أحدث الأخبارالعراقمحور المقاومة

عن التيّه السياسي في شعار “لا شرقية ولا غربية”

مجلة تحليلات العصر الدولية - سلام عادل

دخل العراق منذ 19 سنة في حالة تيّه بين القارات ‪و‬الجغرافيات، ولذلك فقد بوصلته السياسية وصار مجرد تابع لبعض العواصم دون أن تكون له حساباته الخاصة، وهذا حصل جراء الغزو الامريكي الذي دخل الى المنطقة بهمجية وعنجهية لتحقيق عدة اهداف، من بينها أمن اسرائيل، وأمن بعض دول الخليج.

وتعتبر الاحزاب السياسية العراقية التي كانت ما قبل عام 2003 في المعارضة أحد الوسائل الرئيسية التي وفرت للامريكان شرعية العبث بالعراق وتخريب دولته بالكامل، لكونها مضت مع الفوضى الامريكية بدون حدود، وتماهت مع عملية انسلاخ العراق حتى عن واقعه الجغرافي.

ولعلنا الان حين نتمعن في احد الشعارات السياسية الاكثر شهرة، وهو شعار ردده كثيراً زعيم التيار الصدري : (العراق لا شرقي ولا غربي)، يتضح لنا بشكل فاضح الى أي مستوى وصل التيّه والتشتت بالعقل السياسي العراقي، مع أننا نعرف أنه يقصد تجنيب العراق وإبعاده عن الصراع الامريكي الايراني، ولكنه هذا الشعار في المحصلة ينطوي على تصورات تؤكد حالة التيّه الذي تعيشه القوى السياسية، حتى المنبثقة خلال مرحلة العراق الجديد، وليس القديم فقط.

ولا يختلف عن ذلك كبار السياسيين الذي يرددون شعاراً مشابهاً لشعار الصدر، وهو شعار : (إبعاد العراق عن سياسة المحاور)، مع أن جميع المشتغلين في الحقل السياسي يعرفون تماماً أن المحاور هي ضرورة حتمية تفرضها قواعد الجيوبولتيك، التي يقوم عليها النظام السياسي الدولي.

إلا أن متغيراً حصل في عام 2018 لم يكن في حسابات الإدارة الامريكية وحلفائها، حين ظهرت مبادرة سياسية عراقية لم تكن متوقعة من قبل رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وهي التي اراد من خلالها استرداد الواقع الجيوسياسي للعراق، والمتمثل بسياسات العراق الشرقي، وهي السياسات الانسب له من جميع النواحي، سواءً الاقتصادية او الأمنية، وحتى الثقافية والاجتماعية والتاريخية.

وربما يكون من المناسب في إطار هذا الشرح المختصر أن نشير الى حقائق مهمة، على رأسها مبيعات النفط العراقي، وهي المورد الاساسي للثروة العراقية حالياً، حيث يباع النفط العراقي في الغالب داخل الاسواق الاسيوية، فحين نعلم أن اكبر مشتري النفط العراقي هي الهند أولاً ومن ثم الصين ثانياً، وأن اموال هذه المبيعات من النفط لا تصل مباشرة الى العراقيين وإنما تذهب الى حسابات خاصة في البنك الفدرالي الامريكي، فهذا يعني أن العراق يعيش بالفعل حالة تيّه هائلة في عملية رسم سياساته الاقتصادية وعمليات التبادل التجاري، من حيث كونه لا يميز بين الاسواق التي يستفيد منها والاسواق التي تقوم باستغلاله.

ان العراق الشرقي الحالي في حال استعاد وعيه وبدأ برسم سياساته وفق واقعه الجغرافي، فسوف يكون أحد أهم اللاعبين في برنامج (دول منظمة شنغهاي)، وهو برنامج اقتصادي طموح يقوده عمالقة الصناعة والتنمية في العصر الحالي، الذين يتحكمون باكثر من نصف الانتاج العالمي، مثل الصين والهند وباكستان وروسيا، وذلك بحكم كون العراق يمثل احد أهم بوابات غرب اسيا، أو ما يطلق عليه منطقة تقاطع الطرق بين اسيا واوربا وافريقيا.

ولهذا نشاهد الرغبة الايرانية المحمومة، وهي جار جغرافي للعراق، للانضمام الى منظمة شنغهاي، وهو ما حصل بالفعل مؤخراً، حيث تم الإعلان عن قبول ايران كعضو في المنظمة بعد أن ظلت لسنوات مجرد شريك في الحوار، وذلك لان ايران تعرف تماماً أن المستقبل الاقتصادي لمجموعة دول (أوراسيا) سيكون واعداً، خصوصاً ما بعد (اتفاق بركست) الذي جعل اوربا تشعر بان انخراطها ضمن (مشروع الحزام والطريق) هو الحل الأمثل لانعاش اقتصاديات دول التكتل الاوربي بعد انعزال بريطانيا عنها.

ان العراق الشرقي، أو العراق الاسيوي، أو العراق الواقع ضمن تصنيف دول جنوب العالم، سيكون بالتأكيد مستفيداً على المستوى الاقتصادي والأمني من انخراطه وعضويته في (منظمة شنغهاي للتعاون)، وهي استفادة اكثر بكثير من الركض ببلاهة وراء بنود (الورقة البيضاء)، التي هي (سوداء) في واقع الحال.

ولذلك لم يعد من المفيد الحديث بشكل متكرر عن الاصلاح، أو عن استرداد الدولة، أو عن ضبط السلاح المنفلت، أو انفتاح العراق على محيطه وعلى دول العالم، لان هذه العناوين، بصراحة، باتت مجرد عناوين لا طائل منها، وصار تكرارها مؤشراً على البلادة والفراغ الفكري في عقل من يرددها عبر وسائل الاعلام أو من خلال خطاباته السياسية، فالعراق اليوم هو نفسه تلك الدولة الشرقية التي تأسست مطلع القرن الماضي كدولة متوازنة تُرسم سياستها وفق واقعها الجغرافي، وليس دولة غربية تعيش وفق وصفات البنك الدولي كما يراد لها منذ عام 2003، وهو المتغير الذي تسبب بكل هذا التخبط.

Related Articles

Back to top button