أحدث الأخبارفلسطين

فلسطين:ما بين البسيط والاستراتيجي.. تطور نوعي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين

عرفات عبد الله أبوزايد

بسيط.. غير معقد.. واضح.. كلمات تحدث بها الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين القائد المجاهد أبوطارق النخالة خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده إبان الإعلان عن الشروط التي وضعتها حركته لانتهاء معركة وحدة الساحات في السابع من أغسطس/ آب 2022، تابعت في تلك الليلة المؤتمر الصحفي بالكامل بما فيه الرد على أسئلة الصحفيين الذين كانوا يسألوا حول الشروط والمطالب التي وضعتها الحركة وتمثلت في الافراج عن الأسيرين خليل عواودة والشيخ بسام السعدي، وكان واضحاً خلال رد أمين عام الجهاد الإسلامي حالة الاطمئنان والثقة لديه من خلال دقة الكلمات التي تحدث بها والتي كانت كالسهل الممتنع، حيث كان مبتسماً صادقاً جريئاً في اجاباته، وقال بأن الاتفاق واضح وبسيط ومرتبط بالضفة وما يواكب ذلك من انتهاكات وجرائم صهيونية بحق أهلنا هناك خاصة تلك الطريقة البشعة لاعتقال الشيخ بسام السعدي، وكذلك تجاهل الاحتلال لمطالب الأسير المضرب عن الطعام خليل عواودة، وكرر في أكثر من مرة خلال المؤتمر حديثه عن الهدف الرئيس لمعركة وحدة الساحات والذي أرجعه لعدم إعطاء الاحتلال فرصة وهامش للتفريق بين غزة والضفة أو بين غزة والقدس والــ 48، ولهذا أكد بأن معركة “وحدة الساحات” لن تكون الأخيرة في إطار تحقيق هذا الهدف، خاتماً حديثه لشعبنا بالضفة نحن منكم وأنتم منا.



لا شك أن البعض حاول التقليل في حينه من قيمة هذا الاتفاق المتعلق بوحدة غزة والضفة، حيث تطرقوا لمسألة عدم وجود ضمانة بتنفيذ الاحتلال لتلك الشروط، وبالطبع وفقاً لمعطياتهم فالاحتلال خرج بوضعية جيدة من المعركة، وبالتالي ليس هناك حاجة لمنح الجهاد الإسلامي انتصاراً بتحقيق شروطه بالإفراج عن أي من الأسرى، وكان لدى هذه الشريحة قناعة تامة بأن الاحتلال سيضرب بالاتفاق عرض الحائط ولن ينفذ أي من الشروط، باعتبار أن حركة الجهاد الإسلامي تلقت ضربة عبر اغتيال 2 من ابرز قادتها بالإضافة الى استفراد الاحتلال بها وبالتالي فقدان الحركة القوة لإرغام الاحتلال على تنفيذ تلك الشروط، هذه الشريحة التي تبنت هذا الرأي كما يبدو لم تتابع تصريحات المجاهد أبوطارق النخالة بشكل جيد، أو تجاهلت عمداً وبشكل مقصود ما قاله وأكد عليه خلال المؤتمر، بأن عدم التزام الاحتلال بتنفيذ الشروط لن يمنعنا من خوض جولة جديدة حتى تحقيق شروطنا معززاً كلامه بأن رهانه على قوة مقاتلينا وقدرتنا على مواجهة العدو لمنع التفرقة بين غزة والضفة وليفعل الله بنا ما يشاء.

قيادة حركة الجهاد الإسلامي لم تقاتل فقط بــ 1175 صاروخ أطلقتهم خلال المعركة التي استمرت 56 ساعة، بل استطاعت أن تضع لنا منهاجاً ودرساً جديداً في قدرة المقاوم العنيد الصادق القوي على إدارة المفاوضات الغير مباشرة مع الاحتلال بطريقة ذكية وعميقة تدل على أن هناك تطوراً نوعياً لدى قيادة الحركة يتمثل في القدرة على الاستفادة من المقومات العسكرية وأدوات دبلوماسية سياسية تملكها، وبكل حكمة وبصيرة منقطعة النظير تمكنت الحركة من المزج بين استخدام القوة أو التهديد بها، وإدارة معركة تفاوضية باقتدار وقوة وجرأة مع الاحتلال الصهيوني عبر الإخوة في مصر الذين كان لهم دور هام ومركزي، وذلك عبر جهود مُقدرة ومشكورة للضغط على الاحتلال لتنفيذ شروط حركة الجهاد الإسلامي.

على الرغم من الهواجس الدعائية التي تكتنف رئيس وزراء الاحتلال يائير لابيد في إطار الحملة الانتخابية التي يسعى عبرها كسب صوت الناخب الإسرائيلي، بحيث لم يكن سهلاً أن يخرج لابيد بهذا الشكل المخزي أمام أنصاره وناخبيه عر قيامه بتنفيذ شروط ومطالب حركة الجهاد الإسلامي التي خرج هو وكل قادة الاحتلال في المنظومة الأمنية والعسكرية والسياسية والإعلامية للحديث بصوت واحد عقب معركة وحدة الساحات بأنه لن يتم الافراج عن الأسير خليل عواودة أو بسام السعدي، وأضافوا بأن الشروط التي أعلن عنها أمين عام الجهاد الإسلامي زياد النخالة ليس لإسرائيل علاقة بها، وأن الاتفاق كان بين الجهاد الإسلامي ومصر فقط.



قيادة حركة الجهاد الإسلامي كانت ذكية جداً في التعاطي مع التطورات عقب معركة وحدة الساحات، وأعادت الحركة باليوم التالي للتهدئة استخدام سياسية التهديد في حال عدم تنفيذ الشروط، وبالفعل قام الاحتلال بنقل الأسير خليل عواودة للمستشفى لتلقي العلاج كمقدمة للإفراج عنه، وهو النص الشرط الذي قاله المجاهد أبوطارق النخالة خلال المؤتمر بأن الشرط يتمثل في إرسال الأسير خليل عواودة من السجن للمستشفى لتلقي العلاج ومن ثم سيتم الافراج عنه، حاول الاحتلال التنصل من هذا الشرط عبر التسويف والمماطلة حتى لا تظهر حالة العجز لدى قادته أمام الجبهة الداخلية للاحتلال، لكن لم يستطع أن يستمر أكثر من ذلك، فهو يواجه تنظيماً فلسطينياً لا مشكلة لديه أن يقوم بعملية نوعية ضد قواته على حدود قطاع غزة بأي لحظة ولا يمنعه من القيام بذلك أي تهديد أو قصف لمسؤوليه ومقدراته، بالإضافة من حالة التخوف التي سادت المنظومة الأمنية الصهيونية عقب حالة الالتفاف الشعبي التي ساندت ودعمت حركة الجهاد الإسلامي عقب معركة وحدة الساحات، وبالتالي اكتساب الحركة احترام وتقدير الجمهور الفلسطيني والعربي، وحالة التناغم الكبيرة التي ارتفعت الى مستويات قياسية بين الحاضنة الشعبية وحركة الجهاد الإسلامي على الرغم من استخدام الاحتلال لكل أدوات التشويه والكذب والتزييف للروايات حتى يصنع شرخاً بين الحركة والمجتمع الفلسطيني، إلا أن الاحتلال تفاجئ وشعر بالصدمة عقب المشاركة الشعبية الواسعة في المهرجانات التي أقامتها الحركة لتابين شهداء معركة وحدة الساحات والتي لأول مرة يقيمها تنظيم فلسطيني في 5 ساحات وجبهات متعددة في توقيت متزامن (غزة – رفح – جنين – لبنان – سوريا)، وهو ما يؤكد قدرة الحركة على استقطاب أعداد كبيرة من المناصرين والمؤيدين لها عقب معركة وحدة الساحات، هذه التفاصيل البسيطة التي ربما لا يلتفت لها الكثير شكلت مظلة وداعم لقيادة حركة الجهاد الإسلامي وهي تخوض معركة شرسة ضد الاحتلال في الميدان وعبر الوسطاء، وفي ذات السياق شكلت ضربة لمخطط الاحتلال بفصل الحركة عن حاضنتها للشعبية.



قرار الاحتلال بإنهاء الاعتقال الإداري عن الأسير خليل عواودة وتحديد موعد الإفراج عنه في الثاني من أكتوبر المقبل تم إبلاغ قيادة حركة الجهاد الإسلامي بشكل مسبق ولديهم معلومات واضحة في هذا الإطار عبر الوسيط المصري كان بهدف وقف أي خطوات ميدانية قد تُقدم عليها الحركة خلال الأيام الماضية، من المهم أن ندرس هذا الإنجاز ونحلله بشكل عميق، ومن المهم التأكيد بأن الأسير البطل خليل عواودة كان له الدور الأبرز أيضاً في هذا الانجاز من خلال الصبر والتحمل الذي خاضه خلال إضرابه عن الطعام لقرابة ستة شهور في أطول إضراب عن الطعام لأسير فلسطيني, وهو ماساهم في تعزيز موقف قيادة الجهاد الإسلامي أن تتبنى هذا الملف وتدافع عنه بكل قوة وثبات.

نحن أمام مشهد وتطور دراماتيكي تقوده حركة الجهاد الإسلامي من خلال قدرتها على تحقيق شرط التهدئة بالإفراج عن الأسير خليل عواودة وذلك في ظل حالة الغليان لدى الجمهور الإسرائيلي الذي ينتظر انتخابات الكنيست ليعاقب من قدم هذا التنازل الذي يؤكد صدق رواية سرايا القدس والمقاومة بأن معركة وحدة الساحات كانت وبال على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا ما هو الدافع للاحتلال أن يلتزم بالإفراج عن خليل عواودة طالما أن المعركة لم تؤثر على الاحتلال ومنظومته العسكرية؟ فالشرط الذي وصفه الأخ أبو طارق النخالة بسيط وواضح وغير معقد عند وصفه لاتفاق التهدئة في حينه، فقد أصبح اليوم تنفيذ هذا الشرط يحمل صفة الإنجاز الاستراتيجي، فنحن أمام تنظيم فلسطيني فرض قراره بعدم القبول بأن يستفرد الاحتلال بأي ساحة من فلسطين المحتلة، فالإنجاز اليوم يتعلق بقيمة التداعيات التي سيفرزها تنفيذ شرط الجهاد الإسلامي بالإفراج عن الأسير خليل عواودة، .. الآن نستطيع القول بأن ما بعد معركة وحدة الساحات لن يكون كما قبلها.

Related Articles

Back to top button