الصحة

كورونا وآفاق النظام العالمي

مجلة تحليلات العصر

بقلم: نزار فجر بعريني

تتحدث الأخبار الواردة من ” البيت الأبيض ” عن توعّد الرئيس الأمريكي، بضرورة أن تتحمل القيادة الصينية ” عواقب ” في حال ثبوت المعلومات التي عرضتها ” فوكس نيوز ” ، والتي اكّدت على أن” الفيروس القاتل” كان قد ظهر في مختبر ” يوهان ” ، وأنّ ” المريض صفر” ، كان يعمل فيه” .
أضاف ترامب ، في مؤتمره، انّه ” كان بالإمكان إيقاف الفيروس ، قبل ان يبدأ ، وهذا لم يتمّ “.
في نفس السياق، شنّت صحيفة ” بيليد ” الألمانية هجوما عنيفا على الرئيس الصيني ، بخصوص مسؤولية بلاده عن إنتشار العدوى .
في ظل هذه الأجواء، الملبّدة بغيوم التشكيك ، والإتهام ، كان من الطبيعي أن ينفى مدير المختبر،” يوان زيمنغ” مسؤوليتهم عن انتشارا لفيروس ، بشكل قاطع.
على أيّة حال ، يعتقد بعض الخبراء، الاقتصاديين والسياسيين، باحتمال حدوث ” صدام “مباشر ، أمريكي/ صيني” ، في ضوء عواقب معضلة ” كورونا “، قد تغيّر نتائجه طبيعة العلاقات الدوليّة القائمة – التي عُرفت ب ” النظام العالمي الجديد”، (١)، الذي يقوم على ” القطبية الأمريكية ” ، والذي تبلورت عناصره الأساسية، خلال العقد الأخير ،من القرن الماضي وترسّخت، إقليميا ، على الاقل ، في الحروب الأمريكية / الحليفة ، الكبيرة في المنطقة !

هل يوجد مبررات حقيقية لهذه المخاوف؟ (٢) وكيف يمكن أن ينعكس أشكال الصراع ونتائجه على قضايا شعوب المنطقة الأساسية :تحرير الأرض، والإنسان ؟!
مجرّد رأي : (٣)
من جهة اولى ،
إذا كانت “لولايات المتحدة الأمريكية” تملك الدافع ، والمصلحة ،في شن “حرب ” ما ، على “الصين” ، “لترويضها”، وفرض الهيمنة الأمريكية الوحيدة على العالم ، ( التي ينافسها عليها التنين الصاعد ، كما يعتقد البعض ) ، او لفرض” ثنائية ” عالمية ، تكون فيها القوّة الاساسية ، التي لا يمكن تجاوزها ، والتي تفرض شروط قيادتها على العالم ؛ بما يمكّنها من حل مشاكلها المستعصية ؛ ركود ، مديونية ، وغيرهما ؛
فهل تقدّم لها ” القيادة الصينية” ، المبررات السياسية ،والقانونية،على” طبق من ذهب”، كما يُقال؟!
من جهة ثانية ،
رغم رفض ” المزاعم” الأمريكية بقوّة ، يعتقد البعض أنّ كل تفاصيل ، وحيثيات ” كورونا الصينية ” تأتي في إطار خطط استراتيجية صينية “لجر” الولايات المتحدة الأمريكية، إلى حرب ” بحرية “(٤) ، محكمة التحضير ، تفرض عليها شروط وجودها في منطقة المحيط الهادي، وبحر الصين ، وتجبرها على الإعتراف بشراكة الصين الكاملة في قيادة النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي ، بما يؤدّي إلى تغيير طبيعة النظام القائم ، على الأحادية الأمريكية ؟
من جهة ثالثة ،
أتساءل، وربما يفعل الملايين ، عن ضرورة ، وإمكانية تحقيق العدالة في ” جريمة ” الوباء ، وما ألحقه من أضرار كبيرة عبر العالم ، طالت حتى الآن حوالي مليون ضحيّة ، وخسائر اقتصادية ، لا تقدّر ! (٥).

أوّلا ،
في” الظروف الغامضة” لحدوث الوباء على أرضها ، وتفشي عدواه إلى غالبية دول العالم ؛ وبسبب الأضرار الغير مسبوقة في الأرواح والأرزاق( التي لم يبقَ في مأمن من آثارها السلبية اي إنسان على سطح هذا الكوكب ) ،

تعطي “القيادة الصينية ” ، “للقيادة الأمريكية” فرصة نادرة على استثمار نتائج الوباء ، وتجيير عواقبه ، لصالح خططها الإستراتيجية، أليس كذلك ؟
أليس في ظهور هذا الوباء القاتل على أراضيها ، بغض النظر عن الطريقة ، أو الوسيلة، وفي عجزها عن احتوائه، داخليا ، وفشلها في ممارسة سياسات ، ووسائل حماية دول العالم الأخرى – من خلال ” الكذب ” ، والتعتيم ، وإخفاء الحقائق ، وعدم التنسيق مع حكومات العالم وأجهزتها المختصّة ، وأسباب اخرى – وما خلقه تفشّي الوباء عالميا من عناصر ” جريمة ” كاملة ؛ تتحمل القيادة الصينية ، (رغم اشكال الدعم ” الانساني ” التي تحاول الظهور فيها)، أمام جميع شعوب العالم ، وحكوماته ، المسؤولية القانونية ، والاخلاقية ، عن جميع الخسائر التي أحدثها إنتشار عدوى الفايروس، وفي مقدمتها ، عشرات الوف من الضحايا ، ومليارات لا تحصى ، من الخسائر الاقتصادية ، وغيرها ؟
ثانيا ،
هل تغيب عن خطط ، وعقول الإجرام التي تسيطر على أجهزة التوحّش الأمريكية ، التقاط هذه الفرصة ، لإعادة فرض قوانين نظام عالمي جديد ، تُخرج الاقتصاد الأمريكي من إنهيار وشيك ، كما يتوقّع بعض الخبراء ، وتعيد الهيبة الأمريكية ، التي هشمتها سياسات عدوانية ، لا أخلاقية ، طالت معظم سكّان المعمورة ؟

هل تفتقد مافيات المال و السلاح وسائل الحرب المناسبة ، التي قد تتفاوت ، وتأخذ جميع الاشكال المنظورة ، أو المبتكرة !
︎قد لا تكون الخطوة الأولى على مسار المواجهة ، حربية ،ولا تشكّل تهديدا خطيرا لمبادىء السلام العالمي،
( التي تنتهكها معظم دول النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي ، يوميّا ) !
ثالثا ،
بعكس أجواء التهويل بحرب عالمية ثالثة ، قد لا تتجاوز وسائل ” الحرب ” الأمريكية ، أكثر من جهد سياسي ، دبلوماسي ، مشفوعٍ بتهديد ، و استعراض قوّة ( على الطريقة الروسية في سوريا ، رغم الفرق في الظروف ) مناسب ، يعمل على تحشيد اتفاق عالمي – يتجاوز المؤسسات الدولية الحالية ، ويكون فرصة لتقويضها نهائيا – ، لتشكيل محكمة دولية ، تعمل على مقاضاة “القيادة السياسية الصينية ” ( التي قد لا تتجاوز شخصا واحدا ، في انظمة الحكم الشمولية ) ، على دورها ، ومسؤوليتها ، فيما أصابته سياساتها ” الصحيّة ” من أضرار، للشعب الصيني ، اوّلا ( لا أحد يعرف بدقّة عدد الضحايا! ) وضد جميع شعوب العالم !؟

رابعا ،
أليست من مصلحة جميع المتضررين ( بأهلهم، وأرزاقهم ) تحقيق ” العدالة الدولية “، وحصول الجميع على التعويض المادي، والمعنوي العادل ؟
وما الضير من حصول المحاكمة، عندما تتوفر شروط العدالة ، التي نجح منطق القوّة الغاشمة ،الذي تمارسه الدول الإمبريالية ، في عدم توفّرها حتّى الآن!
أليس في ذلك عبرة ، ورادع؟
خامسا ،
هل نحتاج للتذكير أنّ ” الحلم البشري” بتحقيق العدالة ، قد تحوّل إلى كابوس ؛ في ظل هذا النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي ، اوّلا ، وبعد أن خيّبت آمال الشعوب بقيام العدالة والمساواة ، طيلة القرن الماضي ، تلك النخب السياسية ، والثقافية ، العسكرية والمدنية ،التي قفزت ، في ظروف النهب والسيطرة الإمبريالية الكونية، على قمّة السلطة ، لتتمسك فيها بجميع الوسائل ، وتجيير ” الفكر الاشتراكي” – في غفلة من الشعوب المنظّمة ، الواعية ، وبسبب تعميم ” اشتراكية الاستبداد “، والقمع- ك “خرقة” ، تستر فيها واقع السيطرة والنهب ، لمؤسسات الدولة ، وقطّاعها ” الاشتراكي ” ، التي تحوّلت إلى بقرة حلوب ، لا تروى عطشهم المزمن للثروة ، والسلطة، وما نتج عنه من تغييب سلطة القانون العادل ، وتهميش أبسط حقوق الإنسان، بذريعة الحفاظ على ” المكاسب الاشتراكية ” ، التي حوّلت الشعوب إلى” قطيع” ، وصنعت من القادة ، طغماً مالية ،مافيوية ، أكثر جشعا، للمال والسلطة ، من نظرائهم الإمبرياليين !!.

______________________

(١)-
كُتب الكثير عن طبيعة النظام ، وخصائصه ، وآفاق تطوّره . في ” بوست ” سابق ، وصفته ، من منظار معاناة الشعب السوري “، ودور أطرافه القيادية في ” إنجاز ” المأساة السورية:
” النظام العالمي الجديد ، الذي تشكّل مع استيلاء الطبقة الجديدة للحكم في روسيا (مافيات المال والسلاح والنفط والدعارة ) ك”وريث شرعي” لنظام رأسمالية الدولة الستاليني الإستبدادي ، وتآلفها مع المافيات النظيرة المسيطرة على اجهزة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، جنبا الى جنب مع صقور الحرب الصهاينة في اسرائيل ، في ظل ضعف القرار السياسي الأوربي المستقل ، وتساوقه ، في نهاية المطاف ، مع سياسات الترويكا الروسية الأمريكية الإسرائيلية ، وسيطرة عقلية ” تجّار السوق”، المتحكمة بعقول صنّاع القرار في مراكز عالمية رئيسية ، ( الصين – اليابان – كوريا ) ، وفي ظل أنظمة استبداد متوحشة في المنطقة ، منطقة القطب الإسرائيلي( من إيران الى تركيا ، مرورا بنظائرهم ” العربية” )، كلّ هذا ، يطرح تساؤلات كبرى حول مصير الإنجازات الحضارية ، التقدمية ، التي أنتجتها شعوب المنطقة والعالم ، خلال التاريخ الإنساني ، برمّته .
هي حالة مأساوية ، لتحالف” شيطاني ” ، عالمي إقليمي محلّي ، ( غير مسبوق ) ، ستدفع جميع الشعوب والحضارات ثمن قيامه ، وتمدده السرطاني ، طالما هي جاهله في حقيقة وجوده ، وأساليب تدميره الهمجية .”
…………….. ،” لقد فتحت ” هزيمة أهداف المشروع الديمقراطي” في دول المشرق العربي، على يد اطراف التحالف ، ذاته ، أوسع الأبواب لما ستحمله الأيام والشهور والسنوات القادمة ! هي حالة من ” التفشيل ” ، لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري . هو ، بالضبط ، غياب منطق ” النظام ” حتى بأدنى أشكاله بدائية ، التي عرفتها تجارب الشعوب ؛ وهيمنة منطق ، ومصالح ” الميليشيات الطائفية المسلحة ” التي تقودها ، وتشرف على آليات عملها ، أجهزة الدول “المتحضّرة ” ، والمتوحّشة ، على حدّ سواء !”
(٢)
لا نعرف بدقّة أهداف التحركات التي تقوم بها “الأساطيل البحرية” لكلا البلدين في بحار الصين ، والمحيط الهادئ ، في المناطق المحيطة بتايوان ،”التي تعتبرها الصين ” جزيرة منشقة “؛ واليابان -حيث التنافس الصيني الأمريكي ، والصيني الهندي ، والياباني والتايواني ، في اعلى درجاته .
نشرت صحيفة ( South China Morning Post ) ، يوم الأحد ، ١٢/٤/٢٠٢٠ ، موضوعاً حول الانتشار العسكري الجديد لسلاح البحريه الصينيه في غرب المحيط الهادئ . تحدّث تقرير الصحيفة الصينية عن عبور حاملة الطائرات الصينيه ، لياو نينغ (Liaoning ) ، مع مجموعتها القتاليه ، مضيق م Miyako الواقع على بعد ٣٣٠ كم شمال شرق جزيرة ” تايوان” ، وهو المضيق الفاصل بينها ، وبين جزيرة أوكيناوا Okinawa اليابانية ، التي تضم أكبر قاعدة عسكرية اميركية في اليابان .
في نفس التقرير ،ذكرت الصحيفة أخبارا عن انسحاب حاملة الطائرات الأميركية ثيودور روزفلت الى قاعدة غوام ( Guam ) البحريه / الجويه، ( هي قاعده بحريه وجويه ) الأميركية الاستراتيجية ، و حاملة الطائرات الأميركية ، التي تعمل بالطاقة النوويه ، رونالد ريغان ، وَرُسوّها في قاعدة يوكوسوكا Yokusuka البحريه الأميركية .
ليس خارج الإطار ، ما نقلته مصادر عن
” وزارة الدفاع ” لجزيرة تايوان “الصين – الوطنية ” عن قيامها برفع حالة التأهب واعادة انتشار ، بين قواتها البحرية والجويه ، تحسّباً لما قد ينجم عن التحركات البحريه والجويه الصينيه على مستقبل الجزيرة المنشقه !
كما وأضافت وزارة الدفاع التايوانية ان المدمرة الاميركيه USS – Barry DDG – 52 قد عبرت مضيق تايوان ، يوم امس السبت ، مقتفية أثر المجموعه البحريه الصينيه . وهذه المدمرة مجهزة بالصواريخ الموجهه الدقيقه .
وفِي اطار” التحركات والتحركات المضاده” ، نقلت الصحيفه الصينيه ، كما تناقلت بعض المواقع الإلكترونية، ان طائرة الاستطلاع الالكتروني الاميركيه ، U.S. Navy EP – 3 E ، قد عبرت يوم الاحد ، ١٢/ ٤ ، اجواء جنوب جزيرة تايوان في طريقها الى بحر الصين الجنوبي .
(٣)-
ليس لهذه الرأي علاقة بالموقف الأخلاقي والسياسي من طبيعة النظام السياسي الذي يحكم الولايات المتحدة الأمريكية، او الصين ، وما يصنعاه من سياسات معادية لقضايا شعوب المنطقة ، في تحرير الأرض، وبناء مقومات مشروع حضاري .
شخصيّا ، اعتقد – دون أن نتجاهل الدور “السلبي” ، لنظام الإستبداد ” الشيوعي ” في الصين، تجاه قضايا شعوب المنطقة الأساسية( تحرير التراب الوطني المحتل، وبناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الوطنية ) ،ودون أن ننسى الدور الأكثر سلبية لدولة ” الاتحاد السوفياتي السابق ” ، في تدعيم اسس دولة الكيان الصهيوني ، وانظمة الإستبداد العربية ، أنّ ” سلطة المافيات “، العميقة ، التي تحكم عمليا ، من خلال مؤسسات الدولة ، والإدارة ” الديمقراطية ” ، في أكبر الديمقراطيات العالمية ، وأعرقها – الولايات المتحدة الأمريكية- هي التي تتحمل المسؤولة الاولى ، والأخيرة ، عن كلّ اشكال الخراب المعمم في كامل منطقتنا، بشكل خاص !
الأمثلة ، عديدة ؛ منها الدور الأمريكي الأساسي في منع قيام حل سياسي عادل لقضية الشعب الفلسطيني ، وفي تقديم كلّ اشكال الدعم لتأسيس ، وإدارة سلطات ” النظام السياسي العربي ” ، بجميع مراكزه، منذ ما بعد ” الاستقلال ” ؛ وما خلٌفه نهجه الإستبدادي، من دمار هائل ، على جميع الصعد والمستويات ، لشعوب ودول المنطقة؛ وهي أيضا الطرف الأساسي الذي أدار جهود منع قيام حل سياسي في سوريا ، بالتنسيق مع أصحاب المصلحة من السوريين ، والقوى المتورطة الأخرى ، وبالتالي الذي يتحمّل ما أوصلنا إليه الخيار العسكري، وغياب أفق حل سياسