أحدث الأخبارفلسطين

حسابات وهمية وفضائيات عربية.. كيف أدار “نظام الهسباراه” الإسرائيلي معركته ضد الفلسطينيين في العدوان الأخير على غزة؟

العصر*مركز الحارس للبحوث والدراسات:
حسابات وهمية وفضائيات عربية.. كيف أدار “نظام الهسباراه” الإسرائيلي معركته ضد الفلسطينيين في العدوان الأخير على غزة؟

بعد معركة سيف القدس، كشف رونين مانيليس، المتحدث السابق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، عن خطة من شأنها إحداث فارق كبير في المعارك التي يخوضها الجيش ضد قطاع غزة، تتمثل في إنشاء مئات الآلاف من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، مع عدم وجود أي إشارة عليها أنها تتبع لإسرائيليين؛ مهمتها نشر معلومات ورواية تكرس شعور الهزيمة لدى الفلسطينيين، والنصر لدى الإسرائيليين.

إلى جانب ذلك، أوصى مانيليس ودراسات أمنية إسرائيلية أخرى، اطلع عليها الحارس، بتنشيط دور الهيئات العاملة في مجال الدعاية والإعلام، وعلى رأسها “نظام الهسباراة الوطني (نظام مسؤول عن بناء الرواية الإسرائيلية وتمريرها)” الذي أنشئ عام 2007، ويضم “المكتب الوطني للهسباراه” الذي تتمثل مهمته في صياغة سياسة معلومات موحدة ومنسقة، سواء بشكل استباقي أو كاستجابة للأحداث، ويضم ممثلين عن مكتب رئيس الوزراء، ووزارة الخارجية، وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وشرطة الاحتلال، والشاباك، والموساد، والاستخبارات العسكرية، والمكتب الصحفي الحكومي.


وينضوي تحت النظام أيضا، مقر الإعلام والمتحدثين الرسميين، ومهمته منح الاستشارة الإعلامية لرئيس وزراء الاحتلال، ويضم مستشار رئيس الوزراء للاتصالات الدولية، ومنسقي الاتصالات وقسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومتحدثين باللغات الأجنبية والعربية، وخبراء في الإنترنت والإعلام الجديد، وهو المسؤول عن الاتصال اليومي مع وسائل الإعلام.

استجابة للتوصيات السابقة وغيرها، عقد نظام “الهاسبراه” اجتماعا في 28 ديسمبر 2021، لأول مرة منذ سنوات طويلة، وتم الاتفاق على تفعيل نشاطه من جديد، كجزء من استخلاص العبر بعد الإخفاقات الإعلامية والدعائية في سيف القدس.

في العدوان الأخير على قطاع غزة في أغسطس 2022 فعّلت حكومة الاحتلال بشكل منهجي غير مسبوق “نظام الهسباراه” مع التركيز الشديد على وسائل التواصل الاجتماعي وتمرير الرسائل بواسطة وسائل إعلامية كبرى على اتصال بهذا النظام، وأيضا من خلال عدد كبير من الحسابات الوهمية.

يسلط الحارس في هذا المقال الضوء على جانب من آلية عمل “نظام الهاسباراه” للتأثير على الفلسطينيين خلال العدوان الأخير:

أولا: استغل الاحتلال الإسرائيلي الاستجابة الكبيرة لوسائل الإعلام العربية، لتمرير الرسائل بكثافة، فركز كثير من هذه الفضائيات والمواقع على فكرة الاستفراد بفصيل دون تدخل فصيل آخر، وأدخلت لتغطيتها مسميات جديدة لم تكن موجودة قبل، مثل نقل تصريح لمسمى وظيفي غير موجودة أصلا لدى الجيش، لكن تم تمريره من خلال إحدى الفضائيات، وحمل رسالتين: الأولى أن وقف إطلاق النار في ملعب الفلسطينيين، والثانية أن هناك فصيلا لم يشارك في المعركة وهذه كانت قمة الحكمة. لقد أراد هذا المتحدث أن يحرض الناس على الفصيل الذي يقاتل عبر التأكيد أنه يتحمل مسؤولية استمرار المعركة وما ينتج على ذلك من تبعات، وأيضا التحريض بصورة غير مباشرة على فصيل آخر لخلق حالة من الاتهام والجدل والنقاش حول عدم مشاركته.
ثانيا: تشديد الرقابة أكثر من ذي قبل على النشر في وسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالأضرار وأماكن سقوط الصواريخ والخسائر وأي معلومات وإشارات في هذا السياق.

ثالثا: التركيز على أن العملية العسكرية موجهة ضد “حركة الجـــــهــاد الإسلامي”، وقد ساهم ذلك في خلق نقاش سلبي داخلي بين الجمهور الفلسطيني، استفاد منه النظام لجمع معلومات مهمة حول ما يدور على الأرض، هذا بالإضافة إلى التأثير في وحدانية الموقف تجاه ما يجري، وبالتالي الإضرار بشرعية المواجهة وأهدافها ومنطلقاتها. أيضا استفاد الاحتلال من التركيز الشديد على اسم “حركة الجـــــهــاد” للترويج حول العالم أن العدوان ضد جماعة مسلحة فقط، مستغلا مفردات اسم الحركة “جـــــهــاد وإسلامي” القريب من أسماء حركات ومنظمات إسلامية دولية لتفكيك وضرب أي تعاطف دولي خاصة على مستوى الرأي العام.

رابعا: التغطية الصحفية المباشرة من الميدان، أي البث المباشر، إذ أنه باعتراف مسؤول “نظام الهسباراه”، ساهم بعض مقاطع الفيديو التي بثت مباشرة عبر الفضائيات في تطوير خطاب موجه للفلسطينيين هدفه تكريس فكرة أن الصواريخ الفلسطينية كما تسبب الضرر للإسرائيليين، تسبب الضرر للفلسطينيين أيضا، وقد تم توزيع هذه المقاطع على جهات وهيئات ومنظمات داعمة للاحتلال أو جزء من مؤسساته الرسمية للترويج لها في العالم، وهذا ساهم في ضبابية المشهد والموقف فيما يخص الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال.



خامسا: الصور التي كانت تخرج من الميدان سريعا عبر مواقع التواصل، منحت النظام استجابة إعلامية ودعائية للحدث مبنية على تقدير موقف سريع. فمثلا قد يعلق أحدنا: هذا الحدث جرى بالقرب مني، وما حدث هو كذا كذا..

أو قد ينشر صورة أو مقطع فيديو، هذه المعلومات تساهم في أن يبني “نظام الهسباراه” استجابة وخطابا سريعا ضد الفلسطينيين.

سادسا: الوضع الإنساني في قطاع غزة خلال العدوان. فقد سعى الاحتلال لتحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية، رغم أن الذي قام بإغلاق الحواجز هو جيش الاحتلال. يعترف رئيس “نظام الهسباراه” أن هذه المهمة تولاها ما يسمى منسق أعمال حكومة الاحتلال في المناطق، والمتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال باللغة العربية، وممثلون عن وزارة الخارجية.

سابعا: أعلن الاحتلال في بداية العدوان أن الهدف هو إحباط عملية للجهاد الإسلامي، لكن وبعد تمكنه من اغتيال اثنين من قادتها، أعلن أن مهمته أنجزت، وبالتالي حدد أهداف أخرى بناءً على معطيات الميدان، وضخ إعلاميا في هذا الاتجاه بكثافة (العملية حققت أهدافها) وهو خلق شعورا بالنصر لدى الإسرائيليين.

في ضوء ما سبق، يوضح الحارس أن المناكفات الداخلية هي أداة حرب إسرائيلية، وهذا باعتراف الاحتلال نفسه، فقد صرح رئيس “نظام الهسباراه” أنهم كانوا مرتبكين فقط بعد أول حدث ارتقى فيه مدنيين، واجتهدوا في بناء رسالة مناسبة للتعامل معه، لكنهم في ما بعد كانوا مرتاحين وليسوا في عجلة من أمرهم بعد كل حدث، لأن النقاش الداخلي والمناكفات بالنهاية هي الهدف المرجو من الرسالة، بما أنها تحققت بدون رسالة، فهذا منحهم إمكانية لتطوير الرسالة وعدم الاستعجال في صياغتها.

أيضا، استجابة الإعلام العربي لكافة الرسائل الصادرة عن “نظام الهسباراه” هو مشاركة فعلية في الحرب، لأن النظام يعترف بشكل لا لبس فيه أنه مصمم لإدارة حرب الرواية مع الفلسطينيين. وما يثير الاستغراب هو تناغم المضمون بين محتوى الإعلام العربي والإسرائيلي والدولي في العدوان الأخير، وكأن وسائل الإعلام هذه أصبحت جزءا من أدوات “نظام الهسباراه”.
يشير الحارس أيضا أن التجربة الإعلامية للاحتلال خلال العدوان الأخير كانت ناجحة، وسيبني على أساسها خططا أكثر تطورا للعمل ضمن محدداتها في أي عدوان قادم، ولذلك فإن الفصائل الفلسطينية والأجهزة الرسمية المعنية مطالبة بدراسة الحالة، ومحاربة كل أشكال الانفلات على وسائل التواصل الاجتماعي في مثل هذه الظروف، من خلال الاستجابة الوقائية المتمثلة بالتوعية، والاستجابة المباشرة الفورية المتمثلة بإنفاذ القانون. وأيضا الاتفاق على آليات ومحددات تغطية صحفية مع وسائل الإعلام كافة يضمن عدم تكرار الأخطاء التي استفاد منها “نظام الهسباراه” الإسرائيلي.

Related Articles

Back to top button