أحدث الأخبارالعراقمحور المقاومة

قراءات جديدة “مهمة” في تقييم زيارة البابا الى العراق!!

مجلة تحليلات العصر الدولية - د. أحمد الزين

كل عاقل رشيد يعتقد يقينا بفطرته السليمة بان الأديان السماوية وكتبها المقدسة هي منزلة من الله الخالق اللطيف الخبير.. وان جميع الانيباء هم رسل الله لهداية البشر، وهم ترجمان الأديان الى الإنسان، وجاءت الرسل تترا حتى انتهت بالرسول الخاتم محمد (ص) سيد الرسل، والقرآن، ودين الإسلام كشريعة ومنهاج حياة، بكامل القيم الإيمانية والاخلاقية والمبادىء الإنسانية: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19).
وقد شهدنا عبر التاريخ محاولات كثيرة للحوار بين الاديان والبحث في كيفية التعاون والتكامل والتعايش السلمي وقبول الاخر المختلف من خلال ندوات ومناظرات ومؤتمرات عالمية للتقريب بين المذاهب الإسلامية، والتقارب الاسلامي-المسيحي. وفي هذا السياق، تحمل زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس الى العراق أبعادا دينية وثقافية وسياسية وسياحية مع تتويج الزيارة بلقاء روحي إنساني بين السيد السيستاني والبابا فرنسيس والذي وُصف باللقاء التاريخي لانه جمع قامتين كبيرتين من العالم الاسلامي الشيعي والعالم المسيحي الكاثوليكي للمرة الاولى في النجف الاشرف. وقد كثرت التحليلات والتفسيرات والتأويلات في تقييم أهداف ونتائج هذه الزيارة، فمنهم من أحسن الظن ومنهم من أساء الظن، وهنا نبحث عن أهم الاهداف المعلنة والخفية والكامنة في خفايا النفس وخبايا التاريخ وزوايا السياسة وحكايا الرجال الربانيين:
أولا – مسار الإيمان الطبيعي: العراق بلد الاديان والمقدسات ومهد الحضارات وتنوع الثقافات، وأرض الانبياء والرسل والاولياء والائمة الاطهار والصالحين، الذي أحتضن عبرالتاريخ مختلف الاعراق والاجناس والقوميات.. منذ خلق آدم الى يومنا الحاضر.. فلا عجب ان جاء البابا حاجا ليغفر الله ذنوبه ويطهّر نفسه، مطلقا شعار “أنتم جميعكم أخوة” (من أنجيل متى)، ليزور الاماكن المقدسة ويصلي صلاة الاديان معا، ويدعون الله بصدق الايمان لإحلال السلام من مدينة “أور” التاريخية حيث بيت النبي ابراهيم (ع) الى “قرقوش” التراثية، والتي تعرضت كنائسها وأديرتها العريقة لدمار كبير على يد الارهابيين.
عٌرف عن البابا بانه متعبد لاهوتي عملاني.. وبالتالي لا منّة ان يزور النجف الاشرف ويلتقي بالسيد السيستاني العرفاني الزاهد، والذي بادره برد رسالته العالمية “أنتم جزء منا ونحن جزء منكم”. هذه الزيارة لها ميزة روحية إنسانية فاعلة خيّرة هادفة تحمل في طياتها ارفع معاني التلاقي والتآخي واسمى لغة التخاطب والتقارب وارقى مشاعر المحبة والتسامح الديني.. وهي تساهم عمليا في نشر الأنس والطمأنينة للمسيحيين والاقليات الاخرى والأمل والرجاء للبشرية جمعاء، وهي خطوة بنّاءة لتعميم ثقافة الحوار بين الأديان والاحترام المتبادل بين أتباعها ومريديها، وتقبل الاخر المختلف والعيش المشترك في أمان وسلام.. ووضع أسس معالجة الازمات والتحديات لتحقيق العدالة والمساواة بين البشر ونصرة الفقراء والمعذبين والمضطهدين والمظلومين والمستضعفين في الارض، وتوحيد المواقف المشتركة لرفض العنف والتطرف والفقر والقهر وكبت الحريات والاضطهاد، والوقوف بقوة في وجه الحكام الطغاة والقادة الظالمين والمغتصبين المحتلين المتمثلة بالقوى العظمى وحلفائها في العالم.. وهذا ما اكده السيد السيستاني في بيانه بدعمه للشعب الفلسطيني المظلوم في الاراضي المحتلة، والذي أعاد تسليط الضوء على مظلوميته وقضيته العادلة، مما وجهت ضربة قاصمة لمشروع التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني الغاصب، والذي يتلخّص في ما أوصى به أمير المؤمنين علي (ع): “كن للظالم خصما، وللمظلوم عونا”.
ثانيا – مسار السلام العالمي: كما يعتبر البعض بان زيارة البابا فرنسيس للسيد السيستاني كممثل للمرجعية العليا هي مفتاح الانفتاح نحو العالم الإسلامي الشيعي، طمعا للحصول على توقيعه على الوثيقة الاسلامية-المسيحية العالمية، التي أعدت للمساعدة المتبادلة بين الدول والطوائف والتي تعود بالفائدة على الجميع، وكلا ينطلق من ركيزته الدينية والثقافية الاصلية تحت شعار موحد: “ليكن الدين في خدمة الانسان والسلام” والتي تعتبر كنز للبشرية جمعاء، من اجل إيجاد حالة توازن إسلامي-مسيحي، وحالة ثقة وإطمئنان للاقليات المسيحية في بلاد المشرق، وتبادل الرسائل الانسانية، وتعزيز الخطاب الديني التثقيفي، وتوطيد اسس الحوار والمطارحة والصراحة فيما بينهم، ونبذ صراع الحضارات والاديان.. لتشكل أُطر الرسالة العالمية أمتدادا لـ “وثيقة الاخوة الانسانية من اجل السلام العالمي والعيش المشترك”، والتي وقّعها أمام الازهر الشيخ أحمد الطيب، في شباط/ فبراير 2019، بعد لقائه بالبابا فرنسيس في ابو ظبي، وهو يعتبر الإمام الاكبر وممثل العالم الإسلامي السني.. والتي تتلخص هذه الافكار ما جاء في خطاب امير المؤمنين علي (ع) الانساني: “الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق”.
ثالثا – مسار الدين الابراهيمي: تعتبر جامعة هارفارد الامريكية هي صاحبة فكرة المسار الإبراهيمي، حيث تبنتها امريكا واوروبا لإستحداث دين جديد اسمه “الدين الابراهيمي” مشتق ناموسه من الأديان السماوية الثلاث – اليهودية والمسيحية والإسلام، نسبة إلى سيدنا إبراهيم أبو البشر والذي تعترف به الأديان الثلاثة. هذا الدين الجديد يتبلور تأسيسه في مراكز بحثية تسمى “مراكز الدبلوماسية الروحية”، تدعو ظاهريا إلى التسامح بين الاديان والتعايش وقبول الآخر، ولكن تعمل بالخفاء على تشويه صورة تلك الاديان باعتبارها مصدر العنف والتطرف والحروب، والترويج لفكرة تقبل إعتناق “الدين الابراهيمي الجديد”، معتبرة ان حل الصراعات ممكن من خلال إعادة قراءة التاريخ من قبل ما يسمى بـ “القادة الروحيين” لإعادة تدوينه من جديد من اجل تشريع نزع ملكية اراضي الدول ومقدسات الشعوب وإزالة الحدود السياسية، واعتبارها أرض إبراهيم يحق لجميع أبناء إبراهيم الاستفادة من أرضه ومواردها وهي أراضي ومقدسات ذات طابع دولي، وبناء “مزارات ابراهيمية” تحل محل المعبد والكنيسة والجامع، وإعتماد “الكتاب الابراهيمي” بديل عن الكتب المقدسة الثلاثة: القرآن الكريم، العهد الجديد، العهد القديم. كل هذه البدع المستجدة تستهدف الدين الإسلامي الحنيف ومحو الهوية الإسلامية، واستبدالها بهوية إبراهيمية وجواز سفر إبراهيمي، وتوظيف تلك “المزارات الابراهيمية” كمراكز دراسة للبحث عن حلول للازمات السياسية المستعصية مثل “الصراع العربي-الاسرائيلي”، عبر ما يسمى بـ “مؤتمرات حوارات الأديان”، او بما يسمى بـ “صفقة القرن”، او “اتفاقيات التطبيع والسلام”، بين الكيان الصهيوني والدول المطبعة، المسماة بـ “اتفاقيات ابراهام”، وما تحمله هذه التسميات من أبعاد دينية وتاريخية لتمرير أجندات سياسية، على سبيل المثال: تبديل الأماكن المقدسة بأماكن إبراهيمية جديدة تحل محلها، حيث يصبح العالم يحج مثلا لـ “هيكل أور” بالعراق بدل من الكعبة الشريفة بمكة المكرمة، شطب دولة فلسطين، قبول وجود بما يسمى دولة “إسرائيل” بشكل رسمي كدولة صهيونية يهودية عنصرية، واستغلال “الدين الابراهيمي الجديد” لإبعاد أتباع الديانات الإسلامية والمسيحية عن مناصرة حقوق الشعب الفلسطيني او إستعادة الاراضي العربية المحتلة، يهدف في نهاية المطاف الى تحقيق المشروع الصهيوني-الانجيلي التلمودي التوارتي باقامة دولة “إسرائيل” الكبرى بحدودها التوسعية الجديدة من الفرات الى النيل، مضافا اليها اراضي تركيا وإيران ودول المغرب العربي وتضم اليها اي ارض وصل اليها اليهود تاريخيا لاستغلال مصادر الطاقة فيها: الارض والماء والنفط والغاز، وادارتها من قبل من يمتلك التكنولوجيا المتطورة وهي باعتقادهم تركيا المخادعة و”إسرائيل” الطامعة.. لذا، نعتقد يقينا بان كل هذه المؤامرات الخبيثة والمخططات الشيطانية لن يكتب لها النجاح لان ارادة الله اقوى واعتى وإنّ ربّك لبالمرصاد: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسلِماً..} (آل عمران: 67-83 ).
رابعا – مسار احتواء المرجعية الدينية: كانت ولا تزال المرجعية الشيعية تواجه اخطارا واستهدافا امريكيا، لان إيمانها يتناقض مع مشروع الإسلام العلماني الامريكي، ولا زالت امريكا تقوم بحملات إعلامية ضخمة لتشويه قدسيتها والنيل من مراجعها، ومحاولات تضليل جمهور الشيعة بأنهم لا يمتلكون موقفاً معادياً للتدخل الأجنبي في بلاد المسلمين (كما هو الحال عند علماء السنة)، وأن النظام العلماني موضع تأييدهم ودعمهم، وانهم يعارضون الخروج على الحكومات حتى لو كانت مرتبطة بالقوى الاستكبارية والاستعمارية (كما هو الحال عند انظمة الخليج). على سبيل المثال: كانت امريكا تخطط (قبل سقوط نظام الشاه في إيران) بإقتاع الملكة فرح ديبا زوجة الشاه للقيام بزيارة مفاجئة للمرجع السيد ابو القاسم الخوئي (وفعلا تمّ اللقاء حيث دخلت منزله من دون موعد)، لإيهام المتظاهرين والمعارضين بانه يبدي تعاطفه وتأييده لحكومة الشاه في مواجهة المعارضة. وفي حقيقة الامر، فان السيد الخوئي (قده) تكلم مع الملكة فرح بنبرة غاضبة وحمّل الشاه مسؤولية دماء الشهداء التي سفكت في شوارع طهران، وما قام به من ظلم ومن معاداة للاسلام، وأن الأمة في إيران تثور دفاعاً عن مبادئها الإسلامية. (المصدر: كتاب “الحكمة والسياسة”، لمؤلفه د. حسين نصر- 2015). مثال آخر: في عام 1954، ارادت امريكا ركوب الدين وتسخيره لمصالحها الاستعمارية، فعقدت مؤتمرا في بحمدون في لبنان بعنوان “المثل العليا في الاديان الإلهية”، ودعت إليه المرجع الديني المرحوم الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (قده)، لكنه رفض الحضور فيه وبعث اليهم كتابه المعروف: “المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون”.
في هذا السياق، أدركت امريكا أهمية دور المرجعية الدينية الشيعية في هزيمة مشروعها الداعشي في العراق وسوريا ولبنان في 2011-2014، وإفشال سياساتها الاستعمارية والاقتصادية في المنطقة، فانتقلت الى مخطط متقدم بالنفاذ الى “المسار الإحتوائي للمرجعية” عبر بوابة “المشروع الابراهيمي” باستخدام البابا (سواء بعلمه او عدمه) كآداة توظيفية من اجل التحبب والتودد والتقرب من السيد السيستاني كأكبر مرجع للطائفة الإسلامية الشيعية لعل وعسى ان تساهم حفاوة اللقاء وسمو المقام والسناء وحديث الاطراء وطراوة اللسان وكلام النبلاء، ان تنتزع منه موقفا مؤيدا او تنازلا تحييدا او إقرارا غاضيا متماهيا مع مشروع هؤلاء المهرجين، ولعل وعسى ان يثمر اللقاء امتصاص صرخات الغضب لتلك الجماهير الشيعية الثائرة او ان تخفف من حدة كراهيتهم المختزنة في نفوسهم ضد القتلة الطغاة، وأحتواء عمليات الثأر والانتقام المشروعين للحشد الشعبي، وتبريد فوهات بنادق حركات وفصائل المقاومة الشعبية في سائر المنطقة، بعدما ذاقوا سلسلة من الجرائم والمجازر التي يندى لها جبين الانسانية من قبل الادارة الامريكية بأستهداف قادة النصر الشهيدين سليماني والمهندس والكثير من القادة والشهداء في سوريا ولبنان باستمرار القصف والغارات الجوية من قبل حليفه الكيان الصهيوني المعتدي، وتحميل هذه الادارة الظالمة مسؤولية تشجيع ودعم عميلها صدام المقبور بشنّ حرب مدمرة على إيران دامت 8 سنوات ذهب ضحيتها مئات الالوف من القتلى والشهداء، وغزو العراق وتدميرها للدولة والجيش والبني التحتية، وادارتها للحرب الكونية على سوريا ولبنان واليمن، ووضع العقوبات الاقتصادية على الشعب الايراني، وما نتج من دمار وكوارث إنسانية ومجازر بشرية، ومجزرة “سبايكر” (حزيران 2014) على ايدي وكلائها تنظيم “داعش” الذي صنعته امريكا (باعتراف وزيرة خارجيتها الاسبق هيلاري كلينتون) لتحقيق مصالحها الذاتية واطماعها وهيمنتها وبتمويل من عملائها: النظام السعودي الوهابي التكفيري، وحكام دويلات الامارات وقطر..
وقد شاهدت امريكا والعالم بام أعينهم تعاطف الملايين الملايين من المشيعيين للقادة الشهداء.. رافعين شعارات “هيهات منا الذلة”، “يا لثارات الحسين”، متعطشين للثأر والانتقام من القتلة المجرمين، ومتوعدين بالرد الاستراتيجي بمقاومة المحتل الامريكي بإخراج جيوشه وقواعده من كل منطقة غرب آسيا مهما كلف الثمن. كما شهدت امريكا حجم التأثير الكبير لفتوى الجهاد الكفائي من قبل السيد السيستاني لدرء الخطر الداعشي الاحتلالي الارهابي عن العراق، وما نتج عنها من تأسيس الحشد الشعبي والذي حظى بتأييد رسمي وشعبي كبيرين، والذي استطاع تحرير المناطق العراقية المحتلة وأنهاء “دولة الخلافة الداعشية”، والذي تعاظمت قوته واصبح قوة استراتيجية مقتدرة مساندة لحركات المقاومة. وقد ادركت امريكا ان المرجعية وفتواها ستشكل العقبة الرئيسية أمام تمرير “المشروع الابراهيمي الامريكي الصهيوني الاستعماري الجديد”.. كما شهد العالم الارتدادات الايجابية لهذه الفتوى الجهادية التي ردعت العرب والغرب والصهاينة.. وما انتجته من معادلة توازن غيبية جديدة غير منظورة مقترنة مع العقيدة الإيمانية، بالاضافة الى معادلة توازن السلاح الاسترانيجي مقترنة بالروح القتالية الجهادية.. وقد شاهدنا كيف انتصر الدم على السيف في معركة كربلاء البطولية، وكيف قاومت العين المخرز في حرب تموز 2006 وانتصرت.
وعليه، فإن اي خطر “إبراهيمي” يتهدد دين الله الإسلام ومقدساته وأتباعه، سيوحّد مواقف المراجع وجوبا بفتوى دينية اثقل وأشمل حيث ستترك حتما آثار مزلزلة تردع الاعداء المخططين والمتآمرين وتقلب موازين القوى لصالح محور الخير والحق وشعوبها، والذي سيحقق النصر المحتوم كما وعدنا الله تعالى، والله المستعان، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة: 21).

 

عن الكاتب

كاتب at | الموقع الالكتروني | + المقالات

سيرة ذاتية موجزة:
- للدكتور أحمد الزين من لبنان ومقيم في لندن.
- حاليا محلل سياسي وباحث وكاتب في الشأن السياسي.
- مشارك في العديد من المؤتمرات العلمية والدينية والندوات الفكرية والمقابلات السياسية والبرامج التلفزيونية.
- حاصل على ماجستير ودكتوراه في علوم الحاسوب من جامعة (Essex) في بريطانيا.
- ناشر مجلة شهرية تدعى (أفكار وأراء) في لندن.
- المصمم والمشرف على الموقع الإلكتروني: www.lebanesemessage.co.uk
- رئيس الجمعية الثقافية اللبنانية في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى