العراق

سر الرغبة الامريكية في تنصيب المتخلفين قادة على شعوبهم

مجلة تحليلات العصر

صائب خليل
‏12-4-2020

تعليقاً على مقالة سابقة لي كتب أحد القراء: ألا تبالغ في تقدير خطر الكاظمي؟ انه شخصية ضعيفة وقليلة التعليم ولا يفهم شيئا.
الحقيقة هي ان المتخلف وضعيف الشخصية هو الأخطر بيد الأعداء. فلم يدمر مصر ويحولها من بلد يعتز اهله والعرب به، الى الحالة التي يرثى لها، شخص بقدر الأبله ضعيف الشخصية والمعقد نفسياً من لونه الشديد السمار أنور السادات!

الاحتلال لا يحتاج ذكياً حتى ان كان مطيعاً بل يحتاج الى من ينفذ الأوامر، وهم يتكفلون بكل التفاصيل التي ستحميه حتى يحين موعد التخلص منه.
بل ان الاحتلال يريد من جميع توابعه ان يتصرف بطاعة وبلا تفكير، كمن لا يعرف شيئاً حتى حين يكون ذكياً بشخصه.. فحين نصبوا العبادي الذي كان رفاقه حائرين به لشدة بلادته جعلوه يضع عادل عبد المهدي وزيراً للنفط. وعادل ليس غبياً على الإطلاق، لكنه عديم الخبرة تماماً بالنفط، لذلك ينتظر منه ان يتصرف كغبي في مجال عمله.
وحين قام بأول مهمة له بزيارة كردستان لم يصحب معه من وزارة النفط أي خبير بالنفط. فقد كانت مهمته واضحة وتعليماتها بسيطة: ان يوقع لكردستان على ورقة بيضاء ويعود في اليوم نفسه وهذه المهمة ينجزها من كان بليداً او جاهلاً، بكفاءة لا تقل عن غيره!
إذن مفهوم ان الذكاء والخبرة لا ضرورة لها بالنسبة للعميل، لكن ما قد يكون غير مفهوم، هو لماذا يكون التخلف الفكري والتعليمي عاملاً إضافياً تفضله اميركا في مرشحها؟
لماذا لا تختار رجالاً يطيعونها ويمكنهم ان يكونوا موضع احترام بالحد الأدنى من قبل شعبهم؟
لدينا امثلة كثيرة في التاريخ تشير الى ان الغباء (أو من يتصرف بغباء نتيجة مرض نفسي مثلا) صفة مفيدة جداً ومفضلة في المرشح لقيادة الشعوب، بالنسبة لمن يدير العالم من وراء الكواليس. ولا يشمل هذا شعوب العالم الثالث المستعمر فقط، مثل السادات ومبارك والسيسي في مصر، وآل سعود في المملكة التي وقت أكثر من غيرها تحت يدهم، وانما ايضاً لشعوبهم هم أيضا.
فنرى اختيار “ترومان” الذي تم بحملة احتيالات وتزوير وضغط قوية جداً ليخلف روزفلت بدلا من والاس في نهاية الحرب العالمية الثانية، لضمان شخص بليد يمكن ادارته من وراء الستار بسهولة. وكذلك الجهد الكبير، وكل الطرق اللاقانونية واللااخلاقية التي استعملت حتى في تأجيل تسليم محتجزي السفارة الأمريكية في طهران، من أجل ان يفوز ريغان برئاسة اميركا، بدلاً من الرئيس المثقف كارتر ثم لدينا بوش الإبن المتميز بالبلادة والضروري لإطلاق حرب احتلال العراق، واخيراً ترمب وكل إنجازاته العدوانية المتطرفة.
.
هناك ثلاث ميزات أساسية للمرشح الغبي:
الأول هو ان الغبي يكون ضعيف الخيال
بهذا يمكن لمن يقوده ان يقنعه أن يتخذ قرارات شديدة الوحشية والتدمير، ليوافق هذا عليها دون ان يدرك أو يتخيل نتائج عمله.
فالعميل عديم الاخلاق ولكن الذكي، قد يمتنع عن تدمير بلده مثلا او المخاطرة به، أو ارتكاب جريمة مهولة الوحشية بلا داع. فنرى كل من السادات ومبارك يحولان مصر الى دويلة ذليلة تابعة لإسرائيل تشاركها حصار غزة ومحاربة العرب والمصريين بشكل خاص، أما السيسي الأكثر بلادة من كليهما، فذهب ابعد من ذلك.
وفي اميركا كان غباء ترومان ضروريا لإكمال مشروع القنابل الذرية الذي هدد الوجود البشري على الأرض مرات عديدة، والقى قنابله على مدن اليابان التي كانت تسعى لتأمين استسلامها، ولمجرد تجربة السلاح الجديد عليهم وإرهاب السوفييت. كذلك نشر ريغان الكوارث على الكرة الأرضية وحول الثمانينات من القرن الماضي الى عقد دموي بامتياز، ، كما ان اقناع ترمب بالمواقف التي تضر بأميركا وتخدم إسرائيل، أو تلك التي تضع العالم على كف عفريت، لم يكن سيكون بنفس السهولة لو ان ترمب كان شخصاً له بعض الخيال، او يتصرف على هذا الأساس.
الفائدة الثانية لغباء المرشح هو انه لا يدرك مصلحته الشخصية جيداً
ولذلك فهو أقل اعتراضاً أكثر استعداداً لتنفيذ الأوامر من العميل الذكي. فالذكي يدرك ان مصلحته ليست متطابقة دائماً مع طاعة سيده، وان سيده قد تكون له مصلحة في اجندة تحطمه هو ايضاً.
وكان غبي مثل بوش الأبن مفيداً لإقناعه بشن الحرب على العراق وتعريض نفسه للمساءلة التي مازالت قائمة. كذلك كان غباء صدام حسين ضروريا لدفعه لتحطيم نفسه بشن الحرب على إيران ثم اجتياح الكويت.
الفائدة الثالثة للعميل الغبي هي إمكانية استخدامه لإهانة شعبه واصابته بالإحباط وبث روح الهزيمة.
فمثلما يمكن للبطل أن يرفع من معنويات الشعب ويدفعهم الى الشعور بالكرامة ورفض الهيمنة الأجنبية المهينة، فأن صورة الرئيس الذليل يمكنها ان تلعب دوراً معاكساً تماما، وتشجع الناس على الاستسلام لأنها تؤكد ان الوضع ميؤوس منه تماما. فنلاحظ مثلا ان وسائل التواصل الاجتماعي تحظر حسابك إن اشرت الى ابطال المقاومة، لكن منشورك قد يحصل على ترويج إضافي ان امتدحت السيسي مثلا. فصورة الأبطال يجب ان تمحى من الذاكرة وتحل محلها الصورة المشجعة على الاستسلام. فهذا يخلق قطيعاً أسهل انقياداً، وهو يسير الى المسلخ المعد له.
.
ترمب مثال ممتاز على هذا المبدأ وهو يضرب عصفورين بحجر.
فهو من ناحية يشعر الأمريكي (المثقف بشكل خاص) بالمهانة الشديدة ان يرأسه مثل هذا الكائن القبيح التخلف (ونفس الأمر بالنسبة لبوريس في بريطانيا). ومن الناحية الأخرى يتبع ترمب أسلوبا لنشر الإهانة لكل الشعوب الأخرى وتكشف لها ان قادتها اتباع ذليلين لأميركا، فتوحي لهم ان يرضوا بهذا الحال.
ويمكننا ان نراجع تصريحات ترمب أو تصرفاته بالنسبة للعراق او مقابلاته وحديثه مع العائلة المالكة السعودية لنرى ان المهانة تبدو غير طبيعية ومصطنعة في حدتها ولا تخدم الأهداف المباشرة للدبلوماسية الامريكية.
خير مثال يؤكد ان هذا يجري بشكل متعمد ومدروس هو الصورة التي التقطت في أميركا لوفد حكومة العبادي الذي تم تنصيبه بمؤامرة أمريكية، وكان ترمب فيها جالساً ويحيطه العبادي ووزرائه مع بعض موظفي البيت الأبيض، ليوحي للعراقي بأن حكومته ليسوا سوى موظفين في البيت الأبيض، ويدفع به إلى اليأس.
وقبل هذا الحدث ربما تذكرون تسجيل لفيديو في قاعة في البيت الأبيض جمع فيها أوباما العبادي ووفداً عراقياً مع ساسة دول أخرى. وجاء العبادي ليجلس قرب أوباما الذي كان يتحدث مع سياسية أوروبية وكان واضحاً ان العبادي كان يأمل ان يلتفت أوباما اليه، دون جدوى. وقد قام البيت الأبيض بنشر هذا الفيديو مما يمثل إهانة دبلوماسية لا يمكن أن يخطئها المرء.
هذه الحركات لم تكن عفوية والصورة التي تحدثنا عنها لم تكن خطأً دبلوماسياً، لأن نفس الصورة بالضبط كانت قد التقطت للسيسي وحكومته مع ترمب قبل فترة قصيرة.
كذلك فأن الإعلامي معتز مطر، وهو اعلامي مأجور متخصص تقريباً في تركيز الإذلال والإحساس بالنقص لدى الشعب المصري والعربي (بحجة الحرص على مصلحته كالعادة) كان قد أنتج برنامجاً ممتاز الأعداد لتثبيت هذه الصورة المهينة في أذهان المصريين (خشية ان تكون رؤيتها فاتت احداً ولم تحقق تأثيرها فيه) وتأكيد عنصر الإذلال فيها بشدة وبمقارنات عبقرية مع قادة اخرين، بحيث لا يمكن تلافي الإحساس بالدونية، وبقوة لا يمكن للذاكرة المصرية نسيانها. ولم تكن المرة الوحيدة، ففي لقاء اخر يمتدح ترمب حذاء السيسي، وكأنه يقول له: لا شيء فيك يثير اهتمامي أكثر من حذائك!
القائد المتخلف مهانة متحركة لوحده حتى دون صور وإهانات. ولطالما تساءلت عن شعور المهانة الذي لا بد ان يحسه السعودي، وهو يرى ملكه يتأتئ ويتعثر بأبسط الكلمات، في خطبة لا بد انه قد تدرب عليها طويلاً. والآن جاء دور الشعب العراقي ليحصل على رئيس الحكومة الأكثر غباءاً وتوحشاً وطاعة للأجندة الامريكية المسيرة من تل ابيب، وحان الوقت لدفع لتأثير صورة العبادي المهينة خطوة أخرى وصولاً الى مهانة ملوك السعودية العاجزين عن فك الخط!
حين قدموا محمد علاوي أوضحت رأيي بأنه جاء ببرنامج اقتصادي لا يختلف عن عبد المهدي لتدمير العراق ووضعه تحت رحمة الديون الى الأبد، لكني كتبت أني أؤيد ترشيحه رغم ذلك لأننا في وضع صعب، ولأنه على الأقل شخص لا يعتبر مهيناً للبلاد، مقارنة بفائق الشيخ علي او من تلاهما: الزرفي والكاظمي، ولم يكن علاوي غبياً، لذلك يمكن أن نأمل أنه قد يتوقف عند حدود معينة في تدمير البلاد ونفسه. أما الآن فهذه أكبر الكوارث الممكنة على البلد.
.
لتوضيح خطورة الموقف يجب ان نتذكر أن رجال المخابرات والأمن في اية دولة هم دائماً تقريباً من أبشع ما في الدولة واكثرهم امراضاً نفسية، وهم في الغالب اشبه بالوحوش البشرية ولأسباب مفهومة.
والخطورة هنا أن هذا الوحش الأمريكي يأتي بطريقة لها “شكل ديمقراطي” دستوري مثل من سبقه، رغم انها ليست دستورية على الإطلاق.
والخطورة في هذا أن العراق لن يستطيع ان يتملص من أية اتفاقية او تعهد يوقعه هذا الرجل باسم الشعب العراقي (حتى لو كانت حكومته موقتة وحتى لو لم يعرض الاتفاقية على مجلس النواب كما يشترط الدستور).
فلا يمكننا ان نحتج على اتفاقياته او ديونه مثلما فعلنا على تلك التي وقعها صدام، باعتباره دكتاتورا غير مخول من قبل الشعب، او تحت ضغط باعتباره كان خاسر حرب. هنا سيبدو الشعب العراقي نفسه قد وافق على تلك الكوارث، ولا مفر من تنفيذها، وتقديري ان ذلك سيعني ضمن كوارث أخرى، ان النفط العراقي الذي تحت الأرض سيتم بيعه وتحويل ثمنه الى الخارج او لتثبيت الفساد.
.
إن نوع المرشح وخبرته العملية، يكشف نوع الهدف من ترشيحه، فعندما أرسل الامريكان بريمر، اختاروا أحد اشد تلامذة كيسنجر وحشية، وعندما عينوا اول سفير لهم في العراق، لم يختاروا شخصاً خبيراً في بناء البلدان، بل اختاروا نيكروبونتي، الوحش الذي اكتسب خبرته في بناء الإرهاب في اميركا الجنوبية والذي كان الناشطون يطاردونه بالبيض الفاسد حيثما حل، واختاروا “ستيل”، الوحش المدان بالتعذيب في اميركا الجنوبية، اختاروه لإنشاء جهاز الشرطة والأمن العراقيين.
أما الكاظمي، فقد نشرت قبل ساعة ملاحظات على خطاب تكليفه تبين أن الرجل متخلف التعليم والذكاء(1)، فما الذي تهدف اليه اميركا من ترشيح “شرطي المخابرات” منخفض التعليم هذا لقيادة العراق؟
يمكننا على هذا السياق ان نفهم ما هو الهدف من اختيار الزرفي الخبير في الحرب على مقاومي الامريكان او الكاظمي المتهم باغتيال قادة المقاومين، إضافة الى تهريب الأرشيف العراقي لرئاسة العراق.
من الواضح انهم لا يبحثون عن شخص يمكن الادعاء حتى كذباً بأنه يمكن ان يساعد بإنقاذ العراق اقتصادياً او يفكر بتخليصه من شبكة الديون او التدمير الممنهج الذي تم لصناعته وزراعته، او الانهيار في مستوى التعليم ونسبة البطالة فيه، بل شخص مناسب لتوقيع اتفاقات جديدة تعرض اليوم على العراق، لا يعلم الا الله حجمها وكوارثها.
وفي هذا الصدد يبدو ان الامريكان يتوقعون معارضة لتنصيب الكاظمي او لإجراءاته واتفاقاته بعد التنصيب فهم، وعلى غير العادة قاموا في المرة الأخيرة بتمديد اعفاء العراق من المقاطعة الامريكية للغاز الإيراني لمدة شهر واحد هذه المرة، وكانت سابقاً 4 أشهر، مما يتيح لهم الضغط على العراق إن هو حاول عرقلة الاجندة المعدة له.

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون أيضاً المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى