أحدث الأخبارفلسطينمحور المقاومة

صفقة تبادل أسرى بين حكومة “بينيت” والمقاومة .. الفرص والتحديات

مجلة تحليلات العصر الدولية - ولاء أبو عصب

لم تتوصل “إسرائيل” على مدار أكثر من ست سنوات إلى صفقة تبادل أسرى مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، تخللتها محاولات من الجانبين لتحريك الملف وإتمامه، لكن هذه المحاولات فشلت أمام إصرار الطرفين على شروطهما، قبل أن تتجدد المحاولات وتعود “محادثات الصفقة” إلى الواجهة بعد تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة برئاسة نفتالي بينيت، وفشل رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو في هذه المهمّة.

بدأت المحادثات بين حكومة بينيت وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بوساطة مصرية، في القاهرة، فور إعلان وقف إطلاق النار بين الجانبين، في أيار/مايو 2021، كشرط لقبولها، رغم أن “إسرائيل” ربطت قضية الأسرى بإعادة الإعمار والهدوء في قطاع غزة، ودعت إلى اجتماع أمني مصغّر؛ للبحث في سبل إتمام الصفقة، ودراسة آلية تنفيذها، والنتائج والآثار المترتبة عليها.

وتبدي إسرائيل اهتمامًا كبيرًا بهذا الملف، إذ زار وفد إسرائيلي يحمل وجهة نظر الحكومة الجديدة، العاصمة المصرية ثلاث مرات؛ للدخول في مفاوضات غير مباشرة مع حركة حماس، ومناقشة شروط الطرفين. وتفيد مصادر ووسائل إعلام عبرية أن التفاوض الأخير وُصف بالمرحلة الاستكشافية، بما يشبه الجولة التي عقدت في القاهرة في العام 2011، وجرى خلالها التوصل إلى “صفقة وفاء الأحرار”.[1]

تواجه جهود التوصّل إلى صفقة جديدة صعوبات عدّة، منها الرفض الإسرائيلي لمطالب حركة حماس بإطلاق سراح الأسرى من ذوي المحكومات العالية، والإصرار على ربط الصفقة بالمسار الإنساني في قطاع غزة.وعمليًا، فإن الطرفين لم يتوصّلا إلى أي نتائج حتى الآن، وأي تقدّم في الصفقة سيكون مرتبطًا بموقف حكومة بينيت، التي ستمنح نفسها غالبًا فرصة لتجديد المحاولات مع المقاومة الفلسطينية عبر الوسطاء، لإظهار اهتمامها بإعادة الجنود الأسرى الإسرائيليين، وأنها مهمة على سلّم أولوياتها، والتحلّل من الضغط الداخلي الناتج عن هذا الملف، إلى جانب استمرار حالة الهدوء مع غزة، الذي يعدّ بنظرها “فتيل انفجار” يهدد بتفكك الائتلاف الإسرائيلي.

معركة أمنية ممتدة

مثّل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام 2014 تاريخًا جديدًا لانطلاق معركة أمنية بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، بإعلان الأخيرة، وتحديدًا كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح المسلّح لحركة حماس، أسر أربعة جنود إسرائيليين على محطات عدة خلال أيام العدوان، وبقيت قضيتهم طيّ الكتمان فترة زمنية، وتتالت اتهامات عوائلهم لنتنياهو “بإهدار الفرصة”؛ تهربًا من المسؤولية الوطنية. [2]

وكشف نتنياهو في آذار/مارس 2016 عن جهود لحل قضية جنوده الأسرى، وبعدها بأيام عرضت كتائب القسام صورًا للجنود الأربعة كوسيلة ضغط على حكومة الاحتلال، وإشعال الفتيل بين الحكومة وأهالي الجنود، ثم أثارت الكتائب قضية الجندي شاؤول أرون بعد مضي ثلاث سنوات على أسره، عندما نشرت صورة كعكة عيد ميلاد كدلالة على أنه حي، رغم إصرار جيش الاحتلال على أنه قتل في العملية العسكرية، ونتج عن هذا التكتيك اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، مطلع العام 2017، بحث خلاله ولأوّل مرة قضية الجنود الأسرى في القطاع، وأوصى حينها بتشديد شروط سجن أسرى “حماس”، وإعادة اعتقال محرري صفقة وفاء الأحرار. [3]

ترفض حركة حماس منذ ذلك التاريخ كل العروض الإسرائيلية للتوصل إلى صفقة جديدة، وتعلّل ذلك بأن “الصيغة والأعداد لا ترقى إلى الحدّ الأدنى من مطالبها، وهي احترام اتفاقية التبادل التي تمت في العام 2011”.[4]

لماذا فشل نتنياهو؟

رغم نجاح نتنياهو وحكومته في إتمام “صفقة وفاء الأحرار” في العام 2011، والإفراج عن 1027 معتقلًا فلسطينيًا من السجون الإسرائيلية، إلا أن الدوائر السياسية اعتبرته انتصارًا للفلسطينيين ولحركة حماس، ووجهوا اتهامات لنتنياهو بتحقيق مكاسب سياسية خاصة.[5]

ومثّل هذا الأمر عاملًا طاردًا لرغبة نتنياهو في إتمام صفقة جديدة، تحت ضغط الرأي العام الإسرائيلي والأحزاب السياسية، وعدم منح “حماس” إنجازًا للمرّة الثانية، فضلًا عن أن شروط الحركة بالإفراج عن أسرى صفقة “وفاء الأحرار” قبل أي تفاوض في الصفقة الجديدة، يعدّ في نظر نتنياهو تنازلًا سياسيًا لا يقبل تكراره.

كما أثر فقدان نتنياهو لمصداقيته، في ضوء ملفات شبهات الفساد، على قدرته في حسم ملف الجنود الأسرى، وهو ما حصل على نتيجته بفشله في تشكيل الحكومة[6]، إضافة إلى أن اعتماد حكومته السابقة على سياسة تشديد الحصار على غزة؛ من أجل الضغط على “حماس” في ملف الجنود، وربطه بالملف الإنساني، أضفى مزيدًا من التعقيد على الملف.

حكومة بينيت والبحث عن رصيد

ركزت حكومة بينيت اهتمامها على قضية الجنود الأسرى، فأرسلت وفدًا إلى القاهرة، في حزيران/يونيو 2021 لاستكمال الحديث عن صفقة جديدة[7]، ومن ثم أرسلت، بعد أيام، وفدًا آخر، إلى شرم الشيخ، يضم ممثلين عن وزارة المخابرات و”الأمن الوطني”، وأجهزة أمنية أخرى.[8]

وفي نهاية الشهر ذاته، صرّحت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن وفدًا إسرائيليًا رفيع المستوى يزور مصر حاليًا، برئاسة يارون بلوم، منسق شؤون الأسرى والمفقودين، ونمرود غاز، المسؤول الكبير في مجلس الأمن القومي[9]، وتلت تلك الزيارة، زيارة أخرى لوفد في آب/أغسطس، ضمّ مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، وخلفه إيال حولتا، إضافة إلى مسؤولين آخرين، وأجرى الوفد لقاء سريًا مع مسؤولين في جهاز المخابرات المصرية.[10]

لم تعلن أي من أطراف التفاوض أي تفاصيل عن المباحثات الجارية، التي قد تكون في مراحلها الاستكشافية، والتي لا تعني بالضرورة التغلب على التعقيدات القائمة في الملف. وهذا يطرح تساؤلًا حول قدرة حكومة بينيت على تجاوز هذه التعقيدات، وتقديم طرح يستطيع التوفيق فيه بين تحقيق إنجاز وعدم تقديم تنازلات تمسّ بصورة حكومته، في ظل وجود معارضة إسرائيلية بقيادة نتنياهو، التي قد تستخدم الملف لابتزاز الحكومة الجديدة واتهامها بالرضوخ “للإرهاب”، وفي ظل وجود اليمين الصهيوني الذي يتبنى موقفًا متشددًا من التعامل مع المقاومة الفلسطينية في هذا الملف.

إمكانية إتمام الصفقة

طرأت العديد من المتغيرات التي سيطال تأثيرها ملف الجنود الأسرى، وفي ضوئها قد تتحدد إمكانية إتمام صفقة تبادل جديدة من عدمه، ومن أبرزها:

أولًا: انتهاء حكم نتنياهو وتولّي حكومة إسرائيلية جديدة

قد ينهي انتهاء رئاسة نتنياهو للحكومة الإسرائيلية الجمود الحاصل في ملف الأسرى، ويتخلّص من أي اعتبارات سياسية أو شخصية كانت تتعلّق بنتنياهو بشأن أي صفقة جديدة، إضافة إلى أن الحكومة الجديدة قررت تغيير آلية التعامل مع ملفات غزة، فيما يتعلق بملف الحصار، وحركة المعابر، وأموال الإعمار، والمعونات الإغاثية، والحفاظ على الهدوء[11]، ويدعم ذلك الحراك الحاصل في الملف، عبر الزيارات التي تجريها وفود أمنية إسرائيلية إلى القاهرة لذات الشأن.

ثانيًا: إدارة أميركية جديدة برؤية مختلفة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

تسود تخوفات لدى إدارة الرئيس جو بايدن من أي تصعيد محتمل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لذلك تحتفظ برؤية مغايرة لرؤية إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، تعتمد على تخفيف حدّة الصراع، وظهر ذلك في موقفها من خطة الضم الإسرائيلي، إذ طلبت الإدارة توضيحات من مكتب بينيت، للتأكد من أنه لا ينوي تنفيذ الخطة[12]، بالإضافة إلى رفضها خطة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع قطاع غزة، القائمة على ربط عملية إعادة الإعمار بإنجاز صفقة تبادل الأسرى، فقد حرص أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، على ألا ترتبط القضايا الإنسانية الأساسية لغزة بعودة الجنود.[13] وهذا الموقف يخدم مطالب الفصل بين المسارين السياسي والإنساني، الذي كان في وقت سابق أحد الأسباب الأساسية في تعطّل مباحثات الصفقة، وجمودها لفترة طويلة.

ثالثًا: دور مصري نشط بعد معركة “سيف القدس”

تلعب مصر دورًا سياسيًا مهمًا ورئيسيًا في القضية الفلسطينية، وقد نشط هذا الدور بشكل بارز بعد معركة “سيف القدس” في أيار/مايو 2021، في ضوء حاجة القاهرة إلى تنشيط دورها الإقليمي وعودتها إلى صدارة المنطقة، إلى جانب كونها الوسيط الأساسي في ملف الأسرى، خصوصًا أن الحديث عن صفقة تبادل أسرى بوساطة مصرية بدأ في أيلول/سبتمبر 2020، بعد زيارة وفد أمني مصري إلى القطاع، وهذا ما أكده إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بقوله “إن مصر تعمل كوسيط بين الطرفين؛ للتوصّل إلى اتفاق جديد لتبادل الأسرى”.[14] ويمثل نجاح أي صفقة تبادل جديدة إضافة كبيرة لمصر في جوانب القوة والتأثير في القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، نقلًا عن مسؤول إسرائيلي كبير، قوله إن المصريين مهتمون بصفقة التبادل، وأن الدور المصري في تحقيق وقف إطلاق النار جعل للقاهرة رصيدًا في نظر الإدارة الأميركية، وهذا يعد عاملًا أساسيًا في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة وإنجازًا كبيرًا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.[15]

رابعًا: ضغط حركة حماس ورغبتها في إتمام صفقة تبادل

شهد العام الأخير مواقف ومبادرات لدى “حماس” تُظهر رغبتها المتزايدة بإتمام صفقة تبادل، والاستفادة من المتغيرات الجديدة بما يخدم إستراتيجيتها، مع ثباتها على مسألة الفصل بين القضايا الحياتية لغزة وصفقة الأسرى، وبدا ذلك في المبادرة التي طرحها يحيى السنوار، رئيس الحركة بغزة، خلال أزمة كورونا، إضافة إلى نشر كتائب القسام لأوّل مرة، في حزيران/يونيو 2021، تسجيلًا صوتيًا منسوبًا لأحد الجنود الأسرى، ضمن برنامج وثائقي عبر قناة “الجزيرة” القطرية، دون الإفصاح عن هوية الجندي، وصولًا إلى إعلانها في 11 أيلول/سبتمبر بأن صفقة التبادل المقبلة ستشمل الأسرى الذين انتزعوا حريتهم من سجن “جلبوع”.

وفي هذا السياق، كشف زاهر جبارين، نائب رئيس “حماس” في الضفة، خلال لقاء صحفي، يوم 7 أيلول/سبتمبر 2021، عن أن مفاوضات الصفقة مستمرة، وأن مصر تدفع صوب إنجازها، مشددًا على أن إطلاق سراح الأسرى يشكل إستراتيجية عمل واقعية وعملية لدى المقاومة.[16]

خامسًا: ضغط أكبر من عائلات الجنود والرهان على بينيت

فقد أهالي الجنود الإسرائيليين الأسرى الأمل في الإفراج عن أبنائهم في ظل حكومة نتنياهو بسبب مماطلته، وجددوا مطالبهم في ظل الحكومة الجديدة، مع ضغط أكبر لتحقيق الهدف بإتمام الصفقة، حيث التقى بينيت بعائلة الجندي شاؤول في إطار لقاءات دورية يعقدها مع عائلات الأسرى؛ بغرض اطلاعهم على آخر المستجدات، وأكد التزامه الشخصي بـ”إعادة المحتجزين” في قطاع غزة.[17]

عقبات إتمام الصفقة

تمثل المتغيرات أعلاه دافعًا باتجاه تحريك مباحثات الصفقة، لكنها لا تعني بالضرورة قدرتها على مواجهة عقبات تعترض طريق إتمامها، وأبرزها:

اليمين الصهيوني الذي يتبنى موقفًا متشددًا من التعامل مع المقاومة الفلسطينية في هذا الملف[18]، في ظل وجود معارضة قوية بقيادة نتنياهو، التي قد تستخدم الملف لابتزاز حكومة بينيت، واتهامها بالرضوخ “للإرهاب”.

رفض حكومة بينيت مطالب “حماس” بالإفراج المسبق عن أسرى صفقة “وفاء الأحرار”. وهذا الثمن الكبير باعتباره مقدّمة أي صفقة جديدة، سيضع الحكومة في مأزق أمام الرأي العام الإسرائيلي.

هشاشة الائتلاف الإسرائيلي الجديد الذي قد لا يسمح في المراحل النهائية بإتمام أي صفقة تبادل جديدة مع المقاومة، تحت ضغط “النزعة اليمينية” التي تتسم بها غالبية أحزابه.[19]

خاتمة

يظهر أن فرص إتمام صفقة تبادل جديدة بين حكومة بينيت والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة تزداد في ضوء المتغيرات الجديدة، لكنها بالتأكيد لن تكون مهمّة سهلة، إذ يرتبط تسجيل أي تقدّم فيها بتنازلات تقدّمها “إسرائيل”، ومدى قدرة الوسيط المصري على دفع حركة حماس لإبداء مرونة أكبر في الملف.

وتسود حالة ترقب إلى ما ستؤول إليه الأمور، فالنتائج ستسجل مرحلة سياسية جديدة لحكومة بينيت، الذي يصرّ على إعادة الجنود الأسرى، ويعدّ المهمة إنجازًا لحكومته، وإحدى أولوياته، في مقابل حاجة حركة حماس لإنهاء الملف، وبالتالي فإن أهداف كلا الطرفين تنصب في إتمام الصفقة، إلا أنها تقف عند التفاصيل، وهنا يأتي دور الوساطة المصرية في تقريب المطالب وإنضاج الصفقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى