أحدث الأخبارالصحة

فرسان المرحلة.. ذوو المعاطف البيضاء

مجلة تحليلات العصر الدولية

بقلم: المهندس طارق الغانمي

كتابتي لهذا المقال لم أرد منه الحديث عن أساليب الحروب العسكرية والاقتصادية والنفسية واستراتيجياتها وصعوباتها، وبما أنها حروب تحتاج إلى مواجهة على خط النار، إلا أنّه يمكننا القول إنّ الحرب التي تخوضها ألآن الكوادر الصحية هي “حرب العصر”؛ لأنها معركة طويلة وصعبة ومعقدة جداً ضد شبح مجهول يتحول بأسلوبه وصورته وتطوره بين الفينة والأخرى، ممّا جعلها واحدة من أصعب الحروب الفتاكة التي خاضتها البشرية على مدى التاريخ على حد سواء… إنها الحرب ضد شبح اسمه (كورونا) الذي غزا العالم بأسره، وشل الأنظمة العالمية وتحركاتها الاقتصادية والسياسية في جميع اصقاع العالم.

وبالرغم من العصور القديمة شهدت انتشار العديد من الأوبئة القاتلة والتي أزهقت خلالها الأرواح كالكوليرا والطاعون والحصبة والإنفلونزا متسببة في هلاك الألاف من البشر، إلا أن ما يمر به ألآن العالم هو كارثة صحية بمعنى الكلمة، ليس للنقص في الخدمات بل بطبيعة المواجهة مع هذا الوباء الذي حير عقول الأطباء والمختصين وذوي الشان في درجة انتقاله بشكل سريع خلال جسم الإنسان وصعوبة التعامل معه وكثرة الأصابات به، ففي بعض الدول فقدت السيطرة عليه كلياً وسلمت أمرها إلى السماء.

لكن… في خضم دخان هذه الحرب والمواجهة مع الفايروس تبرز الملاكات الطبية بأعطاء الدروس الإنسانية التي أضهرت بريقها ومعدنها الحقيقي في هذه الحرب الوطنية العظمى، كيف لا وهم لا زال اصرارهم على التفاني بمهنتهم الإنسانية، وإصرارهم على كتم مشاعر قلق انتقال العدوى إلى عائلاتهم، وهذه بحد ذاته مهمة خطيرة جداً يجب الوقوف عليها والالتفات إليها وتوضيحها للعام، فقد كشفت دراسة أجريت مؤخراً في الصين عن الخطوط المواجهة الأمامية في الرعاية الصحية بأنهم يعانون من الاكتئاب وأعراض القلق والأرق بنسب عالية جداً.

قالت لي أحدى الطبيبات والتي لا يتجاوز عمرها (28) عاما وهي قد تعرضت للاصابة بهذا الوباء؛ أنها سعيدة جداً عند سماعها ثناء ومدح وتبيان الدور البطولي للطواقم الطبية في القنوات التلفزيونية أو منصات التواصل الاجتماعي، إذ يعطيها جرعة معنوية كبيرة لمواصلة العمل والوقوف لمواجهته، فالدعم ضروري لهم مثلما المقاتل يحتاج الدعم المعنوي على سواتر الحرب؛ وبالتالي فهم بشر ويعملون تحت ضغط شديد، قد يتعرضون إلى الإحباط والقلق نتيجة المواقف التي يشاهدوها أمامهم وهو ما لا نريده لهم مطلقاً.

فالطبيب أو الممرض الذي يعمل يومياً في المشفى بعيداً عن أسرته وأقربائه وبيته، أليس هذا يجب أن نقف له أجلالاً وأكباراً؟ ألا يستحق دعماً ومساندة بشكل يومي؟ ألا يستحقون منا كلمة تثمن مواقفهم هذه؟

هناك دول فقدت الكثير من ملاكاتها الطبية في مواجهتها لهذا الوباء نتيجة أصابتهم بعدوى الفايروس وانتقاله لهم مما سبب بوفياتهم وحرمانهم من لذة التمتع بالحياة، وكذلك في العراق اليوم فقدنا البعض منهم وهم في عمر الزهور.

وبالرغم من المعاناة من توفر أبسط مقومات العمل الصحي في المستشفيات، إلا أنهم مستمرون بالعمل والتضحيات بكل جدارة وسعي دؤوب، هناك بلدان تحرص الجهات الصحية العليا فيها على توفير بيئة خاصة ومريحة تمامًا لأطبائها وممرضيها للتغلب على الضغوط النفسية إن وجدت وتزيد من جانب الترفيه والرفاه؛ لإن الاهتمام بالجانب النفسي للعاملين بالصفوف الأمامية هو دافع معنوي لهم لاستمرارهم في رسالتهم الإنساينة.

ما يتميز به الطبيب العراقي والذي يضع الوطن نصب عينيه دون أي اعتبارات لمصلحة شخصية، قادر على تحقيق الخدمة بكل حب وإخلاص متفان لهذا البلد المعطاء.

آخر القول: ندعو لكم ونشكركم، ونقف لكم بالتصفيق الحار، وجميعنا يثني عليكم، ويرسل عبارات الدعم عبر وسائل الإعلام المختلفة، فكل أفراد المجتمع قلوبهم معكم يا (فرسان المرحلة)، جزيتم خيراً يا أبطال، وسعيكم مشكورا..

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق