العراق

“داعش”.. قنبلة واشنطن الموقوتة في العراق!

مجلة تحليلات العصر الدولية

بقلم: عادل الجبوري

في مقال سابق تحت عنوان (حينما يتحرك داعش تحت غطاء كورونا-24/4/2020)، انتهينا الى “ان اعادة تأزيم الساحة العراقية، سواء بأدوات داعشية او غيرها، يعد هدفا مهما ومحوريا من اجل بلورة وتنضيج وتفعيل المخططات والمشاريع ذات النطاق الاوسع والاشمل، وهو ما يستدعي تكريس جزء من الجهد العسكري والاستخباراتي واللوجيستي لملاحقة عصابات داعش والجهات الداعمة والساندة لها، ووضع اليد على الخلايا النائمة، وتجنب التراخي والاهمال في هذا الجانب، لحساب التركيز على مواجهة وباء كورونا، لان الامر الخطير في الموضوع هو ان داعش يمكن ان يتحرك وينشط تحت غطاء كورونا وغطاءات اخرى، بعيدا عن دوائر الرصد والمراقبة واستغلالا لمظاهر الاضطراب والارتباك والفوضى”.

ولم تمر سوى ستة ايام، حتى تعرضت قوات الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية في مناطق تابعة لمحافظة صلاح الدين الى هجوم داعشي من عدة محاور اسفر عن استشهاد واصابة عدد من منتسبي الحشد والاتحادية. صحيح ان ذلك الهجوم لم يحقق اهدافه، بيد انه من اية زاوية نظرنا اليه فهو يعد خرقا امنيا خطيرا من حيث الزمان والمكان، فالاعتداء الداعشي جاء في خضم انشغال الجميع بكيفية مواجهة خطر وباء كورونا، واستمرار الانسداد السياسي، وتواصل التجاذبات والتقاطعات السياسية الحادة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، والمترافقة مع تهديدات اميركية متواصلة يراد منها خلط الاوراق واعادة الامور الى المربع الاول، ان لم تجد املاءات واشتراطات واشنطن طريقها الى التنفيذ.

ولعل الناطق الرسمي بأسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء الركن عبد الكريم خلف، كان دقيقا حينما ربط بين اعتداءات فلول داعش والمؤامرات الخارجية، بقوله “ان أبطال الحشد الشعبي مازالوا يقدمون التضحيات الغالية دفاعاً عن أمن الشعب وسيادة البلاد، وانه في الوقت الذي يواجهون المؤامرات والاعتداءات الخارجية فإنهم يواجهون هجمات داعش الإرهابية”.

ومما لايقبل الكثير من الجدل والسجال هو ان الولايات المتحدة الاميركية التي اقدمت مؤخرا على اخلاء قواتها من بعض القواعد العسكرية العراقية، وشرعت بمباحثات مع الجانب العراقي لترتيب اجراءات سحب تلك القوات الى خارج العراق، لايمكن ان تقتنع بفكرة المغادرة بهذه البساطة، لاسيما وان مجمل المشاريع والخطط الموضوعة للمنطقة من قبل دوائر صنع القرار ورسم السياسات في واشنطن، تتمحور حول تعزيز امن الكيان الصهيوني واضعاف ايران ومحور المقاومة، وهو ما يقتضي تعزيز الوجود الاميركي في المنطقة وتقوية ادواته وعناصره، وفي كل الاحوال فأن العراق يمثل احد الميادين والساحات الحيوية المهمة لتنفيذ تلك الخطط والمشاريع، وبقاء الارهاب الداعشي والقاعدي، يشكل ضرورة لابد منها لانه يهيأ الارضيات ويخلق المبررات والذرائع للاقرار بفكرة بقاء الاميركان وعدم مغادرتهم، وهذا ما تدعو اليه وتروج له اطراف سياسية وغير سياسية عراقية في مقابل الرفض السياسي والشعبي الواسع له.

ولايختلف اثنان في ان ضعف الاداء الامني والعسكري، وتقاطع سياقات العمل بين المؤسسات والمفاصل الامنية المختلفة، والتجاذبات والخلافات السياسية، والفساد الاداري والمالي، ومن ثم تفشي وباء فايروس كورونا، كلها عوامل ساهمت وتساهم بشكل او باخر في عدم القضاء على تنظيم داعش الارهابي بصورة نهائية، ولكن يبقى العامل الاكثر اهمية وحساسية وخطورة في بقاء ذلك التنظيم هو طبيعة ومستوى الدعم والاسناد والتمويل والتشجيع العسكري والاستخباراتي والسياسي والاعلامي الذي يتلقاه من اطراف دولية واقليمية تلتقي وتجتمع مصالحها واجنداتها عند نقطة محورية، تتمثل في الابقاء على الوضع العراقي مرتبكا ومضطربا وهشا ومفتوحا على كل الخيارات.

وارتباطا بذلك فأن هناك من اكد على ان الخرق الامني الاخير بحاجة لوقفة جادة وقراءة لحيثيات الملف الامني، تبلور استراتيجية امنية تضمن القضاء على جيوب الارهاب الداعشي، وذلك من خلال اتخاذ تدابير الحيطة والحذر وعدم التهاون والتراخي لاسيما في المناطق الرخوة امنيا” وهذه خطوات اولية، ترتبط بها خطوة رئيسية وحاسمة اشار اليها الامين العام لحركة عصائب اهل الحق الشيخ قيس الخزعلي في تعليقه على الاعتداءات الاخيرة في سامراء، بالقول “أن الهجمات الأخيرة لتنظيم داعش، هي حلقة ضمن مسلسل إعادة تفعيل التنظيم من قبل الإدارة الأميركية قبيل مفاوضاتها المزمعة في شهر حزيران مع الحكومة العراقية حول سحب قوّاتها من العراق”، مضيفا، “ان أميركا تحاول إيجاد مبرر لإستمرار إحتلالها لأرض العراق، لحسابات تتعلق بأمن الكيان الصهيوني والسيطرة على النفط العراقي، وهو أمر وعد بتحقيقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب”.

ويعزز هذه الرؤية النائب عن تحالف سائرون رياض المسعودي بقوله، “أن نشاط داعش الأخير، وعملياته الإرهابية ما هي إلا خيوط مؤامرة أميركية لعرقلة العملية السياسية وإفشالها في العراق، وان الولايات المتحدة الاميركية تتعامل مع العراق كدولة محتلة من قبلها، وهي غير مهتمة بالمشروع السياسي للعراق وبسيادته، وبالتالي فهي تعمل على دفع مشاريع لإضعاف العراق من بينها القاعدة و داعش وغيرهما من المشاريع لضمان بقاء سيطرتها”.

في ذات الوقت تتحدث اوساط ومصادر سياسية واستخباراتية واعلامية عن قيام واشنطن بأطلاق سراح اعداد لايستهان بها من معتقلي الدواعش في سجون سورية ونقلهم الى داخل العراق، ناهيك عن توجهات ومحاولات لتحرير اعداد اخرى منهم قابعين في عدة سجون عراقية، وهو ما استدعى مؤخرا ارتفاع الاصوات المطالبة بتنفيذ احكام الاعدام بهؤلاء الارهابيين، لقطع الطريق امام اية محاولات لاعادة الامور الى الوراء.

بعبارة اوضح ان الخطوة الرئيسية والمحورية لتوجيه الامور بمساراتها الصحيحة، وابطال مفعول القنابل الامنية والسياسية الموقوتة القابلة للانفجار في اية لحظة، تتمثل بأنهاء التواجد الاجنبي-الاميركي من ارض العراق، علما ان مثل تلك الخطوة تنطوي على مصاعب ومعوقات وعراقيل عديدة، البعض منها سيتم افتعالها، كما هو الحال بالنسبة لاعادة تمكين داعش، ومن ثم تصاعد نبرة الاصوات الداعية الى بقاء الاميركان تحت ذريعة عدم زوال التهديد والخطر الداعشي، والبعض الاخر ربما تكون حاصل تحصيل للمأزق السياسي وانعكاساته وتأثيراته السلبية على مجمل المشهد العام في البلاد.

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية حول هذا المقال:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى