أحدث الأخبارالعراق

كتاب (اللا بشر) ألإنتهاكات البريطانية السرية لحقوق الأنسان/ الفصل الأول والثاني

مجلة تحليلات العصر الدولية

كتاب (اللا بشر) ألإنتهاكات البريطانية السرية لحقوق الأنسان

المؤلف: مارك كيرتيس

تاريخ النشر 2004

UNPEOPLE

BRITAIN’S SECRET HUMAN RIGHTS ABUSES

Mark Curtis

Published by Vintage 2004

ترجمة: عزام محمد مكي

الجزء ألأول- العراق

الفصل الاول- إحتلال العراق: الهجوم على الديمقراطية

حول المؤلف

مارك كيرتس مؤلف ومؤرخ وصحفي ومحرر منصة (  Declassified UK)، وهي منصة للصحافة على الإنترنت تحقق في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة.  وهو زميل باحث سابق في المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House) وكان زميلً باحث  فخري في جامعة (Strathclyde ) وزميل أبحاث زائر في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في باريس و   (Deutsche Gesellschaft fur Auswartige Politik)  في بون.

كتب مارك ستة كتب عن السياسات الخارجية البريطانية والتنمية الدولية:

عمل مارك أيضًا في قضايا التنمية الدولية لأكثر من 25 عامًا ، حيث أدار استشارات تعمل مع وتدعم  المنظمات غير الحكومية التقدمية.   في هذا العمل ، نشر مارك أكثر من 120 تقريرًا حول قضايا مثل الأغذية والزراعة والتعدين والضرائب والشركات والتجارة، للإطلاع اكثر يمكنك زيارة (curtisresearch.org).

مارك هو مدير سابق لحركة التنمية العالمية (يسمى الآن Global Justice Now) ،

ورئيس ((Global Advocacy and Policy at Christian Aid.

وهو رئيس السياسة في (ActionAid)

وهو خريج Goldsmiths’ College ، جامعة لندن وكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

http://markcurtis.info/

من المترجم

في هذا الكتاب يقوم المؤلف والمؤرخ البريطاني (مارك كيرتس) بتحليل آلاف الوثائق الحكومية البريطانية التي تم رفع السرية عنها.  في عمله هذا يميط اللثام عن الدافع الحقيقي للحرب الانكلوسكسونية على العراق في 2003 والتي نتج عنها غزو وتدمير العراق ومحاولة ارجاعه الى العصر الحجري كما وعد بذلك احد اركان الادارة الامريكية في حرب الخليج.  ويفضح الكتاب بدون لبس زيف إدعاء الحكومتين الامريكية والبريطانية بان حربهم كانت لأجل نزع اسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها العراق كما كانوا يزعمون.  كما يكشف الكذب الفاضح لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك (توني بلير) بإدعائه امام مجلس العموم البريطاني، بإن للعراق امكانية شن هجوم بأسلحة الدمار الشامل على بريطانيا خلال 45 دقيقة.  ويفضح مارك كيرتس في كتابه كذلك نفاق الاعلام البريطاني السائد بتكراره الدعاية الحكومية حول اسلحة الدمار الشامل.

ومن المسائل المهمة التي تكشفها بعض هذه الوثائق السرية  هي طبيعة السياسة الخارجية البريطانية تجاه القضية الكردية الممتدة من بداية ستينات القرن الماضي ولحد الغزو.  ففي بعض الاحيان تم استخدام القيادات الكردية كوسائل ضد الحكومة في بغداد حسب الضرورة.  وفي احيان أخرى وقفوا مع الحكومة المركزية في قتالها ضد الاكراد.  مع العلم بان السياسة الامريكية تجاه الاكراد هي نفسها السياسة البريطانية.  يقول المثل : ( لايلدغ المؤمن من جحر مرتين). ولكن القيادات الكردية مستمرة في نفس السياسات التي تم فيها ارتهان قضية الشعب الكردي لمصالح السياسات الامريكية والبريطانية. ولازالت هذه القيادات تلعب نفس ادوار الدمى بايدي راسمي هذه السياسات ممنين النفس بان يكون لهم شأن في مستقبل المنطقة ناسين ماجرى للدمى الفيتنامية عندما تم ركلهم من ابواب أخر طائرة هيلوكوبتر امريكية منسحبة من اعلى سقف السفارة الامريكية في سايغون أثر هزيمة امريكا.

والملفت هو استخدام مصطلح (اللابشر-Unpeople) من قبل المؤلف كعنوان رئيسي لكتابه بالأضافة لوروده في متن الكتاب. ينسب نعوم جومسكي استخدام هذا المصطلح لاول مرة في الكتابات الادبية، الى جورج اوريل في مؤلفه (1984). ويبين جومسكي كذلك بإن المصطلح قد استخدم بشكل اساسي من قبل مارك كيرتيس في دراساته السياسية.  إن مفهوم (اللابشر) حسب استخدام مارك كيرتس هو التعبير الحقيقي لموقف الأنظمة الامبريالية تجاه العالم.  هم (البشر) حسب مفهومهم، اما البقية في هذا العالم فهم (اللابشر) الذين لااهمية لهم. إن مفهوم (اللابشر) هذا هو جوهر النظام العنصري المتأصل في الأنظمة الراسمالية التي تظهر في بشاعة سياساتها بين فترة وأخرى، من خلال الحروب التي تشنها في مختلف البلدان او من خلال ما تمارسه هذه الانظمة ضد شعوبها. إن نظرة إدارات هذه الانظمة للبلدان التي تقوم بنهبها على مر العصور لاتميز متخادميها في هذه البلدان عن البقية، فهم بنظرها ايضا (لابشر) رغم كل عمليات الحلب والخضوع.  وعندما يجف الضرع لن يكن مصيرهم سوى ركلة في مؤخرتهم.

ينقسم الكتاب الى اربعة أجزاء تشمل العناوين التالية:

الجزء الاول: ألعراق

الجزء الثاني: الدعاية، الواقع

الجزء الثالث:الرعب، العدوان

الجزء الرابع: إنقلابات، ديكتاتوريون

يشتمل الجزء الاول على خمسة فصول. وقد قمت سابقا بترجمة الفصل الخامس من الجزء الاول ونشره، وهو بعنوان (مجازر في العراق: التاريخ السري). والآن إرتأيت بعد تشجيع من أصدقاء بعد معرفتهم بأهمية ما ورد في الكتاب من وثائق، أن اترجم الجزء الاول بجميع فصوله. وساقوم بنشر كل فصل على حدة حالما ان انتهي من ترجمته.

إن اهتمامي بترجمة هذا القسم من الكتاب والخاص بالعراق، يرجع بالأساس الى اهمية ما يحتويه من معلومات تكشف الوجه الحقيقي للأدارتين البريطانية والأمريكية.  إن إيغال الادارة الاستعمارية في جرائمها  في العراق والمنطقة شئ غير مستغرب، لإن هذه وسيلتها في تنفيذ مخططها ومشروعها للمنطقة.  لكن الذي يثير ليس الاستغراب وحده ولكن الإشمئزاز ايضا، هو إيغال الكثير من ادعياء الوطنية، تحت مظلات مختلفة يسارية ودينية وقومية، في تخادمها ولهاثها تحت إرادة المحتل. ممنين النفس بعد ان خلعوا ثياب حيائهم وانحنوا امام إرادة المحتل، بموقع يحفظ لهمم حصصهم من فتات المغانم.  ربما نجد بعض التبرير للكثير من الناس الذين وقفوا متفرجين امام الغزو الانكلو-امريكي.  ولكن وبعد ما يقرب السبعة عشر عاما من جرائم متراكمة للغزو وقرصنة صلفة للبلد، لازال هنالك من يرتضي ان يحول نفسه الى بسطال يستخدمه الاحتلال في محاربته للقوى الوطنية الحقة التي شهرت سيف المقاومة منذ بدأ الاحتلال رغم قلة العدة والعدد.  هذه القوى التي أرخصت الدماء الغالية في سبيل الانعتاق من الاحتلال.

إن هؤلاء السادة من متواطئي الاحتلال الذين إرتضوا منذ البداية، فقط بأن يكونوا البغال التي ركبها الاحتلال لتسهيل الغزو، وانما كذلك بدعوة الناس للترحيب بالقوات الغازية بتقديم الورود لقراصنة العصر الحالي، بلأضافة الى توجيه رسائل الشكر للقرصان الأول رئيس الولايات المتحدة الامريكية.

وألآن وبعد الانكشاف الفاضح للمخطط الاستعماري في استخدام ( داعش) اذا كان من خلال الميدان او من خلال إقرار رموز الادارات الامريكي السابقة واللاحقة بدورهم في ذلك، لايخجل هؤلاء المتواطئون بان يصبحوا خناجر مسمومة في ظهور من حرر العراق من إرهاب داعش وفي اعادة لحمة الوحدة الوطنية من خلال امتزاج دماء مختلف طوائف واعراق الوطن في تحريره من داعش وفي إكمال مسيرة التحرير من ربقة الاحتلال.

ان ماجاء في الكتاب حسب ما أعتقد من معلومات ستساعد الكثير من الوطنيين في تكوين صورة أوضح لما  ولما يمكن ان يجري وستكون عونا في دحر متخادمي الاحتلال.  كما سيكون مفيدا للباحثين في الشأن العراقي المعاصر  ولكل من يهتم بالخلفية الحقيقية لما يظهر على السطح من السياسات الامبريالية.

 

الجزء ألأول- العراق

الفصل الاول- إحتلال العراق: الهجوم على الديمقراطية

مقدمة الكتاب

هذا الكتاب محاولة لكشف واقع السياسة الخارجية البريطانية منذ غزو العراق عام 2003.  كما يحلل عدة حلقات رئيسية في السياسة الخارجية البريطانية السابقة ، ويستكشف بالتفصيل ملفات الحكومة السرية السابقة التي تم تجاهلها من قبل المعلقين العاديين. هذه الملفات تكشف الحقيقة وراء التزام الحكومات البريطانية المفترض بالمبادئ الكبرى مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والسلام والتنمية الخارجية.

بريطانيا متورطة في احتلال لا يحظى بشعبية في الشرق الأوسط ، وفقدت الدولة مصداقيتها على نطاق واسع بين الجمهور ، كما قوضت الاتهامات بالتجسس على الأمم المتحدة دورها الدولي ، في حين تم تهميش بريطانيا فعليًا في الاتحاد الأوروبي.  وحملت المؤسسة الحاكمة توني البلير المسؤولية العامة الكبرى وهذا لم يحدث منذ أنتوني إيدن، الذي لم يكن خطأه  غزوه لدولة أجنبية ( وهي الممارسة العادية لبريطانيا) وانما هزيمته،  في أزمة السويس في 1956.  لقد ازعجت المعارضة الجماهيرية الكبيرة لغزو العراق الحكومة وقد يثبت أنها ردعتها عن مشاريع أخرى.  ومع ذلك ، فإن مسار السياسة الخارجية لحزب العمال الجديد منذ الغزو كان كارثياً من حيث حقوق الإنسان ، ولا يزال يحدث خارج أي تدقيق ديمقراطي ذي مغزى.

تسترشد السياسة الخارجية البريطانية بنخبة صغيرة – ليس فقط حفنة من الوزراء في الحكومات المتعاقبة ، ولكن موظفي الخدمة المدنية والسفراء والمستشارين المحاطين بمجموعة البيروقراطيين المتنفذيين، الذين وضعوا أجندة وأولويات البلاد ، وتحديد دورها في العالم. منذ مارس / آذار 2003 ، اتخذ صانعو القرار هؤلاء سلسلة من الخطوات اللافتة النظر: أولاً ، قيام بريطانيا بتعميق دعمها لإرهاب الدولة في عدد من البلدان. ثانيًا ، تم تطوير خطط غير مسبوقة لزيادة قدرة بريطانيا على التدخل عسكريًا حول العالم ؛ ثالثاً ، قيام الحكومة على زيادة عمليات الدعاية الحكومية الموجهة إلى الشعب البريطاني. ورابعاً ، أعلن راسموا السياسات في الادارة البريطانية، في الواقع أنهم لم يعودوا ملزمين بالقانون الدولي.

الضحايا الرئيسيون للسياسات البريطانية هم (اللابشر) – أولئك الذين تعتبر حياتهم عديمة القيمة ، القابلة للاستهلاك في السعي وراء السلطة والمكاسب التجارية.  إنهم المعادل الحديث “للمتوحشين” في ايام الاستعمار، الذين يمكن أن يتم إخمادهم بالبنادق البريطانية في سرية تامة ، أو في ظروف أخرى حيث يتم الترحيب بالجناة بوصفهم المساهمين في الحضارة.

يعتبر مفهوم اللابشر( Unpeople) أمرًا محوريًا لكل من السياسات البريطانية السابقة والحالية التي تم تناولها في هذا الكتاب.   من خلال تدخلها الخاص ، ودعمها لحلفاء رئيسيين مثل الولايات المتحدة والأنظمة القمعية المختلفة ، كانت بريطانيا وما زالت ، تسيء بشكل منهجي وخطير لحقوق الإنسان.  لقد حسبت أن بريطانيا تتحمل مسؤولية كبيرة عن حوالي 10 ملايين حالة وفاة منذ عام 1945 (انظر الجدول) ، بما في ذلك النيجيريون والإندونيسيون والعرب والأوغنديون والتشيليون والفيتناميون وغيرهم الكثير. في كثير من الأحيان ، تكون السياسات المسؤولة غير معروفة للجمهور وتظل دون بحث من قبل الصحفيين والأكاديميين.

في هذا الكتاب ، أهدف إلى توثيق أول سجل سري لبعض الحلقات في التخطيط الحكومي.  الملفات التي رفعت عنها السرية والتي أشير إليها، مفيدة ليس فقط لما تلقيه من ضوء على الماضي.  وإنما لصلتها مباشرة بالسياسة الخارجية البريطانية الحالية المحيطة بالعراق والتدخل العسكري…..( انظر لاحقا…… التدخل العسكري و “الحرب ضد الإرهاب”.

لم تتغير المصالح والأولويات البريطانية كثيرًا بمرور الوقت ؛ الاختلاف الوحيد كان  أساسا ، في التكتيكات المستخدمة لتحقيقها. من المبادئ الأساسية التي وجهت القرارات المتخذة في هذه الملفات، كان هنالك ثلاثة بدت ملائمة بشكل خاص اخذا بالأعتبار الأحداث الجارية.

المبدأ الأول هوالكذب المنهجي والطبيعي للوزراء البريطانيين للجمهور.   لقد صُدم الكثير من الناس من مدى كذب توني بلير حول العراق؛ قد لا يزال البعض غير قادر على تصديق أنه فعل ذلك.  لكن في كل حالة بحثت فيها عن السياسة الخارجية البريطانية السابقة ، تظهر الملفات أن الوزراء والمسؤولين ضللوا الجمهور بشكل منهجي.  إن ثقافة الكذب على الناخبين وتضليلهم جزء لا يتجزأ من عملية صنع السياسات البريطانية.

المبدأ الثاني ذو الصلة هو أن صانعي السياسة عادة ما يكونون صريحين بشأن أهدافهم الحقيقية في السجل السري.  وهذا يجعل الملفات التي تم رفع السرية عنها أساسًا جيدًا لفهم أهدافهم الفعلية.  هذه الفجوة بين الأهداف الخاصة والمطالبات العامة ليست نتيجة ، في رأيي ، لمؤامرة واعية؛  لكن أولوية الاستراتيجية وراء تضليل الجمهور تنبع من الإزدراء ألمزمن لعامة السكان.  إن نظام صنع القرار في السياسة الخارجية سري للغاية ونخبوي وغير خاضع للمساءلة بحيث يعرف صانعوا السياسة أنهم يستطيعون الإفلات من أي شيء تقريبًا ، وسوف ينشرون أي حجج يحتاجونها للقيام بذلك.

المبدأ الأساسي الثالث هو عدم وجود  الأهتمامات  الإنسانية على الإطلاق في الأساس المنطقي وراء السياسة الخارجية البريطانية.  في آلاف الملفات الحكومية التي بحثت فيها لأجل هذا الكتاب وغيره ، بالكاد رأيت أي إشارة إلى حقوق الإنسان على الإطلاق. عندما يتم التذرع بهذه المخاوف ، فهي فقط لأغراض العلاقات العامة.

في الوقت الحالي ، سيجعلنا العديد من المعلقين العاديين نعتقد بوجود “عقيدة بلير” ، التي تبرر التدخل العسكري لأغراض إنسانية. ان مثل هذا الولاء من جانب هؤلاء المعلقين ، هو مثال جيد على كيفية استخدام التصريحات العامة للقادة بدون مسائلة لتحديد إطار التحليل داخل الثقافة السياسية الليبرالية.  إذا كانت هناكما يسمى  “عقيدة بلير” ، فإنها تنطوي بالفعل على درجة غير مسبوقة من التدخل العسكري – ولكن لتحقيق بعض الأهداف التقليدية للغاية.  إن التأثير الفعلي للسياسات الخارجية على الشعوب الأجنبية لم يكن له ولن يكون له صلة بالموضوع.

الجزء ألأول: العراق

 

الفصل الأول – إحتلال العراق: الهجوم على الديمقراطية

 

إن السياسة البريطانية الحالية تجاه العراق ليست جديدة من نواح كثيرة. إن العديد من جوانب الغزو والاحتلال هي سمات طبيعية ودائمة للسياسة الخارجية البريطانية ، على وجه الخصوص: انتهاك القانون الدولي ، وانتهاك الحكومة للأمم المتحدة ، وخداعها للجمهور ودعمها للعدوان الأمريكي.

ومع ذلك ، فإن ما كشفته حلقة العراق لأعداد كبيرة من الناس هو طبيعة صناع السياسة الخارجية البريطانية: عصابة من المستشارين غير المنتخبين حول رئيسها ، رئيس الوزراء ، تتخذ قرارات بطريقة غير خاضعة للمساءلة ومركزية على نحو متزايد ، وازدراء للقيود المفروضة على سلطتهم من قبل الرأي العام والقانون الدولي.

في الواقع ، هناك شيء مشترك بين الشعبين البريطاني والعراقي: كلاهما يُنظر إليهما على أنهما تهديد لصانعي السياسة ، يسيطرعليهما بالعنف في حالة العراق والدعاية في حالة بريطانيا.  هناك تناظر بين الهجوم على الديمقراطية في بريطانيا (واضح في الغزو ، عارضه غالبية الجمهور) والهجوم على الديمقراطية في العراق (واضح في الاحتلال ، الذي يحاول فرض الأولويات الأنجلو أمريكية على حركة المقاومة الشعبية، على نحو متزايد).

الديمقراطية البريطانية في العمل

يوضح اللاعبون الرئيسيون الثلاثة في قلب حلقة العراق – داونينج ستريت والبرلمان ووسائل الإعلام – الطبيعة الحالية للديمقراطية في بريطانيا.

كانت عصابة بلير – التي تتكون من أقرب مستشاريه للسياسة الخارجية في داونينج ستريت – تقود حملة دعائية غير مسبوقة لخداع الجمهور ، واستولت على سلطة الدولة إلى درجة غير مسبوقة ، حتى إلى حد الاستيلاء على وظائفها القانونية.  تم الكشف عن النظام السياسي “الديمقراطي” في بريطانيا على أنه نوع من الاستبداد الشخصي. علاوة على ذلك ، لا توجد آليات رسمية داخل النظام السياسي البريطاني لكبح جماحه. وقد أنشأ رئيس الوزراء لجنتي تحقيق هاتون وباتلر ، وكما كان متوقعا برأت اللجنتان التحقيقية الحكومة من التصرف بسوء نية، أو بأجراء التعديلات التجميلية اللازمة على التقارير المخابراتية عن العراق لجعلها “اكثر مقبولية”، في تحد لجميع الأدلة.  وقد اقترحت اللجنة أن يتم تحميل الحكومة وعلى مراحل تهمة فقدان المحاسباتية، الشئ الذي  لايمكن تصور حدوثه في دول خارج الكتلة السوفيتية السابقة.

خذ بعين الاعتبار أيضًا فشل مختلف اللجان البرلمانية الحزبية في مساءلة الحكومة. على سبيل المثال ، وجد تقرير لجنة الشؤون الخارجية حول قرار الحرب أن “الوزراء لم يضللوا البرلمان” واتفقوا مع الحكومة على أن العراق “خطر حقيقي وحاضر”. كما خلصت إلى أن الادعاءات الواردة في ملف الحكومة في أيلول 2002 ، والتي تزعم جميع أنواع التهديدات من العراق والتي ثبت أنها هراء منذ ذلك الحين ، كانت “قائمة على أساس المعلومات الاستخباراتية المتوفرة آنذاك”. [1] هذه اللجان المختارة هي الوسيلة الأساسية التي يتم من خلالها التدقيق في صنع السياسات نيابة عن الجمهور.

عشية الغزو ، تبين أن غالبية الجمهور البريطاني ، 58 في المائة ، يعارضون الحرب. وأشار المارشال بريان بوريج ، قائد القوات البريطانية في الغزو ، في وقت لاحق إلى أننا “دخلنا في هذه الحملة بتأييد شعبي 33 في المائة؟ [2]

لكن البرلمان ما زال يؤيد الحرب. في الواقع ، لقد صوت عدد أكبر من أعضاء البرلمان  لمعارضة الحكومة بشأن الحظر المقترح على صيد الثعالب أكثر مما صوتوا على القرارالمطروح بشأن غزو العراق – وربما هذا دليل على أن الذين من المفترض ان يمثلوا الشعب البريطاني، تكون الحيوانات بالنسبة لهم أكثر أهمية من (اللابشر).  بعد الجدل البرلماني حول تقرير بتلر في 2 يوليو 2004 ، صوت 4 نواب فقط ضد الحكومة. وفي الوقت نفسه ، أظهر استطلاع للرأي أن 55 في المائة من الجمهور يعتقدون أن توني بلير كذب بشأن الحرب. إن “العجز الديمقراطي” في الثقافة السياسية البريطانية يزداد إتساعا الآن.

يبرز غزو العراق الحاجة لإجراء تحول في طريقة حكم بريطانيا – وهو أمر يبدو الآن واضحًا حتى بالنسبة لبعض مؤيدي الحرب. يجب أن يُعد إبقاء مناقشة هذا الأمر بعيدًا إلى حد كبير عن أجندة وسائل الإعلام السائدة التي هي واحدة من نجاحات الدعاية الكبرى للنخبة ، وهي علامة أخرى على النقص الشديد في الديمقراطية على صعيد الثقافة البريطانية السائدة. في حين أن الكثيرين في وسائل الإعلام يثنون على أنفسهم لعدم السماح لبلير “برسم خط” تحت قضية العراق ، إلا أنهم فعلوا ذلك بالفعل في أهم جوانبها.

في ضوء ذلك ، فإن إنتقاد وسائل الإعلام المتزايد والشخصيً لبلير هو عرض جانبي: فان النظام ، وليس الأفراد الذين يرأسونه ، هو المشكلة.  حماية النظام هي وظيفة أساسية لوسائل الإعلام السائدة – يمكننا أن نتوقع أنه بمجرد سقوط بلير ومجيئ وجوه جديدة مختلفة في السلطة (مما لا شك فيه سيقومون بتعزيز السياسات نفسها بشكل أساسي) ، ستصبح القضية الحقيقية مدفونة بعمق أكبر. والواقع أن العديد في وسائل الإعلام يطالبون بلير الآن وعلانية بالاستقالة على وجه التحديد لأنه أصبح مسؤولا أمام النظام: لم يعد عدد أكبر من الجمهور يثق به ، ويعلمون أن “الديمقراطية” هي واجهة ، وبالتالي تشكل تهديدا إلى النخبة الأوسع. ومع ذلك ، فإن المشكلة بالنسبة لهذه النخبة هي أنه من الصعب عليهم حتى أن يزيلوا عصابة بلير لأن الوحش الذي خلقوه هو في الواقع مركزي للغاية.

صحيح أنه منذ بدء الاحتلال ، كان هناك انتقاد كبير لسياسة الحكومة في وسائل الإعلام السائدة ، وبعض التقارير الشاملة في صحيفتي الغارديان والأندبندنت، التي كشفت عما جائت به تحقيقات لجنة هوتون. هذا الموقف يمكن تفسيره جزئيًا من خلال حاجة وسائل الإعلام للدفاع عن نفسها ضد أليستر كامبل ، مدير الاتصالات السابق لبلير ، ومن هجوم تقرير هوتون على بي بي سي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن معايير النقاش المقبول قد تم توسيعها من داخل المؤسسة ، والتي عارض الكثير منها غزو العراق ، لأسباب تتعلق بالمصلحة الذاتية: رسالة أبريل 2004 ، التي تحدثت ضد السياسة البريطانية في العراق وإسرائيل وتم التوقيع عليها من قبل 52 دبلوماسيا كبيرا سابقا ، يظهر كيف نجحت عصابة بلير في جعل بعض من سياسي  النخبة التي ينتمي لها ان تنفر من سياسته.

ومع ذلك ، كانت الحكومة قادرة على غزو واحتلال العراق بسبب الكثير من فشل وسائل الإعلام في فضح الدعاية الواضحة والاستعداد المنتظم لترديدها. في الوقت الذي نُشر فيه ملف سبتمبر 2002 ، كان من الواضح أن عصابة بلير كانت عازمة على غزو العراق وستجد أي مبرر للقيام بذلك. ومع ذلك ، فشلت وسائل الإعلام السائدة بشكل منهجي في فضح هذه  الوثيقة (الملف) وإظهارها كدعاية واضحة للدولة.  لقد تم أخذ الكثير منها على محمل الجد ، ليس فقط من قبل الصحافة الشعبية ، مع انتقادات وتحليلات معتدلة فقط. منذ ذلك الحين وحتى فترة الغزو ، قامت الصحافة بنشر ادعاءات  الحكومتين البريطانية و الامريكية  عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وعن صلاته بالقاعدة دون انتقاد.

ومثلما كان الجدل هو تصوير وكالات “المخابرات” و “الأجهزة الأمنية كجهات فاعلة مستقلة ومحايدة تقدم مواد موضوعية للحكومة للعمل عليها. ومع ذلك ، فإن الكثير من عمل وكالات “الاستخبارات” يهدف إلى تعزيز التضليل ، وهو دور سيناقش في الفصل 3.

ومن السخافة أيضًا التواطئ الذي مارسته وسائل الإعلام من اجل تصوير بريطانيا كقوة عازمة على الحد من أسلحة الدمار الشامل. إن بريطانيا ليست فقط قوة نووية رائدة وليس لديها نية لإلغاء ترسانتها الخاصة (في تحد لالتزاماتها الدولية) ، بل إنها تطور أيضًا جيلًا جديدًا من هذه الأسلحة.  بينما كان النقاش حول أسلحة الدمار الشامل العراقية جارياً.  كان الوفد البريطاني في الأمم المتحدة يعارض العديد من قرارات الجمعية العامة التي تدعو الدول النووية إلى تخفيض وإلغاء ترساناتها.   في الدورة السابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة ، التي بدأت في سبتمبر 2002 ، صوتت بريطانيا ضد ثلاثة قرارات من هذا القبيل وامتنعت عن التصويت على قرارين آخرين. في كل هذه الأصوات ، صوتت أكثر من مائة دولة لصالحها ، في حين أن بريطانيا يمكن أن تحسب أقل من خمسة حلفاء (واحدة منها كانت دائمًا الولايات المتحدة).[3]  لم يتم الإبلاغ عن أي من هذا في وسائل الإعلام الرئيسية ، التي فضلت أن تأخذ على محمل الجد الالتزام الأخلاقي ل”حزب العمال الجديد” لإلغاء أسلحة الدمار الشامل.

لقد تم توثيق الدور الإيديولوجي لوسائل الإعلام الرئيسية في العراق بشكل جيد في العديد من الدراسات الأكاديمية وكذلك من قبل منظمة Medialens ، التي تقدم حاليًا التحليل الأكثر دقة لتقارير وسائل الإعلام. وقد لاحظت ، على سبيل المثال:

إن الأكاذيب ذات الأهمية مثل: أن التجربة السابقة أثبتت أن الحرب كانت ضرورية لفرض نزع سلاح العراق ، وأن أسلحة الدمار الشامل المزعومة تمثل تهديدًا خطيرًا ، وأن هناك “حجة أخلاقية للحرب” ، وأن الحكومتين الأمريكية و البريطانية قد بذلتا كل الجهود لإيجاد بديل دبلوماسي للحرب – كل هذه الاكاذيب ذهبت دون أي اعتراض تقريبا من قبل ال(بي بي سي) ووسائل الإعلام بشكل عام”.[4]

إن تصوير هيئة الإذاعة البريطانية على أنها إما محايدة أو حتى معارضة  للحرب، يعتبر إنجازًا مذهلاً آخر للعلاقات العامة. في الواقع ، ومن خلال تحليل مستقل، تم إظهار ان ما تنتجه “أخبار” المؤسسة الحاكمة هي فقط  وباستمرار لدعم أولويات الدولة.[5] ونادرا ما يتم التشكيك في التزامات بلير “الأخلاقية” في العراق؛ الشيء الذي تم القيام به هو التشكيك فقط في التكتيكات لتحقيق أهدافه “الإنسانية” المفترضة.  لم يتم على الإطلاق، التطرق الى الدور الذي لعبته العقوبات التي كانت تفرضها بريطانيا والولايات المتحدة في فقدان مئات الآلاف من العراقيين حياتهم. كما تواصل وسائل الإعلام الرئيسية بث التأكيد البريطاني والأمريكي على أنهم يسعون إلى “الديمقراطية” في العراق بينما لا يتم وصف المتمردين على الإطلاق بحركة المقاومة التي يمثلونها.

في آيار 2004 ، تم توجيه قدر كبير من الاهتمام الإعلامي إلى الانتهاكات بحق العراقيين الذين كانت تحتجزهم القوات الأمريكية. لكن هذه الأعمال الشنيعة كانت عرضاً جانبياً للمجازر التي تمت بحق المئات من العراقيين في الفلوجة وأماكن أخرى في نفس الوقت.  ان تحويل الانظار نحو أبو غريب كانت لضمان ان لا تكون هذه الانتفاضات في الأخبار ، ونادراً ما تم وصف قمعها بالمجازر وهو الوضع الذي كانت عليه.

 

الغزو والاحتلال

أمرت حكومة بلير القوات البريطانية بالدخول في غزو واحتلال وحشي، ليس رداً على تهديد من العراق ولكن لتعزيز أهداف السياسة الخارجية التقليدية وإثبات العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.  هذا في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة بوضوح نيتها في حكم العالم بالقوة ، خارج القانون الدولي ومتحررة من القيود المفروضة من قبل العديد من المؤسسات أو الاتفاقات المتعددة الأطراف. عمل بلير كأكبر مدافع على الصعيد العالمي عن السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة بوش. وقال أمام الكونجرس الأمريكي في 06 تموز 2003 : لم يكن هناك وقت كانت فيه قوة أمريكا ضرورية للغاية ، أو أسيء فهمها.[6]

يبدو أن قرار واشنطن بغزو العراق يعود إلى يومين بعد 11 ايلول 2001 ، عندما جادل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز بضرب بغداد لكنهما قررا أفغانستان أولاً. بعد أسبوع ، في عشاء خاص في واشنطن ، طلب جورج بوش من توني بلير دعمه في إزالة صدام، بحسب كريستوفر ماير ، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة.  واتفق بوش مع بلير على ضرورة ضرب أفغانستان أولاً ، لكنه قال “يجب أن نعود إلى العراق” ، وعلى هذا قال بلير ، بحسب ماير ، إنه “لا شيء يعيقه”.  في غضون أسابيع من سبتمبر / أيلول ، قيل أن السير ريتشارد ديرلوف ، رئيس MI6 ، سافر إلى واشنطن لإجراء مناقشات حول السياسة مع مستشارة الأمن القومي الأمريكية كوندوليزا رايس حول تغيير النظام في العراق وحول القاعدة.[7]

يبدو أن قرار توني بلير بالانضمام إلى الولايات المتحدة في غزو العراق قد تم اتخاذه في سبتمبر 2002 على أبعد تقدير وربما في أبريل 2002 – في اجتماعات مع الرئيس بوش. [8]  تقرير بتلر مثير للاهتمام في هذا الصدد ، ويشير إلى “التغييرات البريطانية في السياسة تجاه العراق في أوائل عام 2002”.    في مارس / آذار ، نظرت الحكومة في خيارين “لتحقيق هدف نزع السلاح العراقي” – “تشديد سياسة الاحتواء الحالية ؛ وتغيير النظام بالوسائل العسكرية “.   يذكر تقرير بتلر ما يلي:

استنتاج الحكومة في ربيع عام 2002 بوجوب اتخاذ إجراء أقوى (على الرغم من أنه ليس بالضرورة عملًا عسكريًا) لفرض نزع سلاح العراق، لم يكن قائمًا على أي تطور جديد في الصورة الاستخباراتية الحالية بشأن العراق. وفي الدليل الذي تم تقديمه ، أيد رئيس الوزراء الرأي المعرب عنه في ذلك الوقت بأن ما تغير لم يكن وتيرة برامج الأسلحة المحظورة في العراق ، والتي لم يتم تكثيفها بشكل كبير ، ولكن التسامح معها عقب هجمات 11 سبتمبر 2001.

كما لاحظ بتلر أنه في هذا الوقت “لم تكن هناك معلومات استخباراتية حديثة كانت ستؤدي في حد ذاتها إلى استنتاج مفاده أن العراق كان مصدر قلق فوري أكثر من أنشطة بعض البلدان الأخرى”. [9]

يبدو أن بريطانيا انضمت إلى التخطيط العسكري الأمريكي لغزو العراق في يونيو 2002 ، وعند هذه النقطة ، وفقا لرؤساء الجيش البريطاني ، تم تحديد موعد مستهدف “ربيع 2003 أو خريف 2003”. بدأ التخطيط العسكري الأكثر تحديدًا ، بما في ذلك “العمليات الإعلامية” في سبتمبر 2002. [10]

يتزامن هذا التاريخ مع أمر بلير بإنتاج ملف ، يهدف إلى تقديم مبررات للحرب ، في حين يدعي أنه كان مجرد استعراض للمعلومات المخابراتية التي كانت لدى بريطانيا بشأن التهديد الذي يشكله العراق.  لعدة أشهر ، وربما حتى عام ، تم الإبقاء على الزعم للجمهور بأن قرار الحرب لم يتخذ.

بحلول أوائل عام 2003 ، لم يكن التهديد الحقيقي الذي وجهه العراق إلى وايتهول(مقر الحكومة البريطانية) حيازة أسلحة الدمار الشامل ، بل حقيقة أن العراق بدأ في التعاون مع مفتشي الأسلحة.  في 7 آذار ، قبل أسبوعين من الغزو ، أخبر كبير مفتشي الأسلحة الدوليين هانز بليكس مجلس الأمن أن العراق ، على الرغم من أنه لا يتعاون بشكل كامل بأي حال من الأحوال ، فإنه يتخذ “العديد من المبادرات … بهدف حل قضايا نزع السلاح المفتوحة التي طال أمدها” وذلك يمكن اعتبار هذا على أنه تعاون “نشط” أو حتى “استباقي”. بعد الغزو ، أبلغ بليكس مجلس الأمن بأن لجنة تفتيش الأسلحة التابعة له ، أنموفيك ، لم تجد في أي وقت خلال عمليات التفتيش في العراق دليلا على استمرار أو استئناف برامج أسلحة الدمار الشامل أو كميات كبيرة من المواد المحظورة – سواء من قبل 1991 أو في وقت لاحق “. [11]

كانت في اساس الأهداف الفعلية للغزاة هي في ضمان أن يكون للعراق حكومة موالية للغرب ، وتزويد الولايات المتحدة بالقواعد العسكرية اللازمة لإعادة تصميم الشرق الأوسط ، وأن يتدفق النفط وفقًا لمصالح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ؛ إن تحقيق الهدفين الأخيرين سيوفر بديلاً لاعتماد الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية.  تم توضيح الاهتمام البريطاني في تأمين إمدادات طاقة أجنبية جديدة في الفصل 4.

أن تهديد أسلحة الدمار الشامل العراقية كان إلى حد كبير ذريعة لتأمين المصالح الأمريكية الأساسية ، وقد اعترف به نائب وزير الدفاع بول وولفويتز ، الذي أخبر مجلة فانيتي فير أن قضية أسلحة الدمار الشامل تم اختيارها لأغراض النفعية السياسية: “الحقيقة هي أنه لأسباب لها الكثير فيما يتعلق بالبيروقراطية الحكومية الأمريكية ، توصلنا إلى تسوية حول قضية واحدة يمكن أن يتفق عليها الجميع – وهي أسلحة الدمار الشامل – كسبب أساسي ‘. وأشار إلى أن النتيجة “الضخمة” للحرب هي فرصة للولايات المتحدة لسحب القوات من المملكة العربية السعودية. [ 12]

وأشار جاي غارنر ، الجنرال الأمريكي المتقاعد الذي كان يدير سلطة الاحتلال في العراق في الآونة الأخيرة ، إلى أن: من أهم الأشياء التي يمكننا القيام بها الآن هو البدء  في توطيد الحقوق. . ، انظر إلى الفلبين في مطلع القرن العشرين: لقد كانت محطة فحم لسلاح البحرية ، وهذا سمح لنا بالحفاظ على وجود كبير في المحيط الهادئ. هذا ما سيكون عليه العراق في العقود القليلة القادمة: محطة الفحم التي تمنحنا حضورًا كبيرًا في الشرق الأوسط. [13]

وبالفعل ، في أوائل عام 2004 ، كانت الصحافة الأمريكية تشير إلى أن “المهندسين العسكريين الأمريكيين يشرفون على بناء نظام معزز للقواعد الأمريكية مصمم لسنوات طويلة”.  تم بناء 14 قاعدة دائمة مع خطط للعمل من قواعد عراقية سابقة في بغداد ، الموصل ، التاجي ، بلد ، كركوك وفي مناطق بالقرب من الناصرية ، بالقرب من تكريت ، بالقرب من الفلوجة وبين أربيل وكركوك.  وقد كان من المتوقع أن يظل عدد القوات الأمريكية الموجودة حاليًا في العراق – حوالي 110،000 – كما هو حتى عام 2006. [14]

كان هناك سبب آخر للحرب ، حسب بلير ، مكررا ذلك في مناسبات عديدة في الخطب والمؤتمرات الصحفية.  كان هذا الهدف هو نفسه الذي تم تقديمه من اجل قصف يوغوسلافيا في عام 1999 وأفغانستان في عام 2001 ، والتي لم يتم الإبلاغ عنها مرة أخرى إلى حد كبير. قال بلير قبل شهر من الغزو إنه إذا “فشلنا في إتخاذ القرار” ، عندئذ “عندما نتجه للتعامل مع التهديدات الأخرى ، فأي تأثير سيكون لسلطتنا؟ وعندما نطالب في المرة القادمة ، ماذا ستكون عليه مصداقيتنا؟ ”  في مؤتمر صحفي في كامب ديفيد في فبراير قال بالمثل أنه إذا “تراجعنا” وإذا “تخلى العالم عنا”  ففكر في الإشارة التي سيرسلها هذا التصرف مباشرة عبر العالم إلى كل ديكتاتور وحشي. [15]

ما كان يريد بلير بقوله هو أن حكام العالم يجب أن يظهروا بالأساس من هم اصحاب الأمر هنا، وإلا فإن “مصداقيتهم” قد يتم تحديها. ان استعلراض القوة الغاشمة لها قيمة.  بعد الغزو قال بلير:

يمكنك أن ترى فيما يتعلق ببلدان مثل سوريا وإيران ، حيث لا تزال لدينا قضايا كبيرة نحتاج إلى مناقشتها معها ونحتاج إلى حلها معهم ، ومع ذلك يمكننا القيام بذلك الآن في جو مختلف تمامًا عما كان ممكنًا منذ اشهر. [16]

تترجم الى : الآن بعد أن ضربنا العراق ، أصبح أعداؤنا الآخرون أكثر سهولة. هذا هو الشر الذي يكمن وراء واجهة السياسة الخارجية البريطانية.

كان الغزو وحشي للغاية. وتتراوح الأرقام من 10000 حالة وفاة بين المدنيين فقط ، مع إصابة 20000 على الأقل ، إلى تقدير آخر لـ 22000-55000 ، وهو رقم يشمل الوفيات العسكرية والمدنية من الأمراض الناجمة عن تدمير الحرب للبنية التحتية الصحية. [17]

لا يقوم المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون بحساب عدد القتلى المدنيين، أثناء الحرب أو الاحتلال.  وقد صرحت الحكومة في عدة مناسبات “ليس لدينا وسيلة قابلة للتثبت من عدد القتلى أو الجرحى العراقيين خلال النزاع”.  كما رفضت دعوات في البرلمان لإجراء مسح لعدد القتلى خلال فترة الغزو. [18]

استخدمت القوات البريطانية والأمريكية حوالي 13000 قنبلة عنقودية تحتوي على مليوني قنبلة صغيرة قتلت أو أصابت أكثر من 1000 مدني. وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش ومقرها الولايات المتحدة ، فإن حوالي 90 ألف قنبلة صغيرة لم تنفجر بعد.  تنتشر في البلاد مع ألغام الأرضية من المؤكد انها فعالة.

استخدمت بريطانيا 2170 قنبلة عنقودية تحتوي على 113000 ذخيرة صغيرة. ومع ذلك ، كان لدى الحكومة الجرأة على الادعاء في يونيو 2003 “نحن على علم بعدم وقوع خسائر مدنية مثبتة ناجمة عن الأسلحة العنقودية التابعة للمملكة المتحدة”.  في المقابل ، تفيد هيومن رايتس ووتش بما يلي:

تسببت القوات البريطانية في سقوط عشرات الضحايا من المدنيين عندما استخدمت الذخائر العنقودية التي تطلق من الأرض ،في البصرة وحولها.  تضررت بشكل كبير ثلاث أحياء في الجزء الجنوبي من المدينة.  وفي ظهر يوم 23 مارس / آذار ، أصابت غارة عنقودية حي المهندسين الكبرى، بينما كان عباس كاظم ، 13 عاماً ، يرمي القمامة.  أصيب بإصابات حادة في الأمعاء والكبد ، وشظية لا يمكن إزالتها بالقرب من قلبه … بعد ثلاث ساعات ، غطت الذخائر الصغيرة حي المشراق الجديد على بعد كيلومترين ونصف شمال شرق المدينة. إياد جاسم إبراهيم ، نجار في السادسة والعشرين من عمره ، كان نائماً في الغرفة الأمامية لمنزله عندما تسببت إصابات الشظايا له في فقدان وعيه. توفي في وقت لاحق اثناء العملية الجراحية التي اجريت عليه. وأصيب عشرة أقارب كانوا نائمين في مكان آخر في المنزل بجروح من شظايا. عبر الشارع ، أصابت الغارات العنقودية ثلاثة أطفال.

كما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بشن ضربات جوية ضد وسائل الإعلام والمنشآت الكهربائية والمدنية .وقد أوردت هيومن رايتس ووتش في تقريرها بأن  “من المحتمل أن يكون لبعض الهجمات على مرافق توزيع الطاقة الكهربائية في العراق تأثير ضار خطير وطويل الأمد على السكان المدنيين” ، وذلك لما سببته من تأثير على محطات معالجة المياه والصرف الصحي والرعاية الطبية. ويشير التقرير كذلك إلى أن تدمير الولايات المتحدة لثلاثة مرافق إعلامية عراقية منفصلة “كان مشكوكًا في شرعيته” حيث لم يكن هناك دليل على استخدام وسائل الإعلام لدعم الجهد العسكري العراقي. [20]

كما تم استخدام ما بين 1000 و 2000 طن من اليورانيوم المستنفد. وفقا لمجلس أبحاث اليورانيوم الطبي، فقد تم تسميم  المدن الرئيسية في العراق بالإشعاع من هذه القذائف والصواريخ. [21]

مباشرة بعد سقوط نظام صدام ، اتخذ الاحتلال مسارًا عنيفًا، كما هو المتوقع.  منذ البداية ، فتحت القوات الأمريكية النار على المدنيين العزل ، وقتلت المتظاهرين السلميين ، بل أطلقت النار على سيارات الإسعاف ، وقتلت أو أصابت ركابها.  قُتل مئات الأشخاص في السنة الأولى من الاحتلال ، معظمهم على أيدي القوات الأمريكية ، التي لجأت غالبًا إلى الأساليب الوحشية للسيطرة على السكان.  ويجري هدم المنازل كشكل من أشكال العقاب الجماعي ، وهي أعمال غير قانونية.  كما أفادت الصحافة بوجود قوة شرطة سرية تعمل بموافقة بريطانية في جنوب العراق تم اتهامها باختطاف المشتبه بهم الذين أسيئت معاملتهم فيما بعد أثناء الاحتجاز و “اختفوا” في بعض الحالات. كما ورد أن المستشارين الإسرائيليين يدربون “القوات الخاصة الأمريكية” على “العمليات العدوانية المضادة للتمرد” ، بما في ذلك استخدام فرق الاغتيال “.[22]

في مواجهة المعارضة المتزايدة للاحتلال ، فضلا عن التفجيرات المروعة ضد أهداف أمريكية وعراقية ، صعدت الولايات المتحدة الحرب في نوفمبر 2003. عندها بدأت “العمليات الهجومية” الجديدة ، موجهة إلى “حركة العصابات المتنامية” في العراق ،  والتي تضمنت معدات ثقيلة مثل الطائرات الحربية واستخدام الطائرات للمرة الأولى منذ أعلن بوش انتهاء الحرب. وبدأت مرحلة أخرى أكثر خطورة في نيسان 2004 عندما قررت الولايات المتحدة ، رداً على مقتل أربعة من حراس الأمن الأمريكيين الخاصين ، قمع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. وشنت هجمات مروعة على الفلوجة ومدن أخرى أدت إلى مقتل مئات الأشخاص ، نصفهم من المدنيين والأطفال. قتلت القوات البريطانية ما يصل إلى 40 شخصًا في مذبحة بالقرب من بلدة العمارة في مايو 2004. [23]

بدأ الهجوم على الفلوجة بقطع التيار الكهربائي وشمل أيامًا من القصف المكثف ، بما في ذلك قصف المدينة بقنابل زنة 500 رطل. أشارت التقارير إلى أن القوات الأمريكية أطلقت النار بشكل عشوائي على الأشخاص واستهدفت سيارات الإسعاف ، في حين أغلق جنود مشاة البحرية الأمريكية المستشفى الرئيسي لسكان المدينة البالغ عددهم 300 ألف شخص لأكثر من أسبوعين من أجل استخدامه كموقع عسكري ، وهو انتهاك لاتفاقية جنيف. طبقاً لعمال الإغاثة ، مات العديد من الجرحى نتيجة لذلك. بعد الهجوم ، وصف عمال الإغاثة المدينة بأنها مدينة أشباح بعد أن تدفق السكان  بعشرات الآلاف هاربين من المدينة.[24]

ونتيجة لهذه العمليات ، قام أحد أعضاء مجلس الحكم العراقي الذي عينته الولايات المتحدة بتعليق عضويته ووصف  عضو آخر هذه العمليات بـ “العقاب الجماعي لأهل الفلوجة” ، وهو “غير مقبول وغير قانوني”.  ومع ذلك ، فإن الهجوم على الفلوجة كان مدعومًا تمامًا من قبل توني بلير ، الذي أخبر أعضاء البرلمان أنه “من المناسب تمامًا والملائم أن يتخذوا إجراءات ضد هؤلاء المتمردين” ، مضيفًا “يؤسفني بشدة أي وفاة مدنية في الفلوجة ، ولكن من الضروري أن تتم استعادة النظام “. وبرر بلير الهجوم تحت الذريعة العامة لمحاربة “عناصر النظام السابق” و “الإرهابيين الخارجيين”. ومع ذلك ، كما ذكرت الجارديان ، “لم يتمكن أولئك الذين من الفلوجة من فهم الادعاء. لم يكن المتمردون إرهابيين بل عراقيون ، ولم يدعموا النظام القديم وكانوا يخوضون حربًا وطنية ضد الاحتلال الأمريكي فقط”.  تم تمرير مذبحة الفلوجة بسرعة في وسائل الإعلام ، في حين أن القتل الإرهابي لـ 200 شخص في مدريد حصل على تغطية مكثفة لأكثر من أسبوعين. [25]

بحلول مايو 2004 ، أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة وبريطانيا تواجهان حركة مقاومة شعبية متزايدة.  كان الاحتلال يتماثل مع المحاولات الاستعمارية السابقة لإخضاع الانتفاضات القومية ، فظهرت حرب تحرير وطني ، وحدت مجموعات مختلفة. على عكس التصريحات العلنية للوزراء البريطانيين ، أشارت مذكرة وزارة الخارجية التي تم تسريبها في آيار 2004 إلى أن التمرد “لديه خزان من الدعم الشعبي ، على الأقل بين السنة”. [26]

كانت الاستجابة واضحة.  حيث صرح بول بريمر ، المسؤول الأمريكي ، الذي بدا وكأنه نائب الملك: “سنقاتلهم ونفرض إرادتنا عليهم وسنأسرهم أو نقتلهم إذا لزم الأمر حتى نفرض القانون والنظام على هذا البلد”. قبل مغادرته البلاد بعد “نقل السلطة” الخيالي في منتصف عام 2004. [27]

وأشار تقرير صادر عن مركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومقره الولايات المتحدة، في يونيو 2004 إلى أن “إدارة بوش ترتكب جرائم حرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي في العراق كمسألة سياسة روتينية”.  ووثقت عشر فئات من الانتهاكات.  وشملت هذه الانتهاكات: “الهجمات غير القانونية” التي تنطوي على “خسائر مدنية واسعة النطاق وغير ضرورية” ؛ “الاعتقال غير القانوني والتعذيب” الذي ينطوي على اعتقالات عشوائية مع العلم بان حوالي 90 في المائة من المعتقلين من المارة الأبرياء الذين جرحوا في الاعتقالات الجماعية غير القانونية ؛ و “العقاب الجماعي” ، الذي تضمن “الاستفادة من تجربة التكتيكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة” عن طريق هدم منازل المدنيين وإغلاق مدن وقرى بأكملها و “استخدام القوة العشوائية والساحقة في المناطق الحضرية المزدحمة”. [28]

تصرفت قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية باستمرار دون عقاب. أفادت هيومن رايتس ووتش في  تشرين الأول 2003 عن مقتل 94 مدنياً في بغداد وحدها ” انطوت على ظروف قانونية مثيرة للتساؤل، كان ينبغي التحقيق فيها”. لكن الجيش الأمريكي “فشل في إجراء تحقيقات مناسبة في وفيات المدنيين الناجمة عن الاستخدام المفرط والعشوائي للقوة”. وبعد مرور عام على الاحتلال ، لم تتم مقاضاة جندي أمريكي واحد لقيامه بقتل مدني عراقي بطريقة غير قانونية “.

وحتى منتصف عام 2004 ، كان الجيش البريطاني يحقق في مقتل 75 مدنياً عراقياً على أيدي القوات البريطانية. وعلق فيل شاينر ، وهو محام يعمل لصالح أولئك الذين قتلتهم القوات البريطانية ، بالقول: “يمكن للقوات البريطانية ، وأولئك الذين يقودونها ، أن يقتلوا دون عقاب لأنه لا توجد آلية فعالة للمساءلة في القانون المحلي أو الدولي”. ويحتفظ الجيش البريطاني بوحدة سرية داخل سجن كامب بوكا الذي تديره الولايات المتحدة بالقرب من مدينة أم قصر الساحلية ، حيث عُرف أن الجنود الأمريكيين يسيئون معاملة العراقيين. [30]

أشار تقرير صادر عن الصليب الأحمر في مايو / أيار 2004 إلى “عدد من الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي” من قبل القوات الأمريكية ، بما في ذلك “الوحشية” في الحجز ، و “الإكراه البدني أو النفسي أثناء الاستجواب” ، والحبس الانفرادي المطول في الزنزانات دون ضوء النهار و ” الاستخدام المفرط والقاسي والغير المتناسب للقوة ، مما يؤدي إلى الوفاة أو الإصابة “. وشملت الأساليب المستخدمة غطاء الرأس وتقييد اليدين و “الضغط على الوجه بالأحذية” والتهديدات وتجريدهم من ملابسهم لعدة أيام وأعمال الإذلال والتعرض للضوضاء الصاخبة.  أصبحت هذه الأساليب ، التي تنطوي على جرائم حرب ، ممارسة أمريكية عادية ، تم استخدامها في كل من خليج جوانتانامو وأفغانستان ، وربما أيضًا في مراكز احتجاز أمريكية أخرى في باكستان والأردن ودييجو جارسيا.  في الواقع ، لقد تم تعليمها لجنود المخابرات العسكرية الأمريكية والبريطانية في قواعد في بريطانيا وأماكن أخرى ، وتعرف بتقنيات “مقاومة الاستجواب” ، وربما يكون الافضل الإشارة إلى وجهة نظر إدارة بوش في القانون الدولي ، والتي تمثلت في رد بوش الخاص على احداث 11 سبتمبر: “لا يهمني ما يقوله المحامون الدوليون ، سنقوم بركل بعض المؤخرات”. [31]

 

الحرب ضد الديمقراطية

يبدو أنه من غير المتصور في التيار الرئيسي في الصحافة أن بريطانيا يمكن أن تعارض الديمقراطية في العراق أو في أي مكان آخر.  بل من البديهي أن بريطانيا تدعم الديمقراطية.  التنازل الجلي والوحيد الذي يمكن تقديمه من قبل الصحافة هو أن بعض “الأخطاء” قد تُرتكب على طول الطريق وإلا قد يكون لدى القادة “مُثل” عليا جدًا.  ونتيجة لذلك ، نادرًا ما تتم مواجهة تصريحات بلير وبوش حول الرغبة في إحلال الديمقراطية في العراق ، على الرغم من ان الأدلة تشير الى إن العكس هو الصحيح.

في فترة الاحتلال وحده ، قدمت بريطانيا دعمها لإجراء انتخابات معيبة بشكل صارخ في روسيا والشيشان ونيجيريا.  في الحقيقة ، لدى بريطانيا والولايات المتحدة نفور عام من الديمقراطية الحقيقية ، لا سيما في الشرق الأوسط ، حيث تميل الحركات السياسية الأكثر شيوعًا إلى الحصول على أفكار غريبة حول استخدام الموارد لأغراض التنمية الوطنية ، بدلاً من ان تكون لصالح الشركات الغربية.

في العراق ، سرعان ماتبع الاحتلال العسكري الاحتلال الاقتصادي.  تخضع البلاد حاليًا للجرعة المعتادة “من مبادئ  السوق الشائعة لدى دول التبعية الغربية في العالم الثالث – وهي عملية توصف من قبل وسائل الإعلام الرئيسية بأنها” إعادة الإعمار “.  شرعت قوات الاحتلال الأمريكية ، تحت ستار سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) ، في تنفيذ سلسلة من “الإصلاحات” الاقتصادية في العراق بفرض خصخصة واسعة النطاق وملكية أجنبية كاملة للمصارف والمصانع العراقية وقدرة المستثمرين على العودة إلى اوطانهم ب 100٪ من الأرباح.  نص الامر رقم 12 الصادر من  سلطة التحالف المؤقتة، بشأن “سياسة تحرير التجارة”، بإلغاء جميع التعريفات الكمركية و “تطوير اقتصاد السوق الحر” في العراق.

تدار “إعادة الإعمار” وتنفذ من خلال الخبرة الأجنبية فقط.  وقد أثارت الاستراتيجية ، التي تنطوي على تسليم عقود بملايين الدولارات لشركات قريبة من إدارة بوش ، الحكومة البريطانية لشن حملة ضغط لأجل ضمان أن “الشركات البريطانية تحصل على شريحة كبيرة من العقود الجديدة” ، على حد قول وزير الخارجية مايك أوبراين. وأشارت وزيرة التجارة باتريشيا هيويت إلى أنه بحلول نهاية عام 2003 كان هناك خمسة موظفين من وزارة التجارة والصناعة البريطانية يعملون في العراق كمنتدبين إلى سلطة التحالف المؤقتة “لدعم الشركات البريطانية في العراق”.  وقالت: “نتوقع أن تلعب الشركات البريطانية دورًا مهمًا في إعادة تطوير العراق” ، بينما كانت إدارتها تعمل على ضمان حصول الشركات البريطانية هناك على”فرص الوصول”. هذا يتناقض مع تأكيدها السابق للبرلمان أن الحكومة “ليست هناك  من اجل فرص تجارية”. [ 32]

وفقا لكبير الاقتصاديين في البنك الدولي السابق جوزيف ستيغليتز ، فإن الولايات المتحدة “تدفع العراق نحو شكل أكثر تطرفا من العلاج بالصدمة مما تم اتباعه في العالم السوفياتي السابق”. يلاحظ ستيغليتز اليوم أن هناك إجماعًا على أن العلاج بالصدمة الاقتصادية “فشل” وشهدت البلدان انخفاضًا في الدخل وتزايد الفقر. من المرجح أن يكون للخصخصة السريعة عواقب أكثر خطورة في العراق و “يجب على المجتمع الدولي توجيه أمواله لأسباب إنسانية مثل المستشفيات والمدارس ، بدلاً من دعم التصاميم الأمريكية”. [33]

من شبه المؤكد أن “الإصلاحات” الاقتصادية المفروضة على العراق غير قانونية بموجب القانون الدولي.  تتطلب أحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 ولوائح لاهاي لعام 1907 احترام القوانين القائمة في دولة محتلة.  منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 1483 في مايو 2003 ، كانت الحكومة البريطانية تجادل بأن هذا “يوفر أساسًا قانونيًا سليمًا” للخصخصة والإصلاحات الأخرى التي سنتها سلطة احتلال بول بريمر. ومع ذلك ، لا يزال القرار 1483 يتطلب الامتثال الكامل لـ “الالتزامات بموجب القانون الدولي” ، والتي تشمل أحكام جنيف ولاهاي. [34]

وبدا أن صناعة النفط العراقية قد تم استتثناؤها من الخصخصة ومن المقرر أن تديرها الدولة ، ويعود ذلك جزئياً إلى مخاوف من إشعال الغضب الوطني.  وقال توني بلير لمجلس العموم عشية الحرب إن عائدات النفط ، التي يدعي الناس زورا أننا نريد الاستيلاء عليها ، يجب أن توضع في صندوق استئماني للشعب العراقي ، تتم إدارته من خلال الأمم المتحدة. وفي وقت لاحق ، شاركت بريطانيا في رعاية قرار الأمم المتحدة الصادر في مايو 2003 والذي أعطى فعليًا السيطرة الأمريكية والبريطانية على عائدات النفط العراقي ، بدون صندوق استئماني تديره الأمم المتحدة. [35]

تصدير الأسلحة هي فرصة تجارية رئيسية.  وقد حصلت بريطانيا بالفعل على إعفاء خاص من الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة ، وهي تقدم الأسلحة إلى العراق منذ أكتوبر 2003.  ويأتي ذلك في شكل “مسدسات آلية ومسدسات ستستخدمها شركات الأمن الخاصة المتعاقد معها لتوفير الحماية الوثيقة لـ موظفي” سلطة التحالف المؤقتة.  في رد برلماني في آذار 2003 ، قال مايك أوبراين إن بريطانيا ستدعم رفع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة “عندما تقتضي الظروف”.[ 36]

هناك عمل مربح آخر هو عمل “حراس الأمن الخاص” (أي المرتزقة) الذين يعملون في البلد.  مع عقود تقدر قيمتها بحوالي 1 مليار دولار ، يعتقد أن الشركات البريطانية لديها أكبر حصة.  يعمل في العراق حوالي 1500 من الجنود  وضباط الشرطة  البريطانيين السابقين ، بما في ذلك ضباط سابقين في القوات الجوية الخاصة (SAS)، ومشاة البحرية ، وقوات المظلات ، ويتم تمويل معظمهم من دافعي الضرائب البريطانيين.  وبحسب ما ورد في تقارير، أنفقت وزارة الخارجية ووزارة التنمية الدولية ما يقرب من 25 مليون جنيه إسترليني على توظيف الحراس الشخصيين والمستشارين الأمنيين لحماية موظفيهم المدنيين.  وقد شملت عملية  التجنيد التي قامت بها الولايات المتحدة الآلاف من المرتزقة من قدامى المحاربين من نظام بينوشيه في تشيلي وأنظمة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.  كما أفادت التقارير بأن المتعهدين الخاصين يشرفون على الاستجواب في السجون. [37]

لقد تم التلاعب بالنظم الانتخابية في العراق بنفس الطريقة التي تم بها التلاعب بالموارد الاقتصادية.  قاد رجل الدين الشيعي البارز في البلاد ، آية الله السيستاني ، الحملة للإصرار على انتخابات مبكرة.  وقد عارضته واشنطن ولندن ، على افتراض أنه خوف من عدم فوز مرشحيهما المفضلين. وعلقت صحيفة واشنطن بوست قائلة: “أرادت إدارة بوش عملية منظمة يمكنها السيطرة عليها”. [38]

أفادت وسائل الإعلام بشكل عام بأمانة ما وصف بأنه “نقل للسلطة” إلى العراق في نهاية يونيو 2003 – على الرغم من أنه أصبح واضحًا قبل عدة أشهر أن العكس تمامًا هو المقصود من قبل قوات الاحتلال الأنجلو أمريكية. يشير “أمر احتلال” صدر في مارس 2004 ، على سبيل المثال ، إلى نية الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالسيطرة على الجيش العراقي بعد “نقل السلطة” هذا. كما دعت الولايات المتحدة إلى تعيين العديد من الضباط الرئيسيين – رئيس أركان الجيش ومستشار الأمن القومي والمفتش العام – لفترات طويلة لعدة سنوات.   من الناحية العملية ، من غير المرجح أن تقوم أي حكومة عراقية بتبديل المعينين قبل الانتخابات الوطنية في عام 2006.

كما ذكرت وكالة أسوشيتد برس – تحت العنوان الرئيسي “ستحتفظ الولايات المتحدة بالسلطة في العراق بعد نقل السيادة” – أن “معظم السلطة ستبقى داخل أكبر سفارة أمريكية في العالم (يجري بناؤها في بغداد] ، مدعومة ب 110000 من القوات العسكرية.   ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن “بريمر ومسؤولين آخرين يبنون بهدوء مؤسسات ستعطي الولايات المتحدة أدوات قوية للتأثير على كل قرار مهم تقريبًا ستتخذه الحكومة المؤقتة”. وفي سلسلة من المراسيم التي صدرت في الربيع ، أنشأ بريمر لجانًا جديدة قادرة فعليًا على أن تسلب جميع السلطات التي كانت تحتفظ بها عدة وزارات سابقًا. وأعلن أيضًا أن “المستشارين” الأمريكيين والدوليين سيبقون تقريبًا في جميع الوزارات المتبقية بعد “التسليم”.  بحلول منتصف عام 2004 ، ذكر وزير الخارجية مايك أو برين بأن “حوالي 200” مسؤول بريطاني انتدبوا لسلطة الاحتلال والوزارات العراقية في الأشهر الأخيرة. [39]

واعترف وكيل وزارة الخارجية الأمريكية ، مارك غروسمان ، بأن ما يجري نقله كان “سلطة محدودة”.  وأشار المسؤول الكبير في وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ، إدوارد ووكر ، إلى أن ميزانية العراق ستستمر فعليًا تحت إدارة الولايات المتحدة لأنها ستسيطر على صرف المساعدات الأمريكية التي تقدر بمليارات الدولارات.  قال إنه “بالتأكيد ليس نقلًا للسيادة عندما لا تتحكم في أمن بلدك وليس لديك دخل حقًا”. [40]

تمكن توني بلير من إخبار مجلس العموم: “يجب أن يتم نقل السيادة الكاملة إلى الشعب العراقي ويجب أن تبقى القوة المتعددة الجنسيات تحت القيادة الأمريكية”.  أوضح المتحدث الرسمي باسمه الحاجة إلى أن يكون للعراق ” سيادة كاملة غير قابلة للتجزئة – مما يعني على الحكومة العراقية أن توافق على دور القوات المتعددة الجنسيات بعد الأول من تموز”. [41]

كان “تسليم”(السلطة) في  30 حزيران توطيدا لقوة الولايات المتحدة ، وفي الواقع انقلابا دستوريا.  حتى أنها عينت في السلطة إياد علاوي ، أحد عناصر وكالة المخابرات المركزية و MI6(جهاز المخابرات الخارجية لحكومة المملكة المتحدة)، وأيضًا مصدر ادعاء الحكومة البريطانية أن العراق يمكنه نشر أسلحة الدمار الشامل في غضون 45 دقيقة.  لقد تم انقلاب علني بقدر ما يمكن تخيله ، مما يجسد أيضًا موقف المحتلين تجاه الديمقراطية.

ومن ضمن الاستراتيجيات الأنجلو أمريكية العديدة لمناهضة الديمقراطية و لتحديد مستقبل العراق هي ضمان إبقاء الأكراد في الشمال بعيدًا عن الاستقلال قدر الإمكان.  خلال غزو العراق ، أكدت بريطانيا والولايات المتحدة بشكل خاص لتركيا أنه سيتم الحفاظ على “وحدة أراضي” العراق.  وبحسب ما ورد أكد القادة الأمريكيون للحكومة التركية على الحاجة إلى “نظام فدرالي” للعراق يمنح الأكراد حكماً ذاتياً محدوداً.  في المقابل ، يدعي بعض القادة الأكراد أن واشنطن وعدتهم، قبل غزو العراق مباشرة، باستقلال ذاتي أوسع في النظام الفيدرالي؛ الشئ الذي نفته الولايات المتحدة.  في أوائل عام 2004 منح الدستور العراقي المؤقت المتفق عليه للأكراد سلطات للاعتراض على أي دستور دائم في المستقبل ، واحتوى على ضمانات للحكم الذاتي في المنطقة الكردية.  ومع ذلك ، لم يتم الاحتفاظ بهذه السلطات في قرار مجلس الأمن الدولي الذي تم تمريره في حزيران 2004.  رفض المسؤولون الأمريكيون الضغط الكردي القوي بسبب مخاوف بشأن الإساءة إلى زعماء الشيعة العراقيين الذين عارضوا منح الأكراد مثل هذه السلطات. [42]

إحدى وثائق الحكومة البريطانية التي تم الكشف عنها في لجنة تحقيق هوتون(Hutton inquiry) هي ورقة أسئلة وأجوبة في ملف سبتمبر 2002 ، ورد في جزء منها: “نتمنى أن نرى الاستقلال الذاتي (وليس الاستقلال) للأكراد العراقيين”. لم يتغير هذا الموقف الأساسي بمرور الوقت ، “كانت وجهة النظر في عام 1963 هي أن” مصالحنا تخدم بشكل أفضل من قبل عراق قوي وموحد “، وفقًا لمسؤول وزارة الخارجية آنذاك بيرسي كرادوك ، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجنة  الاستخبارات المشتركة. [43]

إن سياسة واشنطن ولندن الدائمة تجاه الأكراد واضحة في الوثائق التي رفعت عنها السرية ، وتستحق المراجعة لفترة وجيزة لفهم المسار المحتمل للأحداث في العراق المعاصر.

لنأخذ ورقة وزارة الخارجية السرية من أغسطس 1963 ، التي تشير إلى أنه “لا يوجد احتمال لكردستان مستقلة لأن هذا يعني تقطيع العديد من الدول الأخرى إلى جانب العراق”.  توصف اهتمامات الادارة البريطانية بأنها مع “وجود حكومة عراقية قوية صديقة قادرة على ضمان النظام في جميع أنحاء البلاد” إما بالاتفاق مع الأكراد أو “بالسيطرة العسكرية”.  لقد كان العراق القوي والموحد بمثابة مواجهة لمصر عبد الناصر في العالم العربي وساعد في “ضمان بقاء مختلف المناطق المنتجة للنفط تحت سيطرة سياسية منقسمة”.  كما أشارت الصحيفة إلى أنه من مصلحة بريطانيا رؤية تسوية تفاوضية للمشكلة الكردية “على الرغم من أنه يفضل ألا تكون هذه التسوية من شأنها إضعاف سلطة الحكومة المركزية بشكل خطير من خلال تنازلاتها للأكراد”.

يجب على بريطانيا أن تسعى إلى تنمية علاقات جيدة مع كل من العراق والأكراد ولكن:

الأول أهم بكثير … إذا كنا نفضل الأكراد ضد العراقيين ، فإن  هذا سيثير ذعر  الدول المجاورة ذات الأقليات الكردية … عندما نواجه الحاجة إلى الاختيار ، يجب أن ندرك الأهمية القصوى للعلاقات الجيدة مع العراقيين (المقصود الحكومة)  وأن من مصلحتنا [كذا] أن تسود سلطتهم في جميع أنحاء البلاد. [44]

يعتبر الأكراد أداة لممارسة الضغط على الأنظمة في بغداد عند الضرورة.   في أوائل الستينيات ، على سبيل المثال ، بدأ البريطانيون في تشجيع التمرد الكردي الجديد في العراق من أجل زعزعة استقرار النظام الوطني لعبد القاسم (عبد الكريم قاسم).  تُظهر الملفات أن السفير البريطاني في بغداد كان على استعداد تام “للحفاظ على عقل منفتح” حول إمكانيات الثورة الكردية “التي أدت إلى سقوط [قاسم]”. واقترح في سبتمبر 1962 أن على بريطانيا ألا تشجع بالتالي التسوية بين بغداد والأكراد ، بل يجب أن تبقى على جانب تراقب الوضع.  قال إن بريطانيا يجب ألا تقدم مساعدة مباشرة للأكراد ، “ولكن ربما لا داعي للقلق كثيرًا إذا فعل الآخرون”. [45]

ومع ذلك ، فحالما سقط  قاسم في عام 1963 وتولي السلطة في بغداد نظام نفضله، تغيرت السياسة البريطانية إلى دعم شامل للحكومة (انظر الفصل 5).  اتبعت الولايات المتحدة نفس السياسة ، وقدمت أسلحة للأكراد من 1961-1963 لتقويض قاسم؛ بعد يومين من سقوطه ، بدأت الولايات المتحدة بتسليح النظام العسكري الجديد لمحاربة نفس الأكراد ، التي كانت تسلحهم من قبل “[46]

نفس المسلسل تم تكراره خصيصا لصدام حسين. عندما كان صدام حليفاً مفضلاً في الثمانينيات ، قُبلت ضمنيا المذبحة التي قام بها ضد الأكراد. بعد أن أصبح عدوًا رسميًا عند غزوه للكويت عام 1990 ، تم تفضيل الأكراد مرة أخرى ودعمهم سرا. الآن بعد أن تمت سيطرة الولايات المتحدة على الأشياء في بغداد ، يُنظر إلى الأكراد إلى حد كبيرعلى أنه تهديد يجب تحجيمه.

)The balance sheet صحيفة الموازنة (

هذه هي بعض من الاعتبارات الرئيسية التي يجب مراعاتها. كانت هناك تطورات إيجابية في العراق: لقد سقط نظام صدام الرهيب ، مما أدى إلى بعض التحسينات في حرية التعبير وتكوين الجمعيات ، وإنشاء وسائل إعلام جديدة ومنظمات المجتمع المدني. ولكن يبدو أن هذه المكاسب الحقيقية قد تقزمت  بسبب عنف الاحتلال المتزايد.  هناك مجموعة من العواقب الوخيمة ، ليس للعراقيين فقط ولكن لجميع (الغير بشر) في كل مكان.

العاقبة الأولى هي حجم العنف والقتل في العراق ، الذي كان أكثر وحشية مما كان عليه في سنوات صدام الأخيرة ، في حين بقى الحصول على الضروريات الأساسية مثل الصحة ثابتة أو ساءت بالنسبة للكثيرين. والثانية هو تصاعد الإرهاب في العراق نفسه وفي أماكن أخرى ، والذي نتج على ما يبدو عن الاستراتيجية الأمريكية والبريطانية.  ثالثاً ، العواقب بعيدة المدى على العراقيين العاديين كنتيجة  للاحتلال الاقتصادي، والتي من المرجح أن يستفيد منها السكان قليلاً.

رابعاً ، وهي النتائج المترتبة على حقوق الإنسان في أماكن أخرى. بعد الانتهاك الوقح للقانون الدولي في غزو العراق ، استخدمت دول أخرى – الصين وروسيا وإندونيسيا ونيبال وغيرها – غطاء “الحرب ضد الإرهاب” لشن هجمات على سكانها.  وبالفعل ، فإن الاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي ، التي يجب أن تُحاسب عليها الدول ، تتعرض لهجوم غير مسبوق لصالح قانون الغاب.

قدمت هيومن رايتس ووتش نقدا مدمرا للأدعائات الأمريكية والبريطانية بأنهم قد تصرفوا دفاعا عن حقوق الإنسان في العراق.  كتب مديرها كينيث روث:

لقد فشل غزو العراق في الاجابة في اختبار التدخل الإنساني. الأهم من ذلك أن القتل في العراق في ذلك الوقت لم يكن ذا طبيعة استثنائية تبرر مثل هذا التدخل.  إضافة إلى ذلك ، لم يكن التدخل هو الخيار المعقول الأخير لوقف الفظائع العراقية.  لم يكن الدافع وراء التدخل بالدرجة الأولى هو الشواغل الإنسانية.  لم تجر بطريقة تزيد من الامتثال للقانون الإنساني الدولي.  لم يوافق عليها مجلس الأمن.  وبينما كان من المقبول الاعتقاد  في وقت بداية الغزو،بأن الشعب العراقي سيكون أفضل حالاً ، إلا أنه لم يتم تصميمه أو تنفيذه مع مراعاة احتياجات العراقيين في المقام الأول. [47]

 

تطبيع الاحتلال

 

يعتبر احتلال الدول الأجنبية نشاطًا بريطانيًا نموذجيًا إلى حد ما في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية – تخصص بريطاني ، في الواقع – قد يساعد في تفسير سبب حرص واشنطن على انضمام لندن.  تم تجاهل التجربة البريطانية الأخيرة في الاحتلال إلى حد كبير في التيارالاعلامي الرئيسي. لكنه يوفر بعض المؤشرات لمستقبل العراق. دعونا نأخذ بإيجاز مثالًا واحدًا من الماضي ومثالًا واحدًا من الحاضر ، لا يقدم أي منهما فألا جيدًا.

لقد كان موضوع الحرب في كينيا ايام كانت مستعمرة بريطانية في الخمسينيات من القرن الماضي حربًا على الأرض. طالبت حركة (ماو ماو) بأرض لملايين الفقراء الذين لا يملكون أرضا.  دافعت القوات الاستعمارية البريطانية عن المستوطنين البيض ، حيث يمتلك بضعة آلاف منهم فقط أفضل الأراضي في البلاد.  الملفات التي رفعت عنها السرية والتي رأيتها ترسم صورة مخيفة عن الفظائع الرهيبة المنتهكة لحقوق الإنسان من قبل السلطات الاستعمارية في محاولتها لهزيمة قوات المعارضة.

هذه الحرب ، مثل الحرب في العراق ، تم تصويرها دائمًا على أنها حرب حضارية من جانب مقابل بربرية على الجانب الآخر.  في الواقع ، على الرغم من ارتكاب الفظائع على الجانبين ، فإن أسوأ الانتهاكات ارتكبتها القوات البريطانية وحلفاؤها المحليون.  يحاول الأعضاء السابقون في حركة ماو ماو حاليًا مقاضاة الحكومة البريطانية للحصول على تعويض “نيابة عن 90,000 شخص سجنوا وعذبوا في معسكرات الاعتقال، 10,000 من الأشخاص الذين صودرت أراضيهم ونصف مليون آخرين أجبروا على على السكن في قرى محمية”. [48]

كان القمع البريطاني في كينيا يتألف من عمليات “إعادة التوطين” التي أجبرت 90.000 شخص من جماعة (كيكويو) العرقية على دخول معسكرات الاعتقال التي تحيط بها الأسلاك الشائكة والقوات العسكرية ، والتوطين الاجباري للقرويين  “في محميات كيكويو”. تمت مصادرة الثروة الحيوانية وتعرض العديد من الناس للعمل القسري.  تعني عبارة التوطين “الاجباري للقرويين-Villageisation” تدمير المساكن المتناثرة سابقًا وتشييد المنازل في المخيمات المحصنة لتحل محلها. كان هذا انقطاعًا صادمًا عن طريقة حياة جماعة (كيكويو- Kikuyu) العرقية التقليدية.  حتى عندما لم يكن مصحوبًا ، كما كان غالبًا ، بفرض حظر التجول لمدة 23 ساعة ، فقد أدى ذلك إلى انتشار المجاعة والموت.  في المجموع ، ربما يكون 150.000 أفريقي قد فقدوا أرواحهم بسبب الحرب ، ومعظمهم يموتون من الأمراض والمجاعة في “القرى المحمية”.   تم تجاهل وفاتهم من قبل مخططي السياسة الخارجية ووسائل الإعلام الرئيسية على حد سواء.

توضح الملفات التي تم رفع السرية عنها أن بريطانيا استخدمت أيضًا الحرب ضد جيش الأرض والحرية الكيني (KLFA) ، المعروف أيضًا باسم ماو ماو( Mau Mau) كغطاء لوقف صعود القوى الوطنية الشعبية الأخرى التي هددت السيطرة البريطانية على كينيا.  سجنت السلطات الاستعمارية الزعيم الوطني جومو كينياتا بتهمة أنه كان يقود ال (ماو ماو):  في ذلك الوقت ، كان المسؤولون البريطانيون يعلمون أن الأمر ليس كذلك.   في مواجهة التهديد الوطني  لاستمرار السيطرة البريطانية على الأرض، والتحريض العام من أجل الاستقلال الكامل، كان هذا مثالًا مبكرًا على القضاء على تهديد التنمية المستقلة – استراتيجية رئيسية للمخططين في بريطانية ، وكذلك في الولايات المتحدة ، طوال فترة ما بعد الحرب . غالبًا ما كانت الحجة التي تم تقديمها في ذلك الوقت ، هي  التهديد السوفييتي ، ملفقة أو مبالغًا فيها – وكانت غير موجودة في حالة كينيا.  كانت الدوافع البريطانية في الحرب واحتلال كينيا سياسية (لمواصلة تحديد مستقبل كينيا بعد الاستقلال) وتجارية (لضمان أن تكون موارد البلاد تحت سيطرة الأيدي الصحيحة).

تم تصوير المعارضة في كينيا دائمًا امام العالم على أنها شيطانية ومتعطشة للدماء أو عملاء سوفييت.  كما تظهر الملفات ، كان مخططي السياسة في الادارة البريطانية يدركون  جيدًا أن هذه المزاعم كاذبة، وأدركوا بشكل خاص أن الحرب كانت ضد قوات وطنية.  وفي نفس الفترة أيام الأحتلال الوحشي ل(مالايا)، قام الاحتلال البريطاني بتصوير المعارضين لهذا الاحتلال على أنهم “إرهابيون شيوعيون” وكان المنطق الرسمي للحرب ضدهم هو وقف التوسع الصيني.  لكن وبشكل غير معلن، كانت وزارة الخارجية تعلم بان “هدف الحرب هو في الدفاع عن صناعة المطاط” ، التي كانت جزئيا في أيدي البريطانيين.[49]  من الصعب عدم رؤية  أوجه الشبه مع العراق.

لنأخذ في الاعتبار أيضًا الاحتلال المعاصر من قبل بريطانيا والولايات المتحدة والذي تم استبعاده إلى حد كبير من الاهتمام. ويضمهذا الاحتلال جزر شاغوس (The Chagos islands)- المعروفة رسمياً باسم إقليم المحيط الهندي البريطاني – دييغو جارسيا ، وهي الآن قاعدة عسكرية أمريكية استخدمتها  قاذفات الولايات المتحدة لمهاجمة العراق وأفغانستان ، وحيث يحتجز فيها المشتبه في انتمائهم للقاعدة في ظروف أكثر سرية من تلك الموجودة في كوبا.

ابتداء من عام 1968 ، تم طرد جميع السكان الشاغوسيين من جزر وطنهم لإفساح المجال لقاعدة عسكرية أمريكية.  تم خداع البعض للمغادرة على وعد رحلة بحرية؛  تم ترحيل الآخرين قسريا. لقد شن سكان الجزر حملة طويلة من أجل التعويض والحق في العودة ، بدون وجود اي اهتمام دولي يذكر.  لكن حكومة بلير وضعت نفسها ضد الشاغوسيين وحصلت حملتها القانونية المستمرة في عام 2003 على حكم من المحكمة العليا “عدم وجود أسس معقولة” للدعوة المقامة من قبل سكان الجزر. الشاغوسيون يستانفون الحكم حاليًا.

كانت الكذبة الكبيرة في قلب السياسة البريطانية هو أن الشاغوسيين لم يكونوا أبدًا من السكان الدائمين في الجزر ولكنهم ببساطة “عمال متعاقدون”.  في I969 ، كتب وزير الخارجية مايكل ستيوارت إلى هارولد ويلسون أنه “يمكننا الاستمرار في الإشارة إلى السكان بشكل عام على أنهم عمال مهاجرون بشكل أساسي مع أسرهم”؛  لذلك ، سيكون من المفيد “إذا تمكنا من تقديم أي خطوة كتغيير في التوظيف للعمال المتعاقدين … بدلاً من إعادة توطين السكان”.  هذا هو وضع المشهد ؛ حافظت سبع حكومات بريطانية متتالية على هذه الرواية.

حتى وقت قريب ، كان يتم  إخبار زوار موقع وزارة الخارجية أنه لا يوجد “سكان أصليون” في الجزر.  ثم تغيرت الصياغة فجأة والآن هم يعترفون بوجود “سكان مستقرين”.  لقد احتاج الامر  ما يقرب من أربعة عقود منذ بداية التهجير، ليتم الاعتراف بالحقيقة بهدوء.

لكن السياسة لم تتغير. حيث استمرت حكومة بلير في محاربة الشاغوسيين في المحكمة وبطرق أخرى أقل شفافية.  في قرار تاريخي في نوفمبر 2000 ، قضت المحكمة العليا بأن “االترحيل بالجملة” لسكان الجزر كان “إخفاقًا قانونيًا فادحًا” وأنه يمكنهم العودة إلى الجزر الصغيرة النائية في المجموعة ولكن ليس الى أكبر جزيرة ، دييغو غارسيا.  كان هذا كابوسًا للمخططين البريطانيين والأمريكيين ، وبدا إن الحكومة البريطانية عازمًة على تحديه. وتم ايقاف البحث في عملية إعادة توطين الجزيرة ، ثم خلصت إلى أن إعادة التوطين كانت غير مجدية على أي حال.  ذكرت مذكرة وزارة الخارجية إلى لجنة تحقيق برلمانية أن إعادة توطين الجزر النائية ستكون “غير عملية وغير ملائمةة مع مرافق الدفاع الحالية”. وأضافت أن “موقفنا من مستقبل الإقليم ستحدده مصالحنا الاستراتيجية وغيرها والتزاماتنا التعاهدية تجاه الولايات المتحدة”.  لم تذكر المذكرة شيئًا عن التزامات الحكومة بحقوق سكان الجزيرة.

كانت الحكومة بالفعل تمنع الشاغوسيين من العودة إلى جزرهم ، عندما وجهت ضربة مذهلة في يونيو 2004.  فبدلاً من استخدام العملية التشريعية العادية ، لجأت إلى بقايا من الامتيازات الملكية وأعلنت “أمرين في المجلس” لمنع الشاغوسيين من العودة حتى إلى الجزر النائية.  وفي إعلانه عن القرار في البرلمان ، قال وزير الخارجية بيل راميل إنه نتيجة للأوامر الجديدة “ليس لأي شخص الحق في الإقامة في الإقليم أو يكون لديه حق الدخول الغير مقيد إلى أي جزء منه”. وقال أيضاً إن “هذين الأمرين يعيدان الموقف القانوني إلى ما كان يُفهم أنه قبل قرار المحكمة العليا في 3 نوفمبر 2000”.[50] وقد أظهر ذلك ، وبشكل أوضح مما كانت عليه الحال في العراق ، كيف استولت الحكومة على الإجراءات القانونية وكيف كانت تستخدمها لأغراض سياسية ، وهو وضع يتعلق عادة فقط بالدول الشمولية.

إن أمثلة الأحتلال الماضية والحالية تنذر بالسوء لمستقبل العراق. ومع ذلك ، فإن مثل عمليات الاحتلال المتغايرة هذه ليست أكثر غرابة من عملية غير عادية للتشجيع على  “تغيير النظام” ، وهذا مثال آخر واقعي لما تمثله الأنشطة  ألأنجلو أمريكية فعليًا ، له عواقب مماثلة.  وعلى هذا فلا يجب أن يكون النقاش العام الحالي حول التوتر بين سيادة الدولة والتدخل من جهة، وبين تغيير ما يسمى “الافتراض التقليدي ضد التدخل في الدول الأجنبية”، أكثر من كونه مجرد مزحة: إن محاولة الإطاحة بالحكومات غير المرغوب فيها ماهي إلا سمة منهجية “للسياسة الخارجية البريطانية .

لنأخذ ، على سبيل المثال ، القائمة الطويلة للحكومات التي أطاحت بها بريطانيا مباشرة أو حاولت الإطاحة بها:  إيران (1953) ، غيانا البريطانية (1953 و 1963) ، مصر (1956) ، إندونيسيا 1957-1958، 1965)، اليمن (1962-1970) ، عمان (1970) ، ليبيا (1996) ، يوغوسلافيا (I999) أفغانستان (2001). هناك أيضًا العديد من الحالات التي رحبت فيها بريطانيا بإسقاط الحكومات من قبل الولايات المتحدة ، مثل: غواتيمالا (1954) والعراق (1963) وفيتنام (1963) وجمهورية الدومينيكان (1965) وشيلي (1973)، نيكاراغوا (1980s) ) وبنما (1989).

