أحدث الأخبارالاقتصاد

تنمية بشرط قبول الصداقة!

إبراهيم محمد الهمداني
مهما حاول الاستعمار تجميل قبح صورته، وتظاهر بحسن النوايا، وادعى محبة الآخرين، وعمل على توطيد العلاقات الودية معهم، على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، إلا أن تلك الشعارات المثالية سرعان ما تسقط، وما تلبث عقلية المستعمر، أن تفصح عن نفسها، وتعبر عن مكنون أطماعها، لتطفو على سطح المشهد، صورة تحمل خلاصة الاستعمار الحديث، في صلته القوية بنهجه الماضوي الإجرامي، وإرثه الاستبدادي القمعي الوحشي، ونزعته في الهيمنة والاستعلاء، وفرض قواعد التبعية، واستعباد الشعوب، إلى أقصى الحدود الممكنة، بطرق ووسائل – غير تقليدية – أكثر إقناعا، وأشد خطرا وهيمنة من قوة الحديد والنار.
نظرا لما تنطوي عليه – تلك الحرب الناعمة – من أساليب الكذب والحيل والنفاق والزيف، وغيرها من الوسائل اللاأخلاقية، التي تروج لمثالية المستعمر، وتهيئ المجتمعات لنسيان تموضعه المعادي، والقبول به صديقا، في إطار ما يسمى بالتموضع الإنساني، بهدف الإفادة منه حضاريا وتنمويا، خاصة وقد ارتبطت وعود التنمية الأمريكية، بشرط قبول الصداقة، وقد نتجت عن ذلك القبول، حالة من الاستلاب الطوعي، والخضوع الجمعي، وعند هذا المستوى من العلاقة المضطربة، ظهرت عقلية المستعمر جلية، وتحولت الصداقة إلى وصاية، والتنمية الموعودة إلى مشاريع تجويع وإفقار لانهائية، والتطور والنماء الاقتصادي المزعوم، إلى أسوق استهلاكية، مفتوحة لمنتجات الآخر/ المستعمر الجديد، وعند هذه القيمة الاستهلاكية المطلقة، يتوقف الإسهام التنموي والحضاري المأمول، للشعوب النامية، التي تصدق أن امتلاك واستخدام أحدث منتجات التكنولوجيا الغربية، هو جزء من التحضر، إن لم يكن التحضر بذاته، وذلك هو الحد الأقصى للمعرفة، التي قد يمنُّ بها علينا مستعمرونا، كما حدثنا عنهم الشهيد القائد (رضوان الله عليه) قائلا:-
“هم يخرجون إلينا وهم يحتقروننا، وحريصون على أن لا نعلم شيئاً، إلا فضلات معرفتهم، التي فقط تؤهلنا لأن نكون سوقاً استهلاكية لمنتجاتهم، هي مجرد أن تعرف كيف تشغل منتجاتهم فقط لا كيف تصنع مثلها، أو كيف تنافسهم في التصنيع على نحوها”. (الشهيد القائد – متفرقات – من نحن ومن هم).



إن العقلية الإمبريالية، التي تُصدر الوهم الحضاري، وتمارس الاحتكار المعرفي، والتجهيل الممنهج، قد كشفت – من حيث لا تدري – عن طبيعة العلاقة، وحقيقة الصداقة المزعومة، القائمة بين المستعمر الأمريكي والشعوب المستضعفة، التي لم تجنِ من تلك العلاقة، غير المزيد من الضعف والاستلاب والتبعية المطلقة، الأمر الذي يؤكد أن عدو الأمس – تاريخيا ودينيا – لا يمكن أن يكون صديق اليوم، بأي حال من الأحوال، لأن الولايات المتحدة الأمريكية، تسير على ذات النهج الاستعماري العدواني، الذي رسمته وسارت عليه قبلها – الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس – بريطانيا العظمى، التي استعادت – بدورها – إرث الحروب الصليبية، وسلمته ضمن مفردات تركتها الاستعمارية، لخليفتها الأمريكي، الذي لا يعدو كونه تجسيدا حيا، لذلك الإرث العدواني الإجرامي، بحق الإسلام والمسلمين، وتلك حقيقة حملها لنا التاريخ، وأثبت شواهدها الحية، التي تؤصل لذلك الإرث الاستعماري، كما يبسطه ويوضحه السيد القائد بقوله:-
“في مراحل تاريخ الأمة كانت هناك الكثير من الضربات التي تلقتها الأُمَّـة، ولم تستفد منها لمراجعة ذاتية، واقعية، هادفة، بغية معالجة هذه المشكلة في واقع الأُمَّـة، ضربات كبيرة على يد التتار والمغول، ثم على يد الصليبيين (في الحروب الصليبية)، وفي نهاية المطاف الاستعمار البريطاني والفرنسي والأوروبي في الأُمَّـة، أتى – في نهاية المطاف – الأمريكيون والأُمَّـة – والإسرائيليون كذلك – والأُمَّـة قد وصلت إِلى وضعية بئيسة جدًّا، سيئة للغاية، تبعات وإرث ثقيل من الوهن، تراكمات كبيرة من المشاكل، خلل يتلوه خلل، يتضاعف عليه الكثير والكثير من الخلل المتتابع أثّر على الأُمَّـة، ضُربت الأُمَّـة ضربات كبيرة جدًّا في وعيها، في مبادئها، في قيمها، في كيانها، بما يقوّم هذا الكيان، بما يبني هذا الكيان، بما يتماسك به هذا الكيان، فوصل الواقع إِلى ما وصل إليه، ضاعت قيم كبيرة: العزة، الكرامة، الوحدة، العدالة، الفاعلية في الأُمَّـة، فقدتها الأُمَّـة؛ فوصل الحال إِلى ما وصل إليه”. (السيد القائد – خطابات المناسبات – يوم القدس العالمي ١٤٣٧هـ).
وعند هذا المستوى من التحليل المنهجي الدقيق، لواقع الأمة، تسقط أقنعة الإمبريالية الغربية، ويسقط قناع الإنسانية الأمريكية، وتتجلى حقيقتها العدائية الاستبدادية، وحينئذٍ تصبح مائدة الإفطار، التي أقامها الرئيس الأمريكي في شهر رمضان، ودعا إليها بعض المسلمين من الجاليات، غير كافية لإثبات حبه للإسلام، والتصديق أن حربه على الإرهاب، لا تعني حربا على الإسلام خاصة، وهو الذي لم يدخر جهدا، ولم يترك منبرا إعلاميا، إلا وأعلن من خلاله حربه على الإرهاب، مؤكدا في الوقت نفسه، على ملازمة والتصاق صفة الإرهاب بالدين الإسلامي خاصة، وتعبيرها عن حقيقة تدين المسلمين، ليشن بذلك حربا إعلامية عدائية شاملة، على أساس عنصرية دينية محضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى