أحدث الأخبارالعراقمحور المقاومة

ديمقراطية صدامية

مجلة تحليلات العصر الدولية - ضياء ابو معارج الدراجي

لعل اغلب الاجيال التي لم تبلغ سن الرشد في حكم المقبور صدام والاجيال التي ولدت بعد سقوطه لم تعهد الحياة في حكم الطاغية ولم تعيش ديمقراطية بعثه الساقط على حياة الذكور من الشبان خصوصا لكل من بلغ وتجاوز سن الثامنة عشر وكيف يصبح هذا العمر مستهدفا امنيا من قبل جميع السلطات الامنية والحزبية حتى ينتهي به الامر اما مقتولا او مسجونا او جنديا مذلولا يخدم في جيشه براتب نصف دولار شهريا حتى وان حصل على شهادة عليا يساق الى حروبه العبثية مجبرا لا خيار له بين الموت او الموت برصاصة من يقاتله من الامام او رصاصة فرق الاعدامات الصدامية من الخلف.
كان يوم الخميس ١٢ اكتوبر ١٩٩٥ رابع خميس لي من شهري الاول في الخدمة العسكرية الالزامية بعد تخرجي من الجامعة و حصولي على شهادة البكلوريوس في علوم الحاسبات ،حيث كانت سنة ١٩٩٥ من اتعس السنوات على الشعب العراقي عموما وعليه انا خصوصا ، على الصعيد العام كانت السنة الخامسة للحصار والجوع وانهيار العملة العراقية قبل قبول صدام مجبرا بقرار الامم المتحددة بتصدير جزء من نفط العراق مقابل توفير الطعام والمسلتزمات الصحية للشعب العراقي بعد مماطلة دامت سنوات من قبله بينما اهلكنا الجوع والعوز واصبحت اموالنا الشخصية في البنوك التي حجبها عنا صدام لا تساوي شيء ،وعلى الصعيد الشخصي تم تجنيدي مجبرا في الخدمة الالزامية وايضا في هذه السنة تم اصابة رأسي بعملية تسليب مسلحة في بغداد شارع فلسطين مع سرقة سيارتي الشخصية البقية الباقية من املاك والدي في فترة ما قبل غزو الكويت.
كان خميسي الرابع في الجيش مختلفا جدا عن الخميسات الثلاث الماضية حيث كنت اجهز نفسي كالعادة في كل خميس انا و رفاقي في الفصيل الاول السرية الاولى الجناح الثالث مدرسة قتال الحرس الجمهوري في معسكر التاجي للنزول في اجازة نهاية الاسبوع الخاصة بدورات التدريب المستجدة والتي تبدأ من بعد ظهر يوم الخميس وتمدد الى فجر يوم السبت،لكن هذا الخميس لم يصدر لنا امر بالنزول ولم نمنح اذن الاجازة وتاتينا الاخبار من المعلمين والعرفاء بصدور اوامر لكل قطعات الجيش العراقي بحالة انذار (ج) لا اجازات ولا مساعدات ولا نزول حتى للدورات التدريبة وصدور اوامر التحاق فوري لكل القطعات من المجازين .
كنا نظن تماما ونحن منقطعين عن كل الاخبار في معسكرنا المظلم ليلا ان هناك حرب قادمة جديدة تاخذ منا ما تأخذه من حياة و دماء و شباب، بقينا طوال الليل يقضين وفي قلوبنا حسرات وكمد عميق على فراق الاهل مع جوع قاتل فلم تقدم لنا وجبة العشاء هذه الليلة ولم يبقى لدينا طعام من بقايا ما نجلبه معنا من اهالينا في كل سبت يوم الالتحاق.
انتهى الخميس العسكري القاسي ولا اعلم كيف استطعت النوم مع الجوع والكوابيس لافتح عيني على صباح اول جمعة لي اقضيها في الجيش بتاريخ ١٣ اكتوبر ١٩٩٥،جمعة و ١٣ ما هذا النحس، كله يوم شؤم!!! ، لكن الغريب في هذا اليوم لم يطلب احد منا النهوض ولم يدخل علينا معلم او عريف يضربنا بالعصى للتعداد الصباحي ولم يظهر اي ضابط من ضباط فصيلنا او سريتنا او جناحنا، كان الوضع غريب جدا لا فطور صباحي ولا طعام .
من جوعنا تجمهرنا على غرفة امر الجناح نطلب الطعام ليخبرنا اننا دورة تدريبية ليس لنا اي ارزاق او طعام في يوم الجمعة وليس من صلاحياته ان يصرف لنا اي ارزاق او طعام في هذا اليوم.
قضينا يومنا الجائع هذا على الماء وبقايا الصمون العسكري المتعفنه في النفايات والتي جمعناها من بقايا الصمون المرمي فوق الجملونات العسكرية وبعض الحشائش الخضراء التي كانت تنمو في المعسكر.

صباح السبت التالي ١٤ اكتوبر ١٩٩٥ كان يوما عسكريا عاديا،نهوض صباحي وتعداد مع فطور جماعي لم اتذوق اشهى منه ولم ابقي شيء من الطعام رغم ردائته والعفونه التي فيه بعد يوم وليلتان من الجوع القاتل.
لكننا لهذا اللحظة لم نعرف سر الانذار (ج) وسر عدم السماح لنا بالنزول الى اهلنا واستمر السبت كأي سبت عادي تدريب عسكري مع وجبات الطعام الرئيسية الرديئة ثم الخلود الى النوم بعد غروب الشمس.

في يوم الاحد ١٥ اكتوبر ١٩٩٥ كان صباحه صباحا عسكريا عاديا ككل يوم لكن الاختلاف فيه عن بقية الايام كان بعد الساعة العاشرة صباحا حيث جمعونا بارتال عسكرية مع بقية سرايا الجناح الثالث الثلاثة وسرية المقر وكافة الضباط وتوجهنا الى مقر الجناح الاول بطابور عسكري لننظم الى عشرات المئات من الجنود هناك لنقف في طابور طويل جدا على بوابه جملون لا نعرف ما الهدف منه، كان الداخل فيه يخرج من مكان اخر لا نراه ،دخول بلا خروج.
بقيت على حالة الانتظار هذه لثلاث ساعات وانا اقترب من بوابة الدخول تلك، حين وصلت البوابة تم وضع ورقة مربعة بيضاء في يدي بحجم الكف من قبل ضابط برتبة ملازم لم يترك لي فرصة قراءتها عسكري يقف بقربه حيث عالجني بضربه كف قوية (راشدي) اعلى ظهري ليرميني نحو عسكري ثاني دفعني بقوة نحو صندوق يقف علية ثلاثة ضباط برتب مختلفة امروني بزجر ان اضع الورقة بالصندوق ومن شدة ارتباكي سقطت الورقة مني فاخذها احد الضباط وهو يسبني ويشتمني و يشتم امي ووضعها بدل عني في الصندوق مع ضربة قاسية بقدمه على مؤخرتي(جلاق) واخرجني ضابط اخر بكف(راشدي) على ظهري من باب اخر لاجد نفسي بين رفاقي في الفصيل ممن دخلوا قبلي يجمعهم احد عرفاء جناحي لنتوجه الى جناحنا العسكري واثناء المسير من الجناح الاول الى الجناح الثالث علمت اننا انتخبنا القائد الضرورة صدام حسين لسبع سنوات جديد باستفتاء شعبي المرشح الوحيد فيها هو فقط.
بعد سبع سنوات وفي يوم اربعاء ١٦ اكتوبر ٢٠٠٢ كنت املك سيارة نقل خاص ١١ راكب اعمل بها لتوفير معيشة عائلتي اليومية حين اعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة حظرا للتجوال في عموم العراق و فتحت المدارس لاستفتاء جديد للتصويت بنعم او كلا عن تولي صدام حسين ولاية اخرى لسبع سنوات جديدة.
في صباح الاربعاء ذاك جمعت هويات الاحوال المدنية لكل افراد عائلتي ممن بلغ ١٨ سنة وذهبت وحدي الى مدرسة القاهرة المقابلة لنهاية شارع بيتنا و دخلت قاعتها الكبرى تلك المدرسة مع مجموعة مدارس مجاورة كانت من مباني الشركات الكورية في الثمانينات،اعطيت كل الهويات الى عضو حزب البعث الجالس في القاعة والذي اشر الاسماء في سجلاته و اخرج اوراق بعدد الهويات طلب مني ان اختار ما بين ال(نعم) و ال(كلا) نظرت اليه وحركت راسي بنعم و
تركت الاوراق له فاشرها بيده كلها نعم و وضعها في الصندوق وهو منتعش فرحا.
كانت تلك اخر تجربة ديمقراطية لي في عهد الطاغية صدام .
كانت حياتنا متعلقه بجرة قلم قلوبنا تقول كلا لكن بعدها الموت وقلوبهم تقول نعم نحن اسيادكم رغما عنكم.
لذلك كان لسقوط الطاغية فرحة عارمة رغم خطر الاحتلال والموت والرعب الذي واكب لحظات سقوطه .
ان تجربة الانتخابات بعد ٢٠٠٣ اطلقت لنا الحرية في انتخاب من نريد دون ضغط او خوف و اعطتنا الحرية في عدم الانتخابات او عدم الحضور لم نعهدها في زمن هدام الطاغي الذي يحاسب حتى من لم يريد الانتخاب و يصل الى الصندوق الذي ضمن ان كل الاصوات له رغم انف الشعب.

لكن ما ادهشني بعد ١٨ عام من سقوط الطاغية هي تحديد الانتخابات المبكرة بعد احداث اكتوبر(تشرين) ٢٠١٩ في ١٠ اكتوبر ٢٠٢١ كانهم يقولون ها قد عدنا لكم من جديد رغم ان كل الانتخابات الماضية بعد ٢٠٠٣ كانت في نهاية شهر نيسان .هذا الموعد قد لا تفهمه الاجيال التي لم تواكب حكم الطاغية كما نفهمه نحن من ولدنا وعشنا وكبرنا في نظام بعثي قاسي لم يترك لنا مجال ان نتواصل مع العالم الخارجي كما هو الاحال الان في عصرنا الحالي وكانت التهمة الوحيدة الخيانة والعمالة وعقوبتها الاعدام و تضيق الخناق على عائلة المعدوم الى الدرجة السادسة لو حاول التواصل مع شخص خارج الحدود العراقية.

Related Articles

Back to top button