حتى الفهم السطحي لعمليات الاحتلال السابقة والحالية وتغيير الانظمة من قبل بريطانيا والولايات المتحدة، يوفر نظرة ثاقبة على الالتزام المفترض بـ “الديمقراطية” و “حقوق الإنسان” في العراق.

*********

يليه الفصل الثاني:  لاعلاقية القانون الدولي

مراجع الفصل الأول

 

1- House of Commons, Foreign Affairs Committee, TIu decision to go to war in Iraq, Ninth report, Session 2002-03,7 July 2003, conclusion.

2- Paul Whiteley, ‘Baghdad backlash’, Guardian, 6 May 2003: Evidence to the Defence Committee, II June 2003, Q407, www.parliament.thestationary-office.co.uk/pa/cm200203; ‘PM: Authority of the United Nations “is on the line:”, 28 February 2003, www.pm.gov.uk

3- See Stephen Shalom, ‘The United States in the General Assembly’, Znet, 22 April 2003.

4- Medialens, ‘Chaining the watchdog, part 2, 3 May 2003, www.medialens.org

5- See Web of Deceit, chapters r8 and 19, [or the role of the media. See also Justin Lewis and Rod Brookes, ‘Reporting the war on television’, in David Miller [ed], Tell me lies: Propaganda and media distortion in the attack on Iraq. Pluto, London, 2004.

6- ‘Prime Minister’s speech to Congress’, 18 july 200″ www.pm.gov.uk 7 Jason Leopold, ‘Wolfowitz admits Iraq war was planned two days after 9/Il’, Znet, 2 June 2003: Mark Hollingsworth, ‘Spies like us’, Guardian, S November 2003: Raymond Whitaker, ‘Blair told US was targeting Saddam “just days after 9/n”’, Independent on Sunday, 4 April 2004.

8- There is a variety of evidence as to when Blair took the decision to join the US in the invasion, but all point to 2002: Clare Short said that, while Blair was assuring her of a commitment to secure a second Security Council resolution, Short noted that three ‘extremely senior people in the Whitehall system’ said that the Prime Minister had already agreed with President Bush the ‘previous summer’ to invade Iraq the following February (later extended to March because of Turkey’s refusal to accept US troops), ‘I think the US wanted to go to war in the Spring and the UK I now think had pre-committed to that timetable’, Short noted; Evidence to the House of Commons Foreign Affairs Committee (FAC), 17 June 2003, Q64,8p24,129, www,publications.parliament.uk/pa/cm20020r Peter Stothard’s book, 30 days, indicates that Blair believed that by September 2002 the US had already decided to go to war and that Blair had already decided that Britain  should be alongside them. Peter Stothard, 30 days: A month at the heart of Blair’s war, Harper Collins, 2003.

9- Review of intelligence on weapons of mass destruction: Report of a committee of privy counsellors. HC 898, HMSO, London, 14 July 2004 (hereafter the Butler report) paras 429, 427.

10- See evidence to the Defence Committee, 5 February 2004, citing previous evidence given by Air Marshall Burridge, www.publications. parliament.uk/pa/cm200304 and A.Pawson, Ministry of Defence of Defence, evidence on 12 November 2003, www.publications. parliament. uk/pa/ cm200304.

11- Cited in Glen Rangwala, ‘Iraq’s weapons of mass destruction: the assessment of the British government Problems, contradictions. falsehoods’, undated, and ‘Misled into war’, 21 March 2003, www.mlddleeastreference.org.uk; Hans Blix, Notes for the briefing of the Security Council on the! jth quarterly report of UNM OV I C. lJ N News Centre, 5 [une 2003.

12- Julian Borger, ‘Intelligence was wrong, admits general’, Guardian, 31 May 2003.

13- Jim Lobe, ‘Chalabi, Garner provide new clues to war’, Hi Pakistan, 26 February 2004, www.occupationwatch.org

14- Christine Spolar, ’14 “enduring bases” set in Iraq’, Chicago Tribune, 23 March 2004.

15- ‘PM statement on Iraq’, 25 February 2003, www.prn.gov.ukv joi nt press conference with president Bush at Camp David, 27 March 2003, www.pm.gov.uk.

16- ‘PM thanks troops in Iraq’, 29 May 2003, www.pm.gov.uk

17- Iraq body count, ‘Civilian deaths in “noble” Iraq mission pass 10,000’, www.iraqbodycount.net: Amnsety International. ‘One year after the war the human rights situation remains critical, 18 March 2004, www.amnesty.org: Study by Medact in Shaista Aziz, ‘War killed 55,000 Iraq civilians, 11 November 2003, Al Jazeera.

18- House of Commons, Hansard, IS October 2003, COL244, I September, Co1.90S,

19- House of Commons, Hansard, 3 June 2003, Co1.293,

20- Human Rights Watch, ‘Offtarget: The conduct of the war and civilian casualties in Iraq’, December 2003, www.hrw.org

21- Paul Brown, ‘Uranium hazard prompts cancer check on troops’, Guardian, 25 April 2003; John Pilger, ‘A year later’, Znet, 23 March 2004·

22- Voices in the Wilderness newsletter, February/March 2004, citing the Sunday Times of 25 January, www.viw.uk: Julian Borger. ‘Israel trains US assassination squads in Iraq’, Guardian, 9 December 2003·

23- Rory McCarthy, ‘Gunships ram home might of US firepower’, Guardian, 15 November 2003.

24- Rory McCarthy, ‘Uneasy truce in the city of ghosts’, Guardian, 24 April 200+ Nicolas Pelham, ‘No retreat from Falluja, says US’, Financial Times, 1 May 2004.

25- Rory McCarthy, ‘None killed in US convoy as Shia militias fight on’, Guardian, 10 April 2004; Patrick Wintour, ‘Army chiefs resist call for more Iraq troops’, Guardian, 29 April 2004; Luke Harding, ”’It’s hell . . everything will be destroyed’, Guardian, 30 April 2004.

26- Michael White, ‘Leaked memo reveals fear that US tactics are endangering troops’, Guardian, 24 May 2004.

27- David Teather, ‘US begins crackdown as soldiers found dead’, Guardian, 30 June 2003·

28- Centre for Economic and Social Rights, ‘Beyond torture: US violations of occupation law in Iraq’, www.cesr.org

29- Human Rights Watch. ‘Civilian deaths need US investigation’, 21 October 2002; Amnesty, ‘One year after the war the human rights situation remains critical’, 18 March 2004.

30- Andrew Johnson, ‘Did British soldiers lose all control and decency at the notorious Camp Bucca?’, Independent, 15 February 2004; Richard Norton-Taylor, ‘Big rise in civilian death inquiries. Guardian, 9 June 2004; Phil Shiner, ‘End this lawlessness’, Guardian, 10 June 2004.

3I- ‘Violations “were tantamount to torture'”, Guardian, 8 May 2004; David Leigh, ‘UK force taught torture methods’, Guardian, 8 May 2004; cited in Centre for Economic and Social Rights, Beyond torture: US violations oj occupation law in Iraq, www.cesr.org

32- ‘British companies must play their part in Iraq, speech, 21 November 2003, www.fco.gov.uk; House of Commons, Hansard, 9 December 2003, Col.449 and 20 June 2003, Co1.499; 20 June 2003, Co1.499; 1 April 2003, Co1.624·

33- Joseph Stiglitz, ‘Iraq’s next shock will be shock therapy’, Znet, 17 March 2004.

34- House of Commons, Hansard, 20 November 2003, Col.I308; UN Security Council, Resolution 1483, 22 May 2003, paragraph4.

35- David Teather, ‘US set to back state control ofIraqi oil’, Guardian, 8 January 2004; Glen Rangwala, ‘Changing stories on Iraq’, 23 January 2004, www.middleeastreference.org.uk

36- House of Commons, Hansard, 21 October 2003, Col.r63; II March 2003, Col.158.

37- Robert Fisk, ‘Britain’s secret army in Iraq’, Independent, 28 March 2004; Julian Borger, ‘US military in torture scandal’, Guardian, 30 April 2004; Bill Berkowitz, ‘Mercenaries “R” us’, Alternet, 24 March 2004, www.occupationwatch.org

38- Rajiv Chandrasekaran, ‘How cleric trumped US plan for Iraq’, Washington Post Foreign Service, 26 November 2003.

39- John Burns and Thom Shanker, ‘US officials fashion legal basis to keep force in Iraq, New York Times, 26 March 2004; Yochi Dreazen, ‘Behind the scenes, US tightens grip on Iraq’s future’, Wall Street Journal, 13 May 2004; Mike O’Brien, ‘Iraq stands at the dawn of a new era’, 25 June 2004, www.fco.gov.uk

40- Ewen Macaskill, ‘US clings to the burdens of power’, Guardian, 18 May 2004; Timothy Phelps, ‘US will control Iraqi forces’, Newsday, r o April 2004.

41- Cited in Ed Johnson, ‘Blair backpedals on Iraq comments’, Toronto Star, 26 May 2004; Ewen Macaskill and Sarah Hall, ‘US vows to stay in control of Iraqi troops’, Guardian, J7 May 2005.

42- ‘PM: Saddam and his regime will be removed’, 25 March 2003, www.pm.gov.uk; Wolfowitz, ‘We will completely remove Kurdish group from Northern Iraq’, Turkish Daily News, I February 2004; Scheherezade Fararnazi, ‘Kurds’ dream clashes with US plans’, Miami Herald, 28 January 2004; Steven Weisman, ‘Kurdish region in northern Iraq will get to keep special status’, New York Times, 5 January 2004,

43- ‘Iraq and weapons of mass destruction: An intelligence assessment’, Q&.A, www.the-hutton-inquiry.org.uk: Percy Cradock, note, 26 August 1963, F037I/170449/EQIOI9/42.

44- Foreign Office, ‘The Kurdish problem in Iraq’, August 1963, National Archives, F037I/170447/EQIOI9/I.

45- Said Aburish, A Brutal Friendship: The West and the Arab elite, Indigo, London, 1997, p. r36; R. Allen to G. Hiller, 3 September 1962, F0371/ 164235/EQ101 5/83.

46- Aburish, p. 98.

47- Kenneth Roth, ‘War in Iraq: Not a humanitarian intervention’. 27 January 2004, www.hrw.org.

48- See Web of Deceit, Chapter 15.

49- See Web of Deceit, Chapters I5 and 16.

50- House of Commons, Hansard, 15 June 2004, Cols. 34-5.

 

الفصل الثاني – لاعلاقية القانون الدولي

كان غزو العراق في مارس 2003 بمثابة عمل عدواني دولي ، وهو انتهاك واضح لمبادئ نورمبرغ التي طبقت على القادة الألمان بعد الحرب العالمية الثانية. وهي تمثل الجريمة الدولية الأكثر خطورة والتي وفقها قد يُحكم على بلير ووزراء آخرين بأنهم مجرموا حرب.

تؤكد الحكومة البريطانية مراراً أن أفعالها في العراق كانت تهدف إلى “التمسك بقرارات الأمم المتحدة”.  في الوقت نفسه ، كان غزوها انتهاكًا بالجملة لميثاق الأمم المتحدة.  في مواجهة معارضة شديدة للحرب في الداخل وحول العالم ، حاول المسؤولون البريطانيون الحصول على غطاء من الأمم المتحدة لأفعالهم.  حاولوا الحصول على قرار من مجلس الأمن يأذن على وجه التحديد بشن الحرب ؛ تضمنت العملية ضغطًا مكثفًا على بعض الدول كما قاموا، كما زُعم،  بالتجسس على أعضاء آخرين في الأمم المتحدة. يبدو أن بلير قد دفع جورج دبليو بوش لتأمين موافقة الأمم المتحدة لأي هجوم على العراق بدلاً من التصرف الفوري من جانب واحد على أساس التفاهم بأنه إذا فشلت الأمم المتحدة في التصريح بهجوم أمريكي ، فإن الولايات المتحدة ستتصرف على أي حال ، وسوف تدعم بريطانيا ذلك.

وقد وتم توجيه إنذار نهائي الى الأمم المتحدة أوجزه بلير بوضوح في مقابلة أجريت معه في أكتوبر 2002. وقال بإن العراق:

من الأفضل التعامل معه من خلال الأمم المتحدة … ولكن لا ينبغي لأحد أن يشك في أنه إذا لم يمكن التعامل معه بهذه الطريقة ، فيجب التعامل معه بشكل مختلف.[1]

قالت وزيرة التنمية الدولية السابقة كلير شورت بعد استقالتها إن “البحث عن حل دبلوماسي” للأزمة في العراق كان مجرد تمثيلية. لقد تم استخدام الجهد الذي بذل للتصرف من خلال الأمم المتحدة “من أجل كسب الرأي العام الدولي” ومن ثم “أرادوا أن يكونوا أحرارًا في العمل ، على اساس  أنهم قد حاولوا من خلال الأمم المتحدة ، عندما أرادوا التصرف”. ومن الاهمية بمكان ذكر ماقالته  أيضًا بإن “هذه الطريقة في اتخاذ القرار أدت إلى عدم التحضير المناسب لما سيحصل بعد ذلك وأعتقد أن الكثير من الفوضى والاضطراب في العراق نتجت عن عدم اتخاذ القرار بشكل صحيح وإجراء الاستعدادات بشكل صحيح”.[2]

كما أعدت حكومة بلير نفسها لمزيد من تجاهل الأمم المتحدة في حالة اعتراض فرنسا أو روسيا على قرار ثان ، من خلال اختراع مصطلح خارج القانون الدولي يسمى  “حق النقض غير المعقول” ، والذي سيسمح لها بالشروع في الحرب. بمجرد أن أصبح واضحًا أن الدول الأخرى لن تدعم قرارًا يصرح بالحرب ، ألقى المسؤولون البريطانيون باللوم علنًا على فرنسا ، التي كان رفضها دعم الحرب في ذلك الوقت متناسقًا مع كل دولة أخرى تقريبًا في الأمم المتحدة.  وقد شاركت العديد من وسائل الإعلام الرئيسية وبشكل متعمد في إختلاق كبش الفداء الفرنسي المناسب.

تشير جميع الأدلة على إن الغزو كان غير قانوني ، وأن الحكومة قد ادركت بإن ألأمر كذلك. إن الآثار المترتبة على ذلك هائلة: فهم يصرحون بشكل حاسم بانهم لايرون اية صلة للقانون الدولي بالأمر.

الغزو غير القانوني

كان رأي الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ، قبل بدء العمل العسكري بقليل ، هو أنه “إذا قامت الولايات المتحدة وآخرون بالعمل من خارج مجلس الأمن واتخذوا إجراءات من جانب واحد فلن يكون عملهم متوافقا مع ميثاق الأمم المتحدة”. [3]

وبالمثل قال منسق الأمم المتحدة السابق للشؤون الإنسانية للعراق ، دنيس هاليداي ، إن غزو العراق “يشكل عدوانًا صارخًا من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا خارج حدود الأمم المتحدة دون وجود أي قرار  داعم  بموجب الفصل 7 من الميثاق”. وأضاف أنه ” مغامرة غير عادية أن يشن عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي حربًا تعتبر انتهاكا كاملا للميثاق”.[4]

يبدو أن الغالبية العظمى من رجال القانون الدوليين يوافقون على أن الحرب على العراق ما كان يمكن أن تكون قانونية، لأن ميثاق الأمم المتحدة لايسمح بعمل عسكري إلا بشرط  الدفاع عن النفس أو بوجود أذن من مجلس الأمن على وجه التحديد. حتى ريتشارد بيرل ، المحافظ الأمريكي الجديد البارز ومن ثم مستشار الرئيس بوش ، قال: “أعتقد أن القانون الدولي كان سيقف في هذه الحالة ضد” القيام بالشيء الصحيح “، معترفاً بأن القانون الدولي … كان سيطلب منا ان نترك صدام حسين وشأنه”.[5]

تشير الأدلة إلى أن الحكومة البريطانية كانت تدرك أن الغزو كان غير قانوني. فقد عبرت مؤسسة الشؤون القانونية في وزارة الخارجية بكاملها عن الشكوك حول شرعية الحرب، كما أفادت الصحافة. كما استقالت إليزابيث ويلمشيرست نائبة رئيس الفريق القانوني بوزارة الخارجية ، وقالت فيما بعد: “لم أوافق على أن استخدام القوة ضد العراق كان مشروعا”. [6] كتب ريتشارد نورتون تايلور الصحفي في الغارديان ، والذي لديه اتصالات أمنية واستخباراتية واسعة النطاق ، أنه “لم يخبرني أي رجل قانون حكومي أو مسؤول كبير في وايتهول(مبنى الحكومة البريطانية) أن الحرب ، في رأيهم ، كانت قانونية”. [7]

كما يجب النظر في تصريحات الحكومة حول قرار الأمم المتحدة 1441 ، الذي أصدره مجلس الأمن في نوفمبر 2002.

وقد تركز الكثير من الجدل حول المسألة القانونية، على ما إذا كان هذا القرار  كافيا لأعتبار الهجوم العسكري قانونيا. لقد أجاز فقط “بعواقب وخيمة” إذا فشل العراق في الامتثال ، وليس على وجه التحديد استخدام القوة ، وطلب من مجلس الأمن إجراء مزيد من المناقشات إذا كان العراق يخرق القرار. في الواقع ،ما كان لهذا القرار ان يمرر، لو كان مفهوما من قبل الدول العديدة التي صوتت له، على انه قد تضمن التفويض باستخدام القوة، لأن معظم العالم كان يعارض الموقف الأنجلو أمريكي.

وكانت هنالك إشارة أكثر وضوحا إلى أن القرار 1441 لم يأذن بالحرب هو أن كلا من بلير وسترو قالا ذلك. فقد أشار بيان بلير بشأن القرار 1441 في 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2002 إلى ما يلي:

في حالة رفض صدام التعاون أو مارس خرق ما، فسيكون هناك مزيد من النقاش، وهذا ما سيكون، كما قلنا ذلك دائمًا. اما بالنسبة لأولئك الذين يخشون من كون هذا القرار هو مجرد نقطة هجوم تلقائية، دون أي مزيد من المناقشة، فنحيلهم للفقرة 12 من القرار التي توضح  بأن الأمر ليس كذلك”.[8]

قبل الغزو مباشرة ، وفي 12 آذار 2003 ، أخبر بلير مجلس العموم: ‘كما أشار وزير الخارجية ، فإن القرار 1441 يعطي الأساس القانوني لهذه (الحرب).[9]

وكما قال جاك سترو في مناسبة أخرى، أنه على الرغم من أن القرار 1441 لم يوفر امكانية الاستعداد لشن الحرب، كذلك لم يكن مطلوبا إصدار قرار ثاني.  وقد أبلغ لجنة تحقيق برلمانية في 4 مارس 2003 أنه “في تلك الظروف التي يحصل فيها خرق مادي آخر، عندئذ تتم الدعوة لأجتماع لمجلس الأمن لتقييم الوضع”.  وأضاف سترو “لكن ما يتعين على المجلس القيام به … هو النظر في الموقف ، وليس بالضرورة تمرير قرار ثان”. ثم أضاف أن “الأمر يعود لمجلس الأمن لتأكيد ما إذا كان هناك خرق مادي” حسب القرار 1441. [10]

بعد الغزو ، أخبر سترو اللجنة بما يلي:

لقد كان مقبولا  بالقدر نفسه بالنسبة لنا بأنه لم يكن هناك “تلقائية” في قرار 1441. وبعبارة أخرى كان يجب أن تكون هناك اجراءات تقود إلى أي عمل عسكري في حالة عدم امتثال العراق. وهي الاجراءات التي اتبعناها “. [11]

بالطبع كانت “الاجراءات” التي اتبعتها بريطانيا والولايات المتحدة هي تلك التي تسبق المضي للحرب. ولم تكن هناك مناقشة موضوعية في مجلس الأمن تعطي الدعم للدول الضاغطة باتجاه الحرب.

حتى قبل الغزو بقليل ، كانت وجهة نظر المدعي العام اللورد غولدسميث بضرورة الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة.[12]  ولكن بعد خمسة أيام فقط من نشر هذا الرأي في صحيفة الجارديان ، أعلن غولدسميث في 17 آذار أن الحرب ستكون قانونية.  يبدو أن غولدسميث ، الذي انتقاه بلير بنفسه لهذه الوظيفة، قد أذعن لمطالب سيده السياسي.  في وقت كتابة هذا التقرير ، كانت الحكومة تقاوم منذ فترة طويلة دعوات تطالب بنشر مشورته الرسمية. أسقطت الحكومة البريطانية القضية التي اقامتها ضد الموظفة السابقة كاثرين غون التي كانت تعمل في مقر الاتصالات الحكومية ( GCHQ ( بعد أن أوضح الدفاع أنه كان يضغط لإتاحة القضية القانونية للحكومة بشأن الحرب.

(ملاحظة من المترجم: من خلال عملها كمترجمة في لغة الماندرين استلمت، كاثرين غون رسالة من وكالة الامن القومي الامريكيNSA تدعو للتجسس على ممثلي بعض الدول الاعضاء في مجلس الامن، وذلك قبل الجلسة التي كانت تنوي امريكا وبريطانيا الى الدفع لاصدار قرار يجيز استخدام القوة ضد العراق تمهيدا لغزو 2003. والهدف من التجسس هو الحصول على معلومات شخصية لممثلي هذه الدول التي لازالت مترددة في تأييد القرار، لإستخدامها لأبتزازهم من اجل دفعهم للتصويت لصالح القرار. كاثرين كانت مناهضة للحرب فقررت تسريب هذه الرسالة للصحافة.  بعد ان تعرفت الحكومة البريطانية على انها مصدر التسريب وجهت لها تهمة خرق قانون الأسرار الرسمية. عُرضت القضية على المحكمة في 24 فبراير 2004. وفي غضون نصف ساعة ، تم إسقاط القضية لأن النيابة رفضت تقديم أدلة. في ذلك الوقت ، كانت أسباب قيام المدعي العام بإسقاط القضية غامضة. في اليوم السابق للمحاكمة ، طلب فريق الدفاع عن غون من الحكومة أي سجلات للمشورة القانونية حول شرعية الحرب التي تلقتها خلال الفترة التي سبقت الحرب. وانتشرت التكهنات في وسائل الإعلام بأن النيابة خضعت لضغوط سياسية لإسقاط القضية حتى تظل أي وثائق من هذا القبيل سرية.)

وتضمنت مطالعة غولدسميث بأن سلطة استخدام القوة كانت تستند إلى جميع آثار قرارات 678 و 687 و1441 مجتمعة،  وبما أن العراق فشل في الامتثال للقرار 1441 ، فإن “سلطة استخدام القوة بموجب القرار 678 قد تم تفعيلها ولا تزال مستمرة حتى اليوم”.  ومع ذلك ، في نفس اليوم، كتب جاك سترو رسالة إلى لجنة الشؤون الخارجية يقول عكس ذلك:

من المهم التأكيد على أن قرار مجلس الأمن رقم 1441 لم يعيد العمل بالتفويض رقم 678، فور اعتماده ، ولم تكن هناك “تلقائية” ، وأتاح القرار للعراق فرصة أخيرة للامتثال ونص على أنه في حال فشل العراق بالعمل وفق القرار يتم الرجوع لمجلس الأمن للنظربالأمر. [13]

مرة أخرى ، لم يكن هناك أي نقاش حقيقي – وبالتالي يجب أن تشكل رسالة سترو اعترافًا إضافيًا من الحكومة بأنها كانت تدرك بإن الحرب كانت غير قانونية.

وكما جائت في مطالعة (كير ستارمر  QC- رئيس حزب العمال الحالي) ، وهو محام متخصص في القانون الدولي لحقوق الإنسان ، فإن القرار 678 الصادر في نوفمبر 1990 أجاز ببساطة استخدام القوة لطرد العراق من الكويت.  اما القرار 687 ، الذي صدر في نهاية العمل العسكري ضد العراق في أبريل 1991 ، فأنه لا يجيز استخدام القوة ؛ إنه يطالب العراق بتدمير كل أسلحة الدمار الشامل، ولكن هذا قرار راجع لمجلس الأمن ، وليس للولايات المتحدة وبريطانيا.  كما قال كبير مفتشي الأسلحة السابق في الأمم المتحدة هانز بليكس فإن الحرب كانت غير قانونية وأنه في حين كان من الممكن القول بأن العراق انتهك قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1991 ، فإن “ملكية” تلك القرارات تعود إلى مجلس الأمن الدولي بأكمله ، وليس الولايات المتحدة وبريطانيا.[14]

يوضح تقرير بتلر أنه عندما كانت الحكومة تدرس خيار العمل العسكري ضد العراق في مارس 2002 ، كانت المشورة هي أن “تغيير النظام بحد ذاته لن يكون له أي أساس في القانون الدولي”. يمكن تبرير ذلك فقط إذا كان العراق سينتهك القرار 687.  ومع ذلك ، أشار المسؤولون إلى أنه لكي يتخذ مجلس الأمن هذا القرار ، “يجب أن يكون هناك دليل على وجود هذا الخرق غير قابل للجدل ونشاطً للخرق واسع النطاق” – وهو ما لم يكن أبدًا. [15]

لقد ظهر قرار المدعي العام كأنه حل اللحظة الاخيرة، معتمدا على تفسير القانون الدولي، حل متزعزع للغاية بحيث كان اقرب للمضحك. إنه يوضح قبل كل شيء، الدرجة التي يمكن للأوتوقراطية الشخصية أن تقوم بمطالبة جميع أجهزة الدولة، بالطاعة لها، بما في ذلك حتى الاجهزة القانونية للدولة – ربما  هذا التطور هو الأكثر إثارة للقلق على الإطلاق.

إن هذا الوضوح في عدم شرعية الغزو تدعمه أسطورة أخرى: أن هدف الحكومة لم يكن “تغيير النظام” ولكن ببساطة إجبار العراق على الامتثال لقرارات الأمم المتحدة بشأن نزع السلاح.  بمجرد بدء الغزو ، صرح بلير مرارًا وتكرارًا بأن “تغيير النظام” كان الهدف. وبالفعل ، فقد أخبر البلاد بأكملها في 20 مارس 2003 ، في خطاب متلفز: “الليلة الجنود البريطانيون من رجال والنساء، يشاركون من الجو والبر والبحر. مهمتهم: إخراج صدام حسين من السلطة وتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل. بعد خمسة أيام ، قال في مؤتمر صحفي إن “هدفنا يبقى كما هو، ازاحة نظام صدام”.[16] “تم الدفاع عن موقف الحكومة في تغيير موقفها فقط من خلال الإيحاء بأن الطريقة الوحيدة لتجريد العراق من السلاح، هي من خلال إزالة النظام ؛ انه نقاش هرائي اذا اخذنا بالاعتبار رفض السماح للعراق بالمزيد من الفرص التي طلبها هانز بليكس للتعاون مع مفتشي الأسلحة.

يشير مارك ليتمان (المحامي ورجل القانون) إلى أنه في محاكمات نورمبرغ، ذكرت المحكمة الدولية أنه “لبدء حرب عدوانية .. . .فهذا لا يعتبر جريمة دولية فقط ، وإنما تقع ضمن الجرائم الدولية القصوى”.  وبسبب هذه الجريمة تمت محاكمة وإعدام وزير الخارجية الألماني فون ريبنتروب.  يلاحظ ليتمان أن “أعضاء” أي حكومة يشاركون بنشاط في شن حرب غير شرعية ضد العراق، من المستحسن عليهم توخي الحذر بشأن البلدان التي يزورونها خلال الفترة المتبقية من حياتهم. [17]

قامت مجموعات مختلفة بتقديم شكاوى للمحكمة الجنائية الدولية. فقامت نقابة المحامين بأثينا ، وهي مجموعة من المحامين اليونانيين يبلغ عدد أعضائها 20000 ، بتقديم اتهامها لبلير ووزراء آخرين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ، كما دعت لجنة من المحامين والأكاديميين الدوليين المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في بريطانيا بشأن جرائم الحرب المزعومة ، خاصة بالنسبة  لاستخدام الجيش البريطاني للقنابل العنقودية في المناطق المدنية.[18] هناك بالتأكيد ما يكفي من الأدلة التي تستوجب من رئيس الوزراء البريطاني وأعضاء مجلس الوزراء الآخرين للرد على قضية مرفوعة ضدهم كمجرمي حرب.

قانون الغاب ؟

في واقع الامر صرحت الحكومة البريطانية بإنها لن تلتزم في المستقبل بالقانون الدولي. ففي ردها على تقرير لجنة الدفاع بمجلس العموم ، قالت الحكومة:

تتفق الحكومة مع الأهمية التي توليها اللجنة للعمل ضمن القانون الدولي. سنعمل دائمًا وفقًا للالتزامات القانونية ولكن أيضًا بشكل فعال للدفاع عن شعب المملكة المتحدة ومصالحها وتأمين السلام والاستقرار الدوليين. [19]

الكلمات المفتاحية هي “لكن أيضًا”: فهي تنص على الاستعداد للعمل خارج القانون الدولي. وقد جاء ذلك عقب انتهاكات مختلفة للقانون الدولي تمت في ظل حكم بلير ، مثل الهجمات على يوغوسلافيا في عام 1999 وعلى العراق في عام 1998 ، دون الحصول على إذن من الأمم المتحدة.

بعد هذا وفي آذار 2004 ، أعلن بلير عن نية الحكومة الاكثر وضوحا حتى الآن لإعادة كتابة القانون الدولي لجعل التدخل العسكري أسهل في المستقبل. لو قامت إيران أو حتى فرنسا باقتراح شئ شبيه بذلك، فربما وجدت وسائل الإعلام البريطانية شيئًا يدعو للقلق. بدلاً من ذلك ، تم تلقيه كعلامة على الأخلاق العالية لرئيس الوزراء البريطاني. كان المعارضون الوحيدون في الصحافة البريطانية قلة من المعلقين الذين انتقدوا النوايا ، بشكل معتدل ، لكونها غير واقعية.

وصرح بلير بأن العالم بحاجة إلى قواعد جديدة للتدخل على “أسس إنسانية” تتجاوز ميثاق الأمم المتحدة الحالي ، لأن “الحالة الواضحة والوحيدة للتدخل المسلح في العلاقات الدولية” هي “الدفاع عن النفس ، الرد على العدوان”.  وتساءل بلير “قد يكون هذا هو القانون ، ولكن هل يجب أن يكون كذلك؟”.  وزعم أنه بعد11 من ايلول/سبتمبر ، ارتفعت الحاجة إلى التدخل لمواجهة التهديد الإرهابي العالمي و “الآن ليس الوقت المناسب للسلوك الحذر وعدم تحمل المخاطر.  “الاحتواء لن ينجح في مواجهة التهديد العالمي الذي يواجهنا”. وأضاف بلير:

أنا لا أقول أن كل حالة تؤدي إلى عمل عسكري … ولكن بالتأكيد لدينا واجب وحق في منع التهديد من أن يتحقق. وعلينا بالتأكيد مسؤولية التصرف عندما يخضع شعب أمة لنظام مثل نظام صدام. [20]

من الممكن أن نأخذ هذه التأكيدات على محمل الجد فقط إذا عطلنا كل معرفتنا حول دور بريطانيا في العالم الحقيقي. وهذا لسبب واحد: أن بريطانيا مؤيد رئيسي للعديد من الأنظمة “مثل نظام صدام”.  فيما يتعلق بإندونيسيا ونيجيريا وكولومبيا وروسيا ، ليس التدخل العسكري هو الذي قد يكون مطلوبًا لتلبية الاحتياجات الإنسانية ولكن ببساطة سحب الدعم.  من ناحية أخرى ، أدى الغزو الأنكلو أمريكي للعراق إلى خلق أرضية خصبة للإرهابيين والتي تدعي الحكومة الآن أنها جادة في مواجهتها.  وذكر بلير في نفس الخطاب الى “تدفق الإرهابيين إلى العراق”. وفي الفقرة التالية ، تفاخر بلير بأن إزاحة صدام قد “قللت” هذا التهديد.

مواجهة تهديد الأمم المتحدة

إن ضعضعة الأمم المتحدة من قبل بريطانيا في غزوها للعراق أبعد ما يكون من غيرالمألوف. ان الرأي الرسمي القائل بأن الحكومات البريطانية دائما ما تقدم الدعم، هو ما ينعكس في الاعلام السائد. ولكن العكس هو الصحيح: وهذا ما يخبرنا به السجل التاريخي حيث أُعتبرت الأمم المتحدة بشكل تقليدي كتهديد كبير.

في عام 1963 أعرب سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ، باتريك دين ، في حديثه مع وزير الخارجية  عن حزنه حول “مناخ دولي يجعل من حماية المصالح بالوسائل العسكرية ومن جانب واحد عملية معقدة وصعبة بشكل متزايد”. كما كان يشكو من المعارضة الواسعة النطاق في الأمم المتحدة للسياسات البريطانية في روديسيا وغويانا البريطانية.  وذكر كذلك بأن بريطانيا لديها “مصالح متنوعة من جميع الأنواع وفي جميع أنحاء العالم” ولكن هذه اصبحت “أقل وأقل قدرة على الحماية من خلال قوتها المادية”. [21]

في النصف الأخير من الحرب الباردة ، 1965-1990 ، بلغ عدد المرات التي استخدمت فيها بريطانيا حق النقض في مجلس الامن التابع للأمم المتحدة أكثر من ضعف عدد المرات التي استخدم فيها الاتحاد السوفيتي هذا الحق( 27 إلى 13)، وكان هدف هذا الاستخدام  بشكل رئيسي هو  لحماية الأنظمة العنصرية في روديسيا وجنوب إفريقيا من العقوبات الدولية الكاملة (طبقت الولايات المتحدة 69 حق النقض خلال نفس الفترة). وكان آخر حق النقض الذي أدلى به الاتحاد السوفياتي قبل انهياره في عام 1984. وعلى مدى السنوات الست اللاحقة، قامت بريطانيا باستخدام  حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن 10 مرات (الولايات المتحدة ، 32).  لم أر حتى الآن أي ذكر لهذا العرقلة البريطانية المستمرة للأمم المتحدة في التحليل الصحفي السائد ، الذي يفضل القصص عن الحرب الباردة، أو ببساطة حق النقض(الفيتو) السوفياتي ، مما يعوق الأمم المتحدة.

في الخمسينيات ، كان المخططون البريطانيون ينظرون إلى الأمم المتحدة على أنها “أداة يمكن استخدامها لتعزيز هيبة المملكة المتحدة ونفوذها”. ولكن هنالك امكانية نشوء اذا اخذنا بالأعتبار إلى “إمكانية قيام الدول الصغيرة ، في ظل نظام” دولة واحدة ، صوت واحد “، بممارسة تأثير غير مناسب” ، الأمر الذي “قد يعرض للخطر قدرة المملكة المتحدة والكومنولث على الحفاظ على مصالحها الأساسية من تأثير الأمم المتحدة.  كما اشارت وزارة الخارجية الى ذلك “.[22]

تنص ورقة وزارة الخارجية لعام 1964 على أن “الهدف البريطاني المحدد” تجاه الأمم المتحدة هو:

لاستخدامها كقناة تأثير في متابعة السياسات البريطانية ، ولهذا الغرض، الحفاظ على مركزنا المتميز الحالي كأحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. [23]

كتب وزير الخارجية في حكومة هيث ، أليك دوجلاس-هوم ، في عام ،1970 إن موقف بريطانيا كعضو دائم في مجلس الأمن “يمنحنا فرصًا خاصة لاستخدام الأمم المتحدة كمنتدى لممارسة نفوذنا”. ثم أخذ في الاعتبار ثلاثة خيارات سياسية: أولاً ، جعل الأمم المتحدة العنصر الرئيسي في السياسة الخارجية البريطانية؛ ثانياً، ان نتبع سياسة المساهمة والمشاركة الدنيا في الأمم المتحدة ؛ وثالثًا، ان نتبع سياسة تستند إلى الاعتراف “بالقيود العملية” للأمم المتحدة ولكن أيضًا “بأهميتها في تحقيق أهداف سياستنا الخارجية”. تم رفض الخيارين الأولين – الأول بما إن، وفقًا لدوغلاس هوم ، لن تحذو الدول الأخرى حذوها ولن تستطع الأمم المتحدة على أي حال أن تصبح أكثر فعالية. لذلك كان الخيار الثالث هو الخيار المفضل.

وهذا يعني أن الأمم المتحدة لم تكن منظمة “يمكننا أن نأمل في استخدامها في جميع المجالات لتعزيز مصالحنا”. سيحدث هذا “في بعض الأحيان فقط وفي مجالات معينة”، وهذا يعني أيضًا أن بريطانيا يجب أن تركز جهودها كجزء من الأمم المتحدة لتحقيق الأهداف البريطانية “وليس على الأمل ان  تتطور إلى قوة عالمية أكثر فعالية على المدى الطويل”.  في المسائل التي “تتأثر فيها مصالحنا الوطنية الأساسية” ، يجب على بريطانيا “أن توضح مقدمًا” أنها ستكون مستعدة لاستخدام حق النقض. [24]

وتستمر هذه السياسة حتى وقتنا الحاضر. على مدى الخمسين عامًا الماضية ، كان جوهر الاستراتيجية البريطانية هو ضمان فشل الأمم المتحدة في منع أو إدانة أعمال العدوان التي تقوم بها بريطانيا أو حلفاؤها.  من عام 1980 إلى عام 1989، على سبيل المثال ، اعترضت بريطانيا والولايات المتحدة على 12 قرارًا منفصلاً في  مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدين الفصل العنصري في جنوب إفريقيا – بريطانيا استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد 11 من هذه القرارات ، والولايات المتحدة استخدمت حق النقض ضد جميع هذه القرارات.  بعد غزوها الوحشي لأنغولا ، كانت جنوب أفريقيا محمية من وضع الدولة المنبوذة كليا على الصعيد الدولي عندما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد، وامتنعت بريطانيا عن التصويت على،  قرار في عام 1981.  استخدمت بريطانيا حق النقض في مايو 1986 ضد مشروع قرار يدين هجمات جنوب إفريقيا على بوتسوانا ، زامبيا وزيمبابوي، وفي الشهر التالي اعترضت بريطانيا والولايات المتحدة على قرار يدين جنوب إفريقيا لشنها مزيد من الهجمات على أنغولا.

عندما غزت إندونيسيا تيمور الشرقية في عام 1975 ، الذي أدى إلى مقتل حوالي 200.000 شخص في واحدة من أكثر العمليات دموية في تاريخ ما بعد الحرب ، قامت بريطانيا في الواقع بدعم جاكرتا في الأمم المتحدة.  تُظهر الملفات التي تم رفع السرية عنها أن البريطانيين خططوا قبل هذا الغزو، ألا يدينوا الإندونيسيين وأنه “إذا كان هناك خلاف في الأمم المتحدة … فيجب أن نطأطئ رؤوسنا ونتجنب التحيز”. [25]   بين 1975 و 1982 كان هنا قراران لمجلس الأمن وثمانية قرارات للجمعية العامة كلها تدين الغزو وتحث اندونيسيا على الانسحاب. لقد صوتت بريطانيا لصالح قراري مجلس الأمن، على الرغم من أن صياغة  هذين القرارين كانت ضعيفة، وببساطة “تدعوا” جاكرتا إلى الانسحاب.  وقامت لندن اما بالأمتناع عن التصويت أو صوتت ضد جميع قرارات الجمعية العامة، في الوقت نفسه قامت بتزويد إندونيسيا بالأسلحة مع تعميقها المساعدة والتجارة والعلاقات الدبلوماسية معها.

عندما نظمت الولايات المتحدة غزوًا لغواتيمالا في عام 1954 للإطاحة بحكومة جاكوبو أربينز الإصلاحية والوطنية، أخذ الغواتيماليون قضيتهم إلى الأمم المتحدة.  قدمت غواتيمالا طلبا لمجلس الأمن للنظر بشكواها بشأن العدوان الخارجي.  وقد تم رفض هذا الطلب جزئيا بسبب امتناع بريطانيا وفرنسا، تعبيرا عن دعمهما لسياسة الولايات المتحدة.

حصل العدوان الأمريكي على نيكاراغوا في الثمانينيات على إدانات من جميع أنحاء العالم ، في حين استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) سبع مرات في لأمم المتحدة بين عامي 1982 و 1986.  وفي جميع هذه الحالات ، عبرت بريطانيا عن دعمها الفعلي لواشنطن عن طريق الامتناع عن التصويت.  وعلى هذا، لم تستطع بريطانيا أن تدين الولايات المتحدة على قيامها بتلغيم الموانئ النيكاراغوية أو دعم حكم محكمة العدل الدولية الذي وجدت أن العدوان الأمريكي على نيكاراغوا غير قانوني والتي طالبت ايضا من الولايات المتحدة بالامتثال للقانون الدولي.

وبالمثل، عندما غزت الولايات المتحدة بنما في عام 1989 ، لم تكن واشنطن وحدها بل لندن ايضا استخدمت حق النقض ضد مشروع قرار يدعو الولايات المتحدة إلى الانسحاب.

على مدى العقود الأولى من فترة ما بعد الحرب ، جاهدت الحكومة البريطانية بصرامة لإبعاد الأمم المتحدة من التدخل في شؤونها الاستعمارية. في عام 1950 ، على سبيل المثال، لاحظ مكتب شؤون المستعمرات أن مثل هذا التدخل الخارجي الجاهل أو المتحامل من شأنه أن يلحق ضررا لا يمكن حسابه.  كما أعرب صراحة عن خوفه من امكانية أن تصبح سلطات المستعمرات “مسؤولة أمام الأمم المتحدة”، وهو أمر يجب تجنبه بالضرورة. [26]

في أوائل ستينيات القرن المنصرم ، شنت بريطانيا حربًا ” قذرة ” في اليمن لزعزعة استقرار حكومة جمهورية شعبية جديدة (انظر الفصل 16).  وخلص اجتماع وزاري بريطاني في ديسمبر 1963 إلى أن “بوجوب مقاومة أي اقتراح يدعو الأمم المتحدة لإيجاد حل للمشكلة، لأنه سيكون ضارًا بموقفنا” في عدن المجاورة.  وأوضح السير روجر ألن ، نائب وكيل وزارة الخارجية ، أن الأمم المتحدة تتكون فقط من “مثيري الشغب” وستعكس فقط موقف المصريين، الذين كانوا منافسي بريطانيا في المنطقة. [27]

لقد تم إدانة السياسات البريطانية منذ فترة طويلة في الأمم المتحدة وقد تم تجاهل ذلك كليا من قبل مخططي الحكومة البريطانية. بعد التدخل البريطاني في عمان في الستينيات لدعم نظام السلطان القمعي للغاية، ضد التمرد (كما هو موضح بالتفصيل في الفصل 16)، أصدرت لجنة الأمم المتحدة الخاصة تقريرًا في يناير 1966 خلصت فيه إلى أن عمان كانت “مشكلة دولية خطيرة” ناشئة عن “السياسات الإمبريالية والتدخل الأجنبي”.  قدم مندوبو الدول الأفرو آسيوية في اللجنة الرابعة ، التي تعاملت مع القضايا الاستعمارية ، اقتراحا ينص على أن “السياسات الاستعمارية للمملكة المتحدة بأشكالها المختلفة تمنع شعب الإقليم من ممارسة حقوقه في تقرير المصير والاستقلال” ، و داعيا بريطانيا إلى وقف النشاط القمعي وسحب القوات.  تم تمرير هذا القرار بأغلبية كبيرة في كل من اللجنة الرابعة والجمعية العامة ، وتم تجاهله في وقت لاحق من قبل لندن ، التي استمرت في دعم عملائها.[28]

عندما غزت بريطانيا مصر في أكتوبر 1956 ، أثارت الإدانة الدولية لندن التي ردت باستخدامها أول حق نقض في مجلس الأمن.  وأوضح وزير الخارجية البريطاني أنتوني نوتنغ في وقت لاحق أن بريطانيا رفضت أي محاولات جادة لحل الخلاف مع مصر من خلال الأمم المتحدة حيث “لا يمكن لمجلس الأمن ولا الجمعية العامة أن تعطينا ما نريد”. ووفقا لدراسة جيف سيمونز عن الأمم المتحدة ، فان رئيس الوزراء في ذلك الوقت ، أنتوني إيدن “كان على استعداد لمناقشة الأزمة في مجلس الأمن ولكن فقط كمقدمة للعمل البريطاني المستقل”. ويشير إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة ، داغ همرشولد ، بذل قصارى جهده لضمان نجاح المحادثات في الأمم المتحدة “ولكن كان هناك اهتمام بريطاني كبير بافشالها ، وفشلت” ، مما كان سيمهد  الطريق للعدوان العسكري. [29]

خلال الحرب الأهلية في نيجيريا بين عامي 1967 و 1970 ، دعمت لندن القمع الوحشي الذي قامت به حكومة لاغوس لمنطقة بيافرا الانفصالية (انظر الفصل I0).  تضمن هذا الدعم منع أي تدخل كبير للأمم المتحدة في الحرب.  وأبلغ وزير الكومنولث المسؤولين الأمريكيين في ذلك الوقت أن بريطانيا “تعارض بشدة أي اقتراح بإحالة المسألة النيجيرية إلى الأمم المتحدة”. [30]

تُظهر الملفات أيضًا أنه بسبب المعارضة العامة لسياسة بريطانيا في تسليح الحكومة النيجيرية أثناء عدوانها ، خاض المسؤولون البريطانيون في الامم المتحدة  نقاشات خلال القرارا  لأجل استطلاع الاراء حول حظر الأسلحة.  توضح الملفات أن ذلك قد تم بالكامل من اجل تحسين الصورة امام الرأي العام، ولإظهار إن عملية حظر الأسلحة “غير ناجحة”، وبالتالي تمكين بريطانيا من الاستمرار في تسليح النظام.  وأشار مسؤول في وزارة الخارجية إلى أن “الغرض من عمليات استطلاع الأراء هذه، والتي اقترحها رئيس الوزراء، يفترض أنها لتعزيز موقفنا البرلماني”.[31]

وقد وصف المستشار السابق للأمين العام ، إرسكين تشيلدرز،  السياسة الغربية في الأمم المتحدة، قبل العراق بفترة طويلة. وأشار إلى أن القوى الغربية استخدمت منذ فترة طويلة “الرشوة الاقتصادية والترهيب” لمواصلة طريقها في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، ولكن هذا الاسلوب يتم استخدامه الآن في الأمم المتحدة:

كلما كانت القوى الغربية عازمة على الحصول على تصويت معين من خلال مجلس الأمن … أو الجمعية العامة … يتم تحذير الحكومات. إذا لم “يتصرفوا” فلن يحصلوا على إعفاء من الديون، رأس مال من من البنك الدولي لأنجاز مشاريع، أو شروط تفضيلية من صندوق النقد الدولي، أو الحصول على العملة الصعبة  من صندوق النقد الدولي عندما تمس الحاجة إليها لدفع فواتير النفط.  إن تخفيض المساعدة الثنائية أو قطعها يشكل تهديدا إضافيا. [32]

يكشف هذا الازدراء العام للأمم المتحدة طوال فترة ما بعد الحرب ، والذي تم توضيحه بشكل صارخ في غزو العراق ، عن قضية أساسية في صميم السياسة الخارجية لبريطانيا: أن معظم العالم يعارض تقليديًا سياسات بريطانيا الرئيسية.  هذا هو عكس ما تدعي ثقافتنا السياسية السائدة بشكل عام – أن بريطانيا والغرب هم حراس المثل العالمية العليا وأن الآخرين هم البرابرة.

******************

المراجع

Notes

————–

  • PM interview with the World Service, 9 October 2002, pm.gov.uk.
  • 2 Clare Short evidence to FAC, Q64, 83, 124, 129.
  • ‘Prime minister’s question time: the six crucial problems that Blair must solve’, Guardian, 12 March 2003.
  • ‘Iraqi people facing humanitarian crisis: An interview With Dennis Halliday’, Bretween the Lines, 7 April 2003.
  • Oliver Burkeman and Julian Borger, ‘War critics astonished as US hawk admits invasion was ilIegal’, Guardian, 20 November 2ool·
  • Richard Norton-Taylor. ‘Law unto themselves’, Guardian, 13 March 2003, and other Gllardian articles citing the ‘near·unanimous view’  among International lawyers: Mark Littman, ‘A supreme international crime’, Guardian, 10 March 200): ‘Was the war justified?: Leading international lawyers give their verdicts’, Guardian 2 March, 2004: Richard Norton-Taylor, ‘Whitehall united in doubt on war’. Guardion, 27 February 2004: Norton-Taylor, ‘Disputed advice helped quash opposition to war’, Guardian, 28 February 2004·
  • Richard Norton-Taylor, ‘A chance to name the guilty men’, Guardian, 9 July 2004.
  • ‘PM statement following UN Security Council Resolution’, 8 November 2002, pm.gov.uk.
  • Glen Rangwala, ‘Changing stories on Iraq’, 23 January 2004, www.middleeastrererence.org,uk.
  • Jack Straw, evidence to the Foreign Affairs Committee, 4 March 2oo3, www.publications.parliament.uk/pa/cm/200203, paras 151, 178
  • Jack Straw, evidence to the Foreign Affairs Committee, 29 April 2003, www.publications,parliament.uk/pa/cm/200203, para 290·
  • ‘Prime minister’s question time: the six crucial problems that Blair must solve’, Guardian, 12 March 2003.
  • House of Commons, Hansard, 17 March 2oo3, Col. 2; Paul Waugh. ‘Attorney General conceded doubts over legality of war’, Independent, 4 March 2004,
  • 14 Keir Starmer, ‘Sorry, Mr Blair, but 144′ does not authorise force’, Guardian, 17 March 200}: Anne Penketh and Andrew Grice, ‘Blix: Iraq war was illegal’, Independent, ) March 2004.
  • Butler report, paras 266-7,
  • ‘Prime Minister’s address to the nation, 20 March 2003, www.pm.gov.uk;·PM: Saddam and his regime will be removed’, 25 March 2003, www.pm.gov.uk.
  • Mark Littman, ‘A supreme international (rime’, Guardian, 10 March 2003.
  • Helena Smith, ‘Greeks accuse Blair of war crimes in Iraq’, Guardian, 29 July 2003; Ewen Macaskill, ‘UK should face court for crimps in Iraq, say jurists’, Guardian, 12 January 2004.
  • A new chapter to the strategic defence review: Government response to the Committee’s sixth report of session 2002-2003, 21 July 2003, p11.
  • ‘PM warns of continuing global terror threat’, 5 March 2004, www.pm.gov.uk.
  • Dean to Foreign Secretary, 25 September 1963, PREM11/4564.
  • Cabinet Office, Steering Committee, ‘British overseas obligations’, 14 April 1958, T254/768; see The Great Deception: Anglo-American power and world order, Pluto, London, 1998, p. 178.
  • Foreign Office, ‘Regional Studies’, September 1964, FC049/288.
  • Douglas-Home, ‘British policy towards the United Nations in the 1970s’, 11 September 1970, FC049/288.
  • See Web of Deceit, p. 404.
  • 26 See The Great Deception, p. 179.
  • Minutes of a ministerial meeting, 2 December 196}, CAB 130/189; Memorandum of conversation, Foreign Relations of the United States (FRUS), Vol. XXI, Document 68, www.state.gov.
  • Carden. Consul general, Muscat, ‘Annual report on Muscat and Oman for 1965’, 2 January 1966, FO10I6/765).
  • The Great Deception, pp. 188-9.
  • Commonwealth Secretary to Lagos, 1 October 1968, PREM13/2260.
  • Brighty to E. Youde, 25 April 1969, PREM13/2820.
  • The Great Deception, p. 196.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق