أحدث الأخبارلبنان

فرنسا يد من حرير واخرى من حديد

مجلة تحليلات العصر الدولية

احدى روائع ميشيل عون تنظيره لحكم وطني كبديل لنظام الطائفية، وهو بهذا يقلب الطاولة الاثنية التاريخية على الطرف الفرنسي الذي كرس المارونية المسيحية كزعيمة للبنان الذي فصله عن شامه، ليتسنى له احكام السيطرة عليه واللعب بمقدراته واخضاعه لانفاسه ولغته وتراثه، في حين عجز عن اخضاع سوريا الكبيرة لتمنعها وعصيانها ونفورها منه٠

المضحك المبكي في الملف الاستعماري اللبناني الكثير، ولكننا نشير هنا الى واحدة، فالمعروف، ان هناك دولتان فقط في العالم، ادعتا العلمانية دستوريا، وهما لبنان وتركيا، واما الثانية فقد صدقت مع نفسها ايام اتاتورك، فكانت العلمانية تجري في عروق نظامها السياسي بدلا من العثمانية الطورانية التي انهزمت في الحرب الاولى، واما في لبنان فاذا مااردنا تحليل دم نظامه المصنوع على عين فرنسا، نجد الطائفية هي التي تظهر وبشكل وقح ومعربد وظالم، والغريب، ان فرنسا وهي والدة الحريات والديمقراطيات كما تزعم، ركبت نظاما طائفيا، وجعلت الرئاسة فيه للمارونية التي تربطها بها علاقة عميقة ومميزه باعتبار انتمائها الى الكتلة الاكبر وهي المسيحية، في حين لاتخفى على من له دراية بالثقافة النصرانية، ان مذاهبها يكفر بعضها الاخر ولايعترف احدهما بنصرانية ومسيحية الثاني على الاطلاق، فعلى سبيل المثال، ان اراد الارثوذكسي الانتقال الى البروتستانية، ينبغي عليه، ان يتوب ويستغفر ويخرج من كفره وان يعمد من جديد حتى يتسنى له ان يكون بروتستانيا خالصا، والامر نفسه مع البروتستاني الذي يرغب ان يكون كاثوليكيا او ارثوذكسيا، ومع هذا فان فرنسا جمعتهم في نسيج واحد ليكونوا الغالبية، وفي نفس الوقت انقضت على المسلمين، فاخرجت منهم العلوية والدرزية ثم اطرتهم بمعتقدات اخرى، ليكونوا اقلية٠

وقد جمعت حبال القدرات كلها الى الرئاسة المارونية، واعطت رئاسة الوزراء السنية ورئاسة البرلمان الشيعي دورا تشريفيا ومكياجيا وهامشيا، مما ادى الى نشوب الحرب الاهلية التي انطلقت شرارتها في عام ١٩٧٥ والتي اكلت اليابس والاخضر حتى انتهت في عام ١٩٨٩ في مدينة الطائف، اذ تم انتزاع بعض قدرات الرئاسة واعطائها الى القوتين الاخريتين، لتعديل الميزان الوطني والدستوري والاجتماعي٠

ليست هناك احجيات والغاز مبهمة، في زيارات ايمانويل ماكرون المكوكية الى لبنان ( اذ ستكون الثالثة في نهاية العام ) وانما هو الحنين الى المستعمرة الناعمة الجميلة، ولتحديد من يحكمها وتهديد من يتخلف عنه، ولمرونه سجله الى حد ما من العداء للمقاومة وامكانية التفاهم معها وتدوير الزوايا الحادة بينهما ولذا اجتمع مع محمد رعد رئيس كتلة الوفاء النيابية، وليرتدي الدور الامريكي الذي ثبت فشله وعجزه امام الروسي المتغول في المنطقة وخصوصا في طرطوس، ولقطع الطريق امام الجموح التركي الذي اصبح قاب قوسين او ادنى من بيروت والذي يرنوا اليها من مرتفعات ادلب وجبالها، والذي تحدثه نفسه بعد ان جف رجائه من اوربا والناتو، في الحصول على حصته السنية بعد انكماش مرجعيات كبيرة كالسعودية ومصر والامارات، وعلى هذا اخذ يمدد فقاعته العسكرية لحوض البحر المتوسط الموعود بالطاقات، وتحالفاته مع ليبيا تشير بذلك، كما ويحاول ماكرون في مهمته لحجب لبنان وتحييده عن طريق الحرير الصيني الذي له موقعا هاما واستراتيجيا فيه٠

لانعول كثيرا بمصداقية الرجل ولا بصلاحه، وان كان بعضا من اللبنانيين هللوا له وصفقوا، وظنوا فيه المخلص الذي سيملأ ارضهم حسنا وعدلا، ويطعمهم عسلا ومنا، فهو حاضن وراعي للاقطاعيات السياسية الفاسدة التي تعيث في لبنان اجراما وعمالة وتفجيرا، ومنذ اربعين عاما، ولو شاء لانتزع الاموال التي سرقتها من كتف ولحم ووجع اللبنانيين والراقدة في البنوك الفرنسية والسويسرية واعادتها لمالكيها الحقيقين الذين هم اولى بها وخصوصا في هذا الوقت الحساس الذي ضاعت فيه الليرة عملة واقتصادا ومصارفا وتجارة ورؤوس اموال٠

قال تعالى في محكم اياته ( يخدعون الله وهو خادعهم )٠
صدق الله العلي العظيم٠

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق