أحدث الأخبارشؤون حربية

صراع الأيديولوجيات ما قبل الحرب العالمية الثالثة.

بقلم: تمارا حداد.
العصر-النظام العالمي الحالي مبني على النظرية “الرأسمالية” أو “الليبرالية” أو “النيوليبرالية” وهدفها الأساسي هو ترسيخ الفكرة الإمبريالية وترسيخ لغة السيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها من خلال إضعافها، وهذه النظرية جاءت بعد فشل النظرية الشيوعية الاشتراكية والنازية والقومية، والنظرية الرأسمالية “الليبرالية” رسخت النظام الدولي ذو القطب الواحد يترأسه “الولايات المتحدة”، فالمذهب الفردي “الليبرالي” يقوم على تمجيد الفرد واعتباره محور النظام السياسي وبالتالي الدولة والسلطة ما هي إلا أداة لخدمة وتحقيق مصالحه وضمان حرياته، وهدف الجماعة منصباً على إسعاد الفرد وإطلاق حرياته، ومن هنا فإن نشاط السلطة الحاكمة في أضيق الحدود والميادين حتى يدع الفرد أوسع المجالات لمباشرة نشاطه دون الإحاطة بمصالح الكل الجمعي، والمذهب الفردي يتناقض مع الديمقراطية وعاجز عن حماية حقوق الأفراد ويؤدي إلى الإحتكارات الإقتصادية لذلك يؤدي إلى ازدياد الفقر والبطالة وزيادة فوراق الطبقات.
والنظرية “الليبرالية” جاءت ضمن سياق التدخل ونزع السيادة عن الدول الضعيفة والفاشلة والمضطربة بحيث يتولى حكمها المجتمع الدولي ضمن مفهوم “السيادة المشتركة” والتدخل إما عن طريق التدخل العسكري وهذا ما شهدناه في حرب العراق وأفغانستان أو التدخل بحجة بناء الدولة وتقديم المساعدات عبر المنظمات الدولية ووكالات الغوث ومجتمع الدول المانحة يشبه دورها بدور المبشرين المسيحيين إبان المرحلة الاستعمارية القديمة.


ولكن هذه النظرية لم تعد قائمة وأثبتت فشلها وهذه بشهادة العالم والفيلسوف الأمريكي “فرانسيس فوكوياما” والذي أشار إلى أن النظرية “الليبرالية” لم تعد ناجحة وظهر فشلها تحديداً بعد جائحة كورونا بحيث زاد الفساد والفقر والمحاباة واستغلال النفوذ ولم تعد ناجحة أمام تشكيلة النظام الدولي الجديد والذي بدأ يرتسم بنظام متعدد الأقطاب بالرغم أن “فوكوياما” أحد العلماء الذين وضعوا نظرية الليبرالية والتي تحدثت عن الانفتاح العالمي ضمن سياق الرأسمال وأشار إلى أن أمريكا تواجه خطراً على وجودها بسبب الاستمرار في هذه النظرية السياسية “الليبرالية” أو “النيوليبرالية” التحررية.
وجاءت “الليبرالية” التي ثبُت فشلها بعد الأيديولوجيات الأخرى والتي أيضاً فشلت مثل الايديولوجية “الاشتراكية” جاءت بعد كساد 1929 وشيوع الفقر فهي فكر ماركسي سياسي وإجتماعي يقوم على إلغاء الملكية الفردية لأموال الإنتاج وجعلها ملكاً خاصاً للدولة بحيث يتدخل بالأنشطة الإقتصادية، ويهدف القضاء على النظام الرأسمالي ونظام الطبقات بتملك الدولة لوسائل الإنتاج ودفع البروليتاريا إلى الإستيلاء على السلطة، والمذهب الاشتراكي له مبادئ وهي أن الدولة تسيطر على وسائل الإنتاج وشبه الديمقراطية الغربية بالطبقية، وأن السلطة جماعية وليس فردية، واعتبر أن الحريات لا تطبق إلا بنظام اقتصادي واجتماعي يضمن المساواة ضمن دكتاتورية البروليتاريا كهدف للسيطرة على وسائل الإنتاج من قبل الدولة، ولكن تم نقدها وهو سبب فشلها على أن استبدال الإستغلال العام “الدولة” بالإستغلال الخاص قد يكون أشد قسوة وإنتهاكاً لحقوق الفرد وحريات الأفراد خاصة فيما يتعلق بإلغاء حق الملكية والذي يتعارض مع ميل الإنسان لتملك ثمرة عمله.
أما “الليبرالية الجديدة” رسخت النظام العالمي الجديد الذي يتخطى السيادة الوطنية ويُبيح للغرب الإستيلاء على حكم الدول النامية لأسباب أمنية وإنسانية تتجاوز السيادة الوطنية تحت ذريعة حقوق الإنسان، والحقيقة أن نظام “الليبرالي الجديد” والذي أساسه رؤية أمريكية ملامحه التغيير في قواعد إدارة العلاقات الدولية وإعادة تغيير الأنظمة الحالية أو التجمعات إلى حالة جديدة تُكرس أُحادية القطب الأمريكي والسيطرة على العالم والنظام الدولي، وهدفه إعادة تشكيل نظام عالمي أمني يتماشى مع المبادئ والمصالح الأمريكية من خلال التوسع في بناء القواعد العسكرية والتدخل العسكري في كل مكان ليس من مفهوم البدء بالحروب أو الردع بل من مفهوم العمل الوقائي والتجهز لحروب إستباقية إذا لزم الأمر.




بعد فشلها أصبح المفكرون الغرب يبحثون عن نظرية تُلبي طموحاتهم بالسيطرة على العالم من خلال ترسيخ الفكر الرأسمالي ولكن بصيغة جديدة لذلك بدأ الامريكان من خلال وحدة السياسة الخارجية بنشر فكرة “الديانة الابراهيمية” في منطقة الشرق الاوسط كنظرية جديدة فهم يعتبرون أن العرب هم بالفطرة متدينون بغض النظر عن الوعي الحقيقي وباعتقادهم أنها ستنجح، وفكرة نظرية الديانة الابراهيمية وهي ذات النظرية الليبرالية الجديدة ولكن بوجهة مغلفة بالدين لكن هدفها الأساسي هو تعزيز النظام الرأسمالي وترسيخ فكرة الهيمنة والسيطرة وتسعى “الديانة الابراهيمية” إلى تفوق جنس على جنس وإظهار التمييز والعنصرية.
جاءت “الديانة الإبراهيمية” لتنافس “النظرية الرابعة” وهي “الأوراسية” ومفكرها “الكسندر دوغين” العقل السياسي للرئيس الروسي “بوتين” ودوغين عالم وفيلسوف روسي مناهض للهيمنة الإمبريالية ولقيم الليبرالية الجديدة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية التي يحاول الغرب فرضها على العالم، وضع دوغين مبادئ النظرية الأوراسية لإجهاض كافة النظريات الأخرى مثل الاشتراكية والشيوعية والقومية والرأسمالية والليبرالية “والنيوليبرالية” وحتى الديانة الابراهيمية ودعا إلى تشكيل فضاء جيوسياسي مكون من قارتين “الاوروبية والآسيوية” تكون روسيا المحور المركزي لحضارة أوراسية جديدة لمواجهة القيم الغربية، وإنشاء اتحاد أوروبي آسيوي واحياء فكرة الاتحاد السوفياتي لكن بشكل أوسع ضمن (اتحاد أوراسي آسيوي) عن طريق تغيير الايديولوجية الشيوعية التي كانت بفترة الاتحاد السوفياتي إلى الايديولوجية الأوروآسيوية.
النظرية الأوراسية تؤمن بالتعددية القطبية بمعنى وجود أكثر من مركز دولي لصنع القرار وإنهاء السيطرة القطبية ذو الرأس الواحد بل تؤمن بوجود الأقطاب المختلفة من الدول لتحقيق العدالة في العالم، فالاوراسية ضد الشوفانية الدينية أو التعصب الديني أو الحزبي بل إيمان بعدالة تُحقق رفع الظلم الحاصل بوجود النظام ذو القطب الواحد.
وتهدف النظرية الأوراسية إلى “تصفير الاستعمار” بحيث الغاء أي نظرية سابقة مثل الليبرالية والقومية والماركسية كون منشأها غربي والغرب معني بتغيير الثقافة من جذورها من خلال الاعلام الغربي والمعتقدات كما حصل في اليمن وليبيا والعراق وغيرها، لذا فالنظرية الرابعة تُعادي الرأسمالية” الليبرالية” كون قيمها في الوقت الحالي لا تتناسب مع طبيعة التكوين البشري أمام التطور الحاصل في التكنولوجيا وظهور عصر الذكاء الاصطناعي، فدوغين لا يؤيد فكرة الاهتمام بذات الفرد دون الكل المحيط به بل لكل فرد حرية المعتقد دون إيذاء الآخرين لذلك تم قتل ابنة “دوغين” قبل عدة أيام بسبب الأيديولوجية التي تناهض القطب الواحد وعلى ما يبدو أنه كان المستهدف من حادث الاغتيال المؤسف لابنته.




“دوغين” يدافع عن الحضارة الروسية كما يدافع عن الحضارة الاسلامية والصينية ويعتبر أن تلك الحضارات من حق إحياؤها مع عملية تكاملها لمنفعة البشرية جمعاء وليست كنظام الراسمالية الذي يهتم بإبادة البشر من اجل الفرد، والنظرية تهتم بحماية الوجود ومن مبادئها حق الجميع الشراكة والحياة بوجود عالم أكثر عدالة وانصاف للبشرية وبعض الدول انحازوا لتلك النظرية مثل الصين وإيران وتركيا والهند وبعض دول أوروبا الشرقية وبعض دول الخليج.
ان ما يحدث في الوقت الحالي هو صراع الايديولوجيات بين “الرأسمالية المتوحشة” و”النظرية الرابعة الاوراسية” التي جاءت لمواجهة التطرف الديني، ولكن أين الوجود العربي في ظل هذا الصراع؟
إن أبرز ما يميز أنظمة الدول النامية هو التناقض الصارخ بين ما تطرحه الدولة ممثلة بنظامها السياسي والممارسات اليومية لأجهزتها الداخلية وهذا التناقض بسبب إفتقادها لقاعدة أيديولوجية تمثل الأساس الذي تبني عليه أنظمتها.
لا بد أن تعي الأمة العربية ان النظام الدولي المتعدد الاقطاب هو ذو فائدة لها ولكن عليها ان تبحث عن نظرية تربط الامة العربية ببعضها من خلال “النظرية الجديدة عالمية الاسلام” او “الاسلام العربي العالمي” وهو مختلف كلياً عن ما يسمى “بالاسلام السياسي” الذي دمر الدول العربية واصبحت دولاً ضعيفة وفاشلة لا تستطيع النهوض، لذا عملية ربط الامة العربية بنظرية ترفعهم وتأسيس الاقتصاد السياسي الاسلامي ضمن تعدد الأديان واحترامها من خلال اقتصاد متزن، وترسيخ استراتيجية اقتصادية عربية موحدة عبر منظومة ذكية وتقديم شكلاً مستحدثاً من أشكال الوحدة الاقتصادية العربية لمواجهة التكتلات العالمية ذات النزعة المتوحشة والصراع القائم بين الاوراسية والليبرالية الحديثة هو فرصة لتتوحد الجهود العربية وفق آليات عصرية هدفها نهضة الشعوب، بعكس الديانة الابراهيمية والتي أساسها تخدير الشعوب ومصادرة مصالحها من خلال التفوق الرأسمالي وسيطرة القوي على الضعيف.

Related Articles

Back to top button