أحدث الأخبارالثقافة

سحر الشرق بين اخلاقيات ابناءه وتصورات الغرب الاستعمارية

مجلة تحليلات العصر الدولية

بقلم: محمد وناس

يعتقد ابن خلدون ان العمران هو صورة ورمز الحضارة الحقيقي . ومنه ينطلق في بناء رؤيته عن المجتمعات . وقد تبدوا هذه الفكرة واقعية ومتناسقة مع ما يقدمه الغرب اليوم من صور لمدن زاهية وشوارع نظيفة واسلوب حياة الفرد المشبعة بكل احتياجاته ومستوى رفاهية يتعدى احتياجاته .
ومن خلف كل هذا يحاول المفكر والسياسي الغربي ابراز الفكر اللاتيني واظهار المجتمعات الغربية على انها الوريث الناضج لما تركه الاغريق من اثر وفلسفة .
كل البهرجة والاضواء التي يسلطها الغرب على حضارته استطاع بطريقة او اخرى اغراء عقولنا وجعلنا نعيش في حالة من الشيزوفرانيا بين ما يقدمه لنا وبين ما نحمل نحن من ارث
حتى ما يسمى الفلسفة الاغريقية ما هي الى استنساخ لما انتجه الشرق قبل ان توجد اثينا او روما بالاف السنين
على طول طريق الحرير من اقصى سهول منغوليا . وحارات بكين و وهان , الى دلهي وكشمير وسمرقند وبخاري مرورا بشيراز واصفهان وبابل وبغداد والبصرة حتى دمشق والقدس وصنعاء والقاهرة . انبثقت اولى الحضارات . ورسمت اول معالم المعرفة البشرية . على طول هذا الممر العملاق رُسم اول حرف وفيه صُنع اول قلم وفيه اوجدت اول ورقة للكتابة وفية وضع كل الانبياء ركبهم ومن تراثه الفكري انطلقت كل الأيديولوجيات نحو الغرب .
من بين صراعات اعراق الشرق على طول طريق الحرير ولدت قوانين واخلاقيات واعراف وفلكلور وفنون احترمتها هذه الشعوب وحافظت عليها وتناقلتها جيل بعد جيل ثم اتت الاديان السماوية في هذه البقعة بالذات لتكمل المسيرة التي خطتها هذه الشعوب من تفاني في سبيل هذه المبادئ , ومازالت الى اليوم تشكل هذه الاخلاقيات والاعراف المرتكز الاساسي لبناء وهيكل هذه المجتمعات . وبدونها تكاد تصبح هذه المجتمعات خالية من اي اثر حضاري .وكل هذه الاشياء تندرج تحت مسى سحر الشرق . والذي سعى الغرب لحرف هذا المسمى ( سحر الشرق ) الى اتجاه منحرف كليا عن معناه الحقيقي من خلال الاعلام والسينما التي جعلت سحر الشرق مرتبط بالنساء والمجون والشعوذة وبعض الممارسات الطقسية الغريبة . قد يكون بسبب الخلفية المادية للمجتمع الغربي فيكون اظهاره لهذا الجانب بحكم ان المرء منجذب الى محيطة او قد يكون محاولة لتسويق الفكر الهامشي على ابناء الشرق مستغلا امكانياته التسويقية وقدرة الماكنة الإعلامية الغربية في الترويج لهذا الفكر المنسجم مع ثقافة الغرب ليتحول الشرق تدرجيا الى تابع .
حتى المسيحية ( الكاثوليكية ) في الغرب هي امتداد لنزوات الغرب المتأصلة وبعيده كل البعد عن روح المسيحية الشرقية ( الأرثدوكسية ) التي ولدت في ازقة الناصرة والقدس وترعرعت في دمشق واختلطت احكامها بأعراف وثقافة الشرق ,
لم تكن الكاثوليكية الا امتداد لنهج الرومان وقسوتهم المفرطة وشغفهم للولوغ بدماء اعداهم . وما قدمته الامبراطورية الاسبانية (الراعي الاول للكاثوليكية وذراعها ) في حملات اكتشاف امريكا الجنوبية من مجاز باسم التبشير للمسيحية والجرائم التي ارتكبت في حمى البث عن الذهب وعن الالدورادو ( المدينة ذات الجدران المبنية من الذهب ) حتى وصل الحال لان يقوم بالجنرال كورتيز بقتل مليون انسان في ليله واحده حرقا عند فتحه مدينة الأزتيكا ( نيو مكسيكو ) .
وما قامت به الامبراطورية البريطانية ومن بعدها الولايات المتحدة الوريث لها في امريكا الشمالية من جرائم ضد السكان الاصلين نموذج اخر
مجازر القرن العشرين بين الحرب الاولى والثانية ( 100 مليون قتيل ) دليل واضح جدا على دموية الغرب فكرا وتطبيقا .في المقابل يحاول المؤرخ الغربي او الباحث الغربي اظهار مجتمعات الشرق بصورة دموية وعدوانية تجعل المتابع يتصور ان ابناء الشرق خلقوا كالشياطين . بل ان الكثيرين منهم يعيد تدوير خطابات الحرب الاغريقية الفارسية قبل الفين عام , وحروب جنكيز خان ضد الامارات الكاثوليكية في اوربا الشرقية قبل الف عام ويعيد تسويقها اليوم فتجد جورج بوش بكل وقاحة عند دخول قواته للعراق يظهر على قنوات الاخبار ويعيد نص خطاب الاسكندر المقدوني ( ايها الساده لقد سقطت بابل ) ثم يتدارك في محاولة للإظهار نفسه متوهما فيقول ( عفوا سقطت بغداد ) .
الغرب المتسلح بالمال وأيديولوجيا الدم والحرب واعلام منزوع الاخلاق لا يعترف الا بسلطة المال استطاع بكل بساطة ان يجند بعض النماذج الشاذة من الشرق الاوسط ( داعش والقاعدة ) بعنوان الاسلام واظهارهم للعالم كنموذج لدموية الاسلام والشرق عموما .
الخلود عند ابناء الشرق يتعدى الحياة المادية ومكتسباتها , ليصبح مرتبط بأخلاقيات و تفاصيل كالشرف والارض والمعتقد وصلت الدم
في كل ثقافات ابناء الشرق ( الهند , الصين , اسيا الوسطى , ايران . العرب ) باختلاف اديانهم يعطون لهذه المبادئ اعتبارات سامية وكبيرة . تفوق حتى اعتبارات الحياة والموت قيمة , فالتضحية بالنفس من اجل هذه الاعتبارات من البديهيات في ثقافتهم وكثيرا ما يصبح الموت والحياة عندهم وجهان لعملة واحده في سبيل هذه الاساسيات .
في الجانب الاخر من الصورة النموذج الغربي الغارق في تفاهات المادية وصنمية المال . ويبحث في كلا الوسائل الممكنة لتسويق نموذجه للعالم . ليظهر لك شخص مثل دونالد ترامب امتلك كل وسائل القوة من مال وسلاح فحسب ان ما بين يديه من هذه القوة اهله ليكون وصي على شعوب الشرق يعلمهم اساسات العيش السليم تحت لواء الغرب الامريكي .او يهددهم بالحصار والموت اذا تخلوا عن ركبه

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية حول هذا المقال:

عن الكاتب

كاتب at العراق | + المقالات

موظف حكومي
العراق محافظه بابل - المحاويل
كاتب في المجال الاجتماعي والفلسفي

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق