قرار يصعب على قادة عسكريين وسياسيين كثيرين اتخاذه.


🔸التجول الافتراضي لبضع دقائق في عقل الرئيس بوتين يبدو رحلة مغــــرية، لمحاولة استكشاف ما يدور في عقل هذا الرجــــل الذي تدور على طاولته وبين يديه، خرائط العالم الجديد، وتتوقف على تواقيعه مصائر الكثير من السياسات والحسابات والحروب. وهذا التجول الافتراضي هو حصيلة حوار ممتع للتداول في الفرضيات التي وضعها الرئيس بوتين لدى رسم سياق حربه واتخاذ قراراته، جرى مع صديق خبير بطريقة تفكير الرئيس الروسي من جهة، ومتابع لتفاصيل السياسات الدولية والحروب المعاصرة، وصراعات الطاقة والجغرافيا السياسية المندلعة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، من جهة مقابلة، وتبدأ الرحلة من السؤال الأهم، ماذا يريد الرئيس بوتين، وماذا يخشى؟

▪️تبدأ الخلاصــــة الأولى بالاكتشاف الخطير، وهو أن الرئيس بوتين لا يخشى الحــــرب النووية وهو واثق من كسبها إذا اندلعت، وهو يعتقد أن الخوف منها سيتسبب بالذعر السياسي ودفع أثمان بلا طائل تحت شعار تفاديها. وأن الحرب النووية اذا كانت ضمن خطة الطرف الغربي المقابل فسيكون دفع العبودية الكاملة ثمناً لتفاديها هو الطريقة الوحيدة لاستبعادها، واذا لم تكن ضمن مشروع الغرب، فإن الاستعداد لها وعدم خشيتها لن يدفعا بالغرب نحوها، بل سيجعلانه مستعداً للتفكير بجدية وعقلانية، باستحالة الجمع بين تفاديها وممارسة الهيمنة والعبودية على العالم دولاً وشعوباً، ورفض الأخذ بمعايير موحدة لمقاربة القضايا الدولية الشائكة والمتراكمة، والتي تشكل علاقة الشرق بالغرب أهمها، ومحورها الرئيسي، ولذلك فإن الرئيس بوتين حسم أمر عدم الخشية من الحرب النووية مبكراً واتخذ الاستعدادات العسكرية وغير العسكرية التي تتيح له الخروج منها منتصراً، معتبراً أن هذا هو أقصر الطرق لمنع وقوعها، وأنه التعبير الأسمى عن الحس الإنساني بالسعي لتفادي الخراب الذي ستحمله للعالم. وهذه القناعة هي التي كانت وراء إنفاق مئات مليارات الدولارات على تطوير الأسلحة الاستراتيجية التي لم يكشف الا عن القليل منها، لكن الغرب يعرف ويعترف بأن روسيا للمرة الأولى تسبقه على هذا الصعيد بعشر سنوات..


🔸إذا كان الأمر الأول هو ما لا يخشاه الرئيس بوتين فما الذي يخشاه؟ الذي كان يخشاه الرئيس بوتين، هو أن ينجح الغرب بصياغة مواجهة ذكية تفكك العلاقة بين مستويات الحرب الثلاثة، المستوى الأوكراني – الأوكراني ومحوره التعامل المنصف قانونياً وإنسانياً وثقافياً ولغوياً مع الأصول الروسية، لأن هذا هو محور قضية دونباس، العنصرية المبنية على هوية غربية شوفينية تجاه كل ما يمت لروسيا بصلة بالدم او الدين او اللغة. والمستوى الثاني هو المستوى الإقليمي، ومحوره التوازن الأمني في أوروبا بين روسيا ودول الناتو، وكانت رسالة موسكو لطلب الضمانات الأمنية من واشنطن، تتضمن عرضاً وافياً لمضمون عناوينه، وقضية أوكرانيا وانضمامها للناتو كانت رأس جبل الجليد في هذا الملف. والمحور الثالث هو مستوى العلاقات الدولية وسعي روسيا لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب صرح المسؤولون الروس مراراً عن فهمهم له وسعيهم إليه. وهذا المحور هو الإطار الحاضن عملياً وسياسياً واستراتيجياً لكل تفاصيل وسياقات الحرب الأوكرانية من الزاوية الروسية. ويعتقد الرئيس بوتين أنه لو نجح الغرب بفك التشابك بين هذه المحاور، فبادر عبر الحكومة الأوكرانية بإعلان الانفتاح العملي على مقتضيات إنهاء الحقبة العنصرية بحق ذوي الأصول والمتعلقات الروسية، وشجع على التفاوض حول حياد أوكرانيا، كترجمة طبيعية للتسليم باستحالة ضمها إلى الناتو، لنجح بحرمان روسيا من المنصة التي وفرتها الحرب للهم الاستراتيجي الأول لروسيا وهو إعادة صياغة العلاقات الدولية، ولنجح الغرب بمحاصرتها كقوة إقليمية وحرمانها من فرصة لعب دور القوة الدولية العظمى، التي تستحيل هزيمتها، كما تقول وقائع ما بعد حزمات العقوبات الأشد قسوة، وأزمات الطاقة والغذاء التي تدق أبواب العالم من أوروبا أولاً.

▪️الحصيلة الأولى للجولة أن الرئيس بوتين يعتبر أنه نجح بفرض تفادي الحرب النووية بوضعها خياراً حاضراً على الطاولة، وأن الغرب تصرّف بحماقة وغباوة سهلت عليه مهمة جعل النظام العالمي الجديد محور الصراع، بعدما زاد الربط بين محاور الصراع الثلاثة، فبدلاً من تفكيك السياسات العنصرية بحق ذوي الأصول والمتعلقات الروسية في أوكرانيا قام بعولمة العنصرية ضد الروس عبر ما حملته كل العقوبات الغربية، بصورة استنهضت الوطنية الروسية إلى درجة غير مسبوقة تحت الشعور بخطر التهديد، وجعلت حربهم الوجودية هي الحرب التي يخوضها بوتين، ولو كانت الأثمان اعلى كلفة عما هي الآن بالأرواح وظروف المعيشة، والروس دفعوا ملايين الأرواح وعمران مدنهم كلها تقريباً لاجتثاث عنصرية مشابهة مثلتها النازية التي ستحتفل روسيا بذكرى النصر عليها قريبا، وبدلاً من التشجيع على حياد أوكرانيا يتحدث الغرب عن ضم دولتي فنلندا والسويد المحايدتين إلى الناتو، وبدلاً من تحييد قطاعي الطاقة والعملات كنقاط ضعف غربية كان يجب عدم كشفها، ذهب الغرب الى الملعب الذي يرغب به الرئيس بوتين لمنازلة الغرب وهو ليس إلا في نقطة البداية بعد.

🔸✨. قرار بدء الحرب وقرار تفعيل السلاح النووي كانا ترجمة لهذا الفهم، وقد تحققت هذه الأهداف، وقرار الانسحاب من محيط كييف ترجمة للاطمئنان بأن المحور الثالث للحرب، أي مستقبل العلاقات الدولية، صار هو العامل الحاسم، فمن الخطأ المساهمة بمنح البعد الأوكراني من الحرب أبعد مما يستحق، والحرب لم تعد الا منصة مفتوحة لأسابيع أو شهور او سنوات، حتى يتحقق الهدف، وهو ولادة نظام عالمي جديد. ومدة الحرب يقررها مدى مواصلة اوروبا محاولة الجمع المستحيل بين مصالحها الجوهرية والتبعية لأميركا، وما تظنه واشنطن لعبة عض على الأصابع تنتظر من يصرخ أولاً، هي في الحقيقة لعبة لحس مبرد، فيها طرف يلاعب لسانه بالمبرد ويتلذذ بطعم دمه، كحال أوروبا، ومن يعض على الإصبع الأوروبي هو الأميركي وليس روسيا. وروسيا تعض على الإصبع الأميركي من بوابة قدرة أوروبا على التحمل، وقدرة أميركا على تخيل مستقبلها دون أوروبا، وموعد الصراخ الأوروبي قريب، ومثله موعد الصراخ الأميركي. في عقل الرئيس بوتين معادلة، مرتاح لمسار الأمور وفقاً للخطــــة والتوقيت المقررين، ومستعد لكــــل الاحتمالات، لكن يصعب على الكثيرين فهم معنى ذلك بسهولة، إلا عندما يراهم يجلسون الى طاولة التفاوض لمناقشة ما هو أبعد من أوكرانيا والأمن الأوروبي وأمن الطــــاقة، لرسم قواعد جــــديدة للعلاقات الدولية تثق موسكو ويثق الرئيس بوتين أن مكانة موسكو فيها ستكون حاسمة ومقررة.

🔹🔸 *اللهم صل على محمد وآله* 🔸🔹

#القدس_عاصمة_فلسطين_الابدية

عن الكاتب

رئيس المركز at وكالة أخبار الشرق الجديد | الموقع الالكتروني | + المقالات

المعلومات الشخصية
الميلاد: سنة 1958
مواطنة: لبنان

مؤهلاته العلمية
رئيس المركز وكالة أخبار الشرق الجديد

نشاطه السياسي
أحد مؤسسي المؤتمر الدائم للعلمانيين اللبنانيين الذي يرأسه المطران غريغوار حداد عام 1986.
تأثر بأفكار الأحزاب اليسارية والناصرية، وانضم لـ "رابطة الشغيلة" عام 1975 والقيادة المركزية حتى عام 1989.
ناضل في سبيل الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويكافح من أجل العدالة والمساواة والتضامن.
شارك عام 1978 أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في اعمال مقاومة لبنانية خلف خطوط الاحتلال.
شارك في القتال على محاور الجبهة الجنوبية من بيروت أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخصوصاً في معارك مطار بيروت الدولي.
تولى مهام التنسيق السياسي في الاعداد لانتفاضة 6 شباط 1984 التي حررت العاصمة بيروت من القوات المتعددة الجنسيات وادت إلى إسقاط اتفاق 17 أيار
ربطته بالرئيسين العماد إميل لحود ونبيه بري علاقة سياسية متينة، كما أظهر تعاطفًا كبيرًا مع الحركات الراديكالية الفلسطينية.
نائب لبناني سابق مقرّب من حركة امل وحزب الله وسوريا، داعم للمقاومة.
وثق علاقاته مع حركة «أمل» وعمل مستشاراً لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ (الراحل) محمد مهدي شمس الدين.
انتخب نائبًا في البرلمان اللبناني في دورة العام 2000 على لائحة الرئيس رفيق الحريري وانضم إلى كتلته البرلمانية عن المقعد الشيعي في مدينة بيروت، قبل أن ينفصل عنه ويستقل في خطه السياسي ونهجه ورؤيته الوطنية والقومية.
في إطار نشاطه النيابي كان مقررًا للجنة الإعلام والاتصالات وعضوًا في لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين.
عضو كتلة قرار بيروت ومقرر لجنة الاعلام والاتصالات النيابية وعضو لجنة الشؤون الخارجية.
أحد مؤسسي منتدى الحوار الاهلي الحكومي عام 2001 الذي يعنى بإدارة الحوار بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني حول القضايا الساخنة.
حائز على مركز أحد الأوائل الاربعة لأفضل خطاب نيابي في مناقشات الموازنة حسب استطلاع رأي مركز الدراسات الدولية للمعلومات لعام 2003 والمنشور في جريدة النهار اللبنانية.

في حقل الإعلام
تولى أثناء انتفاضة شباط 1984 الاشراف على وزارة الاعلام والتلفزيون الرسمي.
أنشأ جريدة الدنيا «الحقيقة» (1985) واسس إذاعة المقاومة عام 1985 وإذاعة "صوت المقاومة الوطنية" عام 1987.
ساهم في تأسيس "تلفزيون المشرق" عام 1988.
شغل موقع رئيس تحرير صحيفة الديار عام 1990، ورئيس مركز كون للدراسات الاستراتيجية.
أشرف على أول بث فضائي لبناني جامع للمؤسسات التلفزيونية أثناء العدوان الإسرائيلي في نيسان 1996 ومجزرة قانا تحت اسم "اخبار لبنان".
اختير إلى عضوية «المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع» فور تأليفه في 7 أيار (مايو) 1999 مدعوماً من رئيس مجلس النواب نبيه بري،
انتخب نائبًا للرئيس سنة 1995، وترأسه في 11 حزيران (يونيو) 1999حتى عام 2000 موعد انتخابه نائباً عن العاصمة بيروت.
حائز على المركز الأول لأفضل اعلامي لعام 2000 في استطلاع رأي مركز ماء داتا عن دوره كرئيس لمجلس الاعلام وكمحاور اعلامي أثناء تحرير الجنوب.
حائز على المركز الأول لأفضل اعلامي لعام 2001 في استطلاع رأي الشبكة الوطنية للارسال عن ادائه كمحاور تلفزيوني.
أطلق في أكتوبر 2011 شبكة توب نيوز الإخبارية

من نشاطه
أسس مركز الدراسات الاستراتيجية "كون" عام 1991
عضو شرف في جمعية الاجتماع العالمية - كوريا.

مؤلفاته
"6 شباط الثورة التي لم تنته" في تأريخ احداث الانتفاضة عام 1984 التي حررت بيروت من القوات المتعددة الجنسيات.
"نحو فهم أدق لإشكالية الإسلام المسيحية الماركسية" حوارات مع السيد محمد حسين فضل الله والمطران غريغوار حداد عام 1985.
"هكذا تفجر البركان" عن احداث اليمن عام 1986.
"ماذا يجري في موسكو؟" عن مقدمات الانهيار في الاتحاد السوفياتي عام 1987.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى