أحدث الأخبارشؤون امريكية

تضاعُف استثمارات الأذرع الناعمة: ظِلال واشنطن … حاضرة

مجلة تحليلات العصر الدولية - علي مراد / مرصد طه الإخباري

منذ مطلع الأسبوع، تتعدّد النظريّات والتكهّنات حول صلة الأميركيين المرجَّحة بالأحداث الدامية التي شهدتها المدن الكازاخية، في ما ظهر وكأنه نسخة جديدة من الثورات الملوَّنة التي لطالما نُسِب الفضل في رعايتها وتمويلها إلى الملياردير الأميركي، جورج سوروس. صحيح أن الأخير يَنشط عادة كمتعهّد يمثّل القطاع الخاص الأميركي في الدول التي تهدف واشنطن إلى قلْب أنظمة الحكم فيها، إلّا أن الحديث عن محاولات كهذه في دول آسيا الوسطى، وخاصة في كازاخستان، الدولة الكبيرة بمواردها وموقعها الجغرافي الهامّ بالنسبة إلى كلّ من روسيا والصين، يصبح ذا أهمية كُبرى

منذ آب الماضي، تاريخ الانسحاب الأميركي الفوضوي والمستعجَل من أفغانستان، تتركّز جهود المراقبين على محاوَلة استشراف استراتيجية واشنطن في آسيا الوسطى، ضمن برامج احتواء الصين وإعاقة مشروعها لإحياء «خطّ الحرير»، وكذا مواجهة روسيا في مناطق نفوذها التاريخي في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في آسيا الوسطى. تُظهِر بيانات أذرع الخارجية الأميركية للتأثير الناعم أن واشنطن ضاعفت من استثماراتها في دول آسيا الوسطى عامّة، وفي كازاخستان خاصة، ولا سيما عام 2020، أي قبل عام من إجراء الانتخابات البرلمانية الكازاخية مطلع العام المنصرم. على سبيل المثال، عام 2020، ضخّ «الصندوق الوطني لدعم الديموقراطية الأميركي – NED» حوالى 1,082,991 دولاراً، فيما سَجّل عام 2019 تمويلاً بقيمة 519,627 دولاراً.

عند التمعّن في الأهداف المصرّح عنها للتمويل (المستند رقم 1 – على موقع الأخبار)، يُلاحَظ أن الأميركيين يركّزون على تمويل برامج مكرَّرة العناوين والمضامين في أكثر من دولة تسعى واشنطن إلى تقويضها من الداخل، مثل: «تعزيز الصحافة المستقلّة»، «الترويج لانتخابات حرّة ونزيهة»، «الترويج لحرّية التجمّع»، «الترويج للخطاب السياسي العام»، ولكن ما يلفت الانتباه أخيراً هو محاولة التأثير في الرواية التاريخية للحقبة السوفياتية في كازاخستان، من خلال تمويل إنتاج أفلام وثائقية باللغة المحلية لـ«إحياء الذاكرة الكازاخية حيال القمع السوفياتي»، ضمن برامج عنوانها «تعزيز الذاكرة التاريخية». هذه الجزئية أشارت إليها إحدى الفقرات في استراتيجية الأمن القومي الروسي الصادرة في تموز 2021، حيث ورد فيها أن واشنطن وحلف «الناتو» يحاولان ضرْب «القيم الروحية والأخلاقية والثقافية والتاريخية التقليدية الروسية». مرصد طه الأخباري

بالتوازي مع نشاط صناديق التمويل الأميركي الرسمي والمؤسسات الخاصة، كتلك التابعة للملياردير جورج سوروس (مؤسسة سوروس – كازاخستان)،طه برز حديثاً ما سُمّي «ائتلاف المجتمع المدني في كازاخستان»، المعارِض لنظام الحُكم في أستانة،طه والذي يتزعّمه كلّ من رئيس الوزراء الكازاخي الأسبق أكيزان كازيغلدن، والصحافي سيريك ميديتبيكوف. وفي آذار 2021، تعاقَد الائتلاف المذكور مع جماعتَي ضغط في واشنطن، إحداهما تُدعى «.Your Global Strategy Inc»، يديرها الصهيونيان شاي فرانكلين ومايكل شتاينر. صرّحت جماعة الضغط السالفة الذكر، لوزارة العدل الأميركية، بأنها ستساعد «ائتلاف المجتمع المدني في كازاخستان» على ترتيب اجتماعات مع أعضاء في مجلسَي الكونغرس ومسؤولين في إدارة جو بايدن، بهدف إقناعهم بـ«فرض عقوبات على مسؤولي الدولة في كازاخستان على خلفية الفساد وغسيل الأموال وانتهاكات حقوق الإنسان».

تُظهِر بيانات أذرع الخارجية الأميركية أن واشنطن ضاعفت من استثماراتها في دول آسيا الوسطى عامّة

أمّا جماعة الضغط الأخرى، «Alexander Beckles LLC»، فقد صرّحت، لوزارة العدل الأميركية، بأنها تعاقدت مع الائتلاف المُشار إليه لـ«تمثيله أمام أعضاء السلطتَين التشريعية والتنفيذية، في ما يتعلّق بالديموقراطية والاستقرار والازدهار في كازاخستان، فضلاً عن قضايا التمويل، بما في ذلك القواعد والبرامج الحكومية المتعلّقة بمكافحة غسل الأموال والعقوبات الدولية ومكافحة الفساد» (المستند رقم 2). وفي إحدى الرسائل الإلكترونية التي وصلت إلى مكاتب المشرّعين في الكونغرس، يَذكر ممثّلو جماعة الضغط أن وفداً من الائتلاف سيزور واشنطن بين 6 و9 كانون الأول الفائت، وأن هناك حاجة إلى تنسيق اجتماعات مع المشرّعين للحديث معهم حول «قضايا الحُكم الرشيد، حالات انتهاك حقوق الإنسان، والنفوذ والفساد الصينييْن في كازاخستان» (المستند رقم 3). ووفق الكشوفات النصف سنوية المصرّح عنها لوزارة العدل الأميركية، يتبيّن أن جماعتَي الضغط اللتين تعملان لمصلحة «ائتلاف المجتمع المدني في كازاخستان» نشطتا بقوّة للتواصل مع أعضاء الكونغرس ومسؤولي إدارة بايدن في شهرَي تشرين الثاني وكانون الأول الفائتَين.

بمعزل عن ما ستؤول إليه الأحداث في كازاخستان، التي يُسجَّل في تاريخها أنها عارضت تفكّك الاتحاد السوفياتي عام 1991، وثقافياً يميل أغلب مواطنيها إلى روسيا، من المنطقي أن تكون واشنطن حاضرة دائماً في منطقة آسيا الوسطى للعمل على تقويض كلّ من الصين وروسيا، إمّا عبر محاولات فرض الإحلال الثقافي الساعي لتخلّي الكازاخيين عن هُويّتهم الثقافية والتاريخية، أو بالحدّ الأدنى إن فشلت في هذه المساعي، إشعال نيران الفوضى وفرض حالة عدم الاستقرار عبر أدوات واشنطن في الداخل.

Related Articles

Back to top button