أحدث الأخبار

رحلة الدولة البوليسية العربية إلى الهاوية

مجلة تحليلات العصر الدولية - إبراهيم أبو عواد

ما زالت العقلية السياسية العربية محصورة في بدائية ردود الأفعال الارتجالية دون وجود منظومة تخطيط متكاملة . وهذا يعود إلى عدم وجود دولة عربية على الأرض الواقع . فهذه الكيانات السياسية المنتشرة من الخليج إلى المحيط عبارة عن قبائل تتقمص قناعَ الدولة المدنية المتحضرة .
وفي ظل هذه التداعيات السياسية السلبية يتكرس الحاكم العربي كشيخ قبيلة معصوم محاط بالحاشية المنافقة الموالية له ، مما أدى إلى فراغ موحش في المناصب الحكومية ، وغياب الكفاءات القادرة على خدمة الأمة ، لأن التعيين يتم اعتمادًا على الولاء الأعمى وليس الكفاءة والإخلاص ، فأضحت الدولة العربية الكرتونية مزرعة للحاكم وأتباعه العائشين في الأبراج العاجية ، والمعزولين عن الشعب اللاهث وراء كسرة الخبز . فانتقل الفكر السياسي البدائي من النظام الحاكم إلى الفوضى الحاكمة إلى العصابة الحاكمة ، ومن دولة القانون والمؤسسات إلى حكم القبيلة ، ومن البرلمان المشتمل على المعارضة إلى الحظيرة التي لا تَقبل إلا بالموالين للعصبية القَبَلِيَّة دون تمييز بين الحق والباطل . وبالتالي فالدولة تُدار كإقطاعية للحاكم الذي يتصرف في موارد الدولة على أنها مِلْك شخصي ، فتصبح مسألة إطعام الشعب أو تجويعه حقًّا طبيعيًّا لرأس الهرم السياسي _ من وجهة نظره _ .
والسُّلطة السياسية تريد مجتمعًا من الأغنام يُقَاد معصوب العينين إلى الذبح دون أن يعترض . وفي هذا السياق الاجتماعي المتزامِن مع انهيار مركَّبات الوعي الحتمي ، اعتاد المواطن العاطل عن الوطن على فوضوية المؤسسات الرسمية الغارقة في الفساد والنفاق والروتين الوظيفي، فدخل الفردُ في التدجين الرسمي الشامل ، فأمسى كائنًا فارغًا مُجَوَّفًا لا تاريخ له سوى الخضوع والاستسلام ، يحلم بمستقبل مجهول شديد المخاطر ، لأن سياسة الأنظمة الحاكمة محصورة في اللحظة الآنية ، أي تثبيت حُكم الزعيم حتى الرمق الأخير ، وليكن الطوفان بعد ذلك . وهذه مسألة بالغة الخطورة لأنها تشتمل على ترحيل مشكلات الشعب المصيرية لا حلها ، ودفنِ النار تحت الرماد لا إطفائها .
لذلك ظهر المواطن العربي بلا حول ولا قوة . كأنه كائن مُعَدَّل وراثيًّا ، فصار انتحاره البطيء هو النواة المركزية والغلاف الفلسفي لحياته ، فهو لا يتخيل حياته بدون موت بطيء . وهكذا حصل النظام الحاكم على مراده بأن صنع كائنًا خائفًا من الحرية والشورى ، مِمَّا جعل الفرد عدو نَفْسه ، وضد الآخرين . وهذا هو هدف الديمقراطية الوهمية التي ترسم السياسة العامة للبلاد حول مركزية رأس العشيرة الحاكم المُطْلَق .
والإشكالية الصادمة في الفوضى السياسية العربية أن الدولة الشكلية تم نقلها إلى القبيلة . فلم تعد القبيلة وحدة اجتماعية فحسب ، بل صارت نظامًا سياسيًّا له دستوره الخاص المفروض على كل أنساق المجتمع . وهذا التسييس القاتل للمكونات الاجتماعية أدى إلى تغييب عناصر الولاء والانتماء للدولة الأم الحاضنة لجميع أطياف الشعب .
والمواطن العربي يشعر بغربة شرسة في بلاده، لأنه يعتقد أن وجوده كعدمه، وأنه موضوع في الهامش، وسواءٌ حضر أَمْ غاب فلن يعبأ به أحد . فصوته مُصَادَر في مسرحيات تزوير الانتخابات، وحياته الاجتماعية محصورة في عوالم رغيف الخبز ، وحقوقه السياسية مهدورة لأنه تربى على عدم الكلام في السياسة خوفًا من المشاكل الأمنية في ظل الدول العربية البوليسية .
وصار الشباب العربي طوابير طويلة أمام السفارات الأجنبية هُروبًا من مجتمعاتهم الفاسدة من الرأس حتى القاعدة . والبعض يحاول الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر فيصبحون طعامًا للأسماك . وهذا يعكس حجم التحولات الكارثية في البلاد العربية . فمثلًا ، أثناء الحربين العالميتين كان الأوروبيون يهربون من جحيم بلادهم لكي يأتوا إلى مدينة كالإسكندرية لكي ينعموا بالثقافة والرفاهية والأمان . أما الآن فصار الشباب العربي يضع الهجرة على رأس أولوياته ، فهو ينظر إلى بلاده كسفينة تغرق ويريد أن يقفز منها ، أو كشقة مفروشة سُرعان ما يغادرها دون شعور بالانتماء الحقيقي ، لأن السياسات الرسمية الفاشلة تقوم بالقتل المنهجي لروح الانتماء والمواطنة.ولا يمكن إقناع الفرد بحب الوطن وهو لا يجد رغيف الخبز. وبالتالي فقد تكرس الخلاص الفردي ، وكل مواطن يريد أن ينجوَ بنفسه .
إن الأنظمة المخابراتية في الوطن العربي أسَّست مُجتمعات مُنهارة على جميع الأصعدة . والمجتمعات التي تعاني من القمع السياسي والكبت الجنسي هي نتاج الأنظمة البوليسية التي تنتهج سياسة ” جَوِّع كلبَكَ يتبعك “، فهي لا تحترم آدمية المواطنين، بل تعتبرهم مجرد كلاب حراسة لحماية قصور الحُكَّام ، وحماية الحاشية العائشة كالذباب على نزيف الشعوب اللانهائي .
لذلك تكرست فوضى المصطلحات . فصار ما يسمى بالوطن عبارة عن شعارات جوفاء ، وأغنيات في الأعياد ، واختراع إنجازات في الهواء . فمصطلح ” الوطن ” تم أدلجته لترسيخ حكم الطغاة، وشرعنة الفساد المتجذر، وإضفاء غطاء شرعي على عمليات استغلال الشعوب وسحقها لصالح الطبقات المتنفذة في ظل غياب العدالة الاجتماعية ، مِمَّا أدى إلى صناعة مجتمعات الكراهية والعنف وانعدام الثقة بين الحُكَّام والمحكومين . وهذه المجتمعات المُفرغة من المعنى ، والمُصابة بالشطط الطبقي ، تصنع عوالم اللاانتماء ، حيث يصير الأمين خائنًا ، والخائن أمينًا ، ويصبح ما يسمى بالدولة إسطبلًا لِعِلْية القوم الذين يذبحون الوطن باسم الوطن ، ويتاجرون بشعارات الوحدة الوطنية ، ودولةِ القانون والمؤسسات ، والتنمية الشاملة .
والنظام السياسي القمعي في أي مجتمع إنما يعمل من أجل تثبيت وجوده لا وجود الشعب ، وزيادة دخله لا زيادة دخل الشعب ، وتحسين مستواه وحماية أرصدته البنكية عن طريق توظيف المؤسسات الأمنية لقمع الشعب لا حمايته . وهكذا تتأسس الدولة البوليسية التي تفكر نِيابةً عن الشعب، وتتخذ قراراتها باسم الشعب، والشعب آخِر مَن يَعْلَم ! .

Related Articles

Back to top button