العراق

حينما يتحرك “داعش” تحت غطاء كورونا

مجلة تحليلات العصر الدولية

بقلم: عادل الجبوري

شهدت الآونة الأخيرة خروقات أمنية لعصابات “داعش” الارهابية في عدة مدن ومناطق عراقية، لا سيما في المناطق الرابطة بين محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك شمال العاصمة بغداد، حيث تعرضت مقرات وقواطع تابعة للجيش والحشد الشعبي والحشد العشائري لهجمات وتعرضات “داعشية” متكررة. وتؤكد المصادر المطلعة أن الهجمات التي يشنها “الدواعش” تستهدف عناصر الأمن ودورياتهم ونقاط المرابطة بشكل مكثف، وأيضًا المتعاونين مع القوات الأمنية وقادة الحشد الشعبي والعشائري.

وبحسب المصادر فإنه تم تسجيل نشاط كثيف لعصابات “داعش” في سبع مناطق على الحدود الفاصلة بين محافظتي صلاح الدين وديالى بالإضافة الى تلال حمرين وشمال قضاء الشرقاط، والقوات الأمنية وبضمنها الحشد الشعبي سجلت نحو خمسين هجوما وتحركا لـ”داعش” خلال الأسابيع القلائل الماضية، بارتفاع نحو عشرين هجومًا فقط طوال شهري كانون الثاني وشباط المنصرمين.

ويلاحظ أن تعرضات وخروقات “داعش” تزامنت مع انشغال مختلف المفاصل الادارية والامنية والخدمية بمواجهة وباء فايروس كورونا، وهو ما تؤكده أوساط ومصادر في الأجهزة الأمنية بقولها “إن العناصر الإرهابية تستغل حظر التجوال وانشغال القوات الأمنية بتوزيع المساعدات وفرض إجراءات العزل الصحي لتوسيع عملياتها”.

في ذات الوقت، يشير مركز الإعلام الرقمي المتخصص بمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، الى عودة نشاط تنظيم “داعش” الارهابي على منصات التواصل الاجتماعي، وزيادة في أعداد حسابات أنصاره، وجاء ذلك النشاط الالكتروني متزامنًا مع محاولات استعادة زمام المبادرة على الارض.

ومن المعروف جدًا، أن الجماعات والتنظيمات الارهابية المسلحة في مختلف بقاع العالم دائمًا ما تستغل الظروف والأوضاع الاستثنائية لتنفذ عملياتها الارهابية وتحقق مكاسب على الارض وتستعيد ما خسرته في أوقات سابقة.

ولعل ذلك ما تقوم به عصابات “داعش” في هذا المفصل الزمني الحساس والخطير، حيث إن كل امكانيات وطاقات وقدرات الدولة والمجتمع مكرسة لمواجهة خطر وباء فايروس كورونا القاتل، وقبل ذلك فإن عصابات “داعش” حاولت استغلال أجواء الحراك الجماهيري السلمي الذي انطلق مطلع شهر تشرين الاول الماضي في العاصمة العراقية بغداد وعدد من المحافظات، وكذلك حالة الانسداد السياسي في ظل حكومة تصريف الاعمال وفشل الفرقاء السياسيين حتى الان في حسم الامور وتشكيل حكومة جديدة كاملة الصلاحيات، مضافا الى ذلك استشهاد كل من نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس وقائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني بغارة اميركة قرب مطار بغداد الدولي مطلع شهر كانون الثاني-يناير الماضي.

ولا شك ان ذلك يؤشر الى أن تنظيم “داعش” الارهابي – ومن يقف وراءه ويدعمه – ما زال يخطط ويأمل في استعادة زمام المبادرة. وهو ما يتطلب التوقف طويلًا عند المعطيات القائمة، والبحث في طبيعة الخروقات الحاصلة وكيفية التصدي لها وافشالها وتحصين الجبهة الامنية الداخلية للحؤول دون تضييع وفقدان المكاسب الكبيرة المتحققة.

وهنا فإنه من المهم جدًا الاشارة الى أن تلك المحاولات الارهابية في العراق لا تنفصل عن تحركات مشابهة في سوريا، لا سيما في مناطق تقع على الحدود بين البلدين، هذا في الوقت الذي تتحدث فيه أوساط استخباراتية عن وجود معلومات ومؤشرات تفيد بأن جهات خارجية تقوم بتقديم الدعم والاسناد اللوجيستي لعصابات “داعش”.

واذا كانت فلول وعصابات “داعش” الارهابية التي فقدت الجزء الأعظم من مكاسبها على الأرض العراقية، قد وجدت أن الظروف والأوضاع السياسية والأمنية والصحية الراهنة مؤاتية للتعويض عن جزء مما خسرته، فإن ذلك لا يخرج عن سياقات مخططات ومشاريع وأجندات أشمل وأوسع، من قبيل التصعيد العسكري التركي في شمال شرق سوريا، ومباحثات السلام التي تجريها الولايات المتحدة الاميركية مع حركة “طالبان” الأفغانية الارهابية برعاية قطرية، والمساعي المحمومة والمتواصلة لتفكيك منظومة الحشد الشعبي وتذويبها وصهرها في بوتقة المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية.

ويشير وزير الداخلية العراقي الأسبق باقر جبر الزبيدي الى أنه جرى خلال العامين الماضيين تدريب وتسليح وتمويل ما يقرب من 2500 مقاتل تحت عنوان الصحوة العشائرية في الأنبار، في الوقت الذي تتواجد فيه قوة عشائرية قوامها ثلاثة آلاف مقاتل جنوب غرب محافظة دمشق وتسيطر على شمال المثلث الأردني – العراقي – السوري، ويؤكد الزبيدي أنه يراد دمج هاتين القوتين للتحرك باتجاه النجف وكربلاء، علما إن هناك طلائع منتشرة في صحراء الأنبار وجنوب الفلوجة، تعتبر رأس جسر للرصد والعمل الاستخباري لهذه القوات وبدعم وتمويل من أطراف خليجية.

مثل تلك الأرقام والمعطيات، وإن بدت بالنسبة للبعض بعيدة عن الواقع نوعًا ما، الا أنها ليست ببعيدة عن مناهج التفكير والتخطيط لدى دوائر المخابرات ومراكز صنع القرار في عواصم دولية واقليمية، فجلوس واشنطن على طاولة التفاوض مع حركة “طالبان”، بعد شنها حربًا ضد أفغانستان في عام 2001 بسببها، يعني الشيء الكثير، لا سيما اذا عرفنا أن “طالبان” تعد أحد أجنحة تنظيم “القاعدة” الارهابي.

ويبدو أن المصالحة الاميركية مع حركة “طالبان” هي جزء من مخطط اقليمي – دولي لإعادة الحياة الى تنظيم “القاعدة” من خلال بوابة “طالبان”، التي من المتوقع أن يكون لها دور مستقبلي بأجندات زعزعة الاوضاع الأمنية في باكستان وإيران والهند وبعض دول الإتحاد السوفيتي السابق، كما يؤكد ذلك متخصصون في الشؤون الامنية والاستراتيجية.

ولا تعني إعادة إحياء تنظيم “القاعدة”، القضاء على تنظيم “داعش”، وانما تكييف كلا العنوانين مع متطلبات الظروف ومتغيرات الأوضاع، لا سيما وأن كلا التنظيمين ينتميان الى نفس المدرسة الارهابية التكفيرية.

ومن هنا فإن اعادة تأزيم الساحة العراقية، سواء بأدوات داعشية أو غيرها، يعد هدفًا مهمًا ومحوريًا من أجل بلورة وتنضيج وتفعيل المخططات والمشاريع ذات النطاق الأوسع والأشمل، وهو ما يستدعي تكريس جزء من الجهد العسكري والاستخباراتي واللوجيستي لملاحقة عصابات “داعش” والجهات الداعمة والساندة لها، ووضع اليد على الخلايا النائمة، وتجنب التراخي والاهمال في هذا الجانب، لحساب التركيز على مواجهة وباء كورونا، لأن الأمر الخطير في الموضوع هو أن “داعش” يمكن أن يتحرك وينشط تحت غطاء كورونا وغطاءات اخرى، بعيدا عن دوائر الرصد والمراقبة واستغلالا لمظاهر الاضطراب والارتباك والفوضى.

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية حول هذا المقال:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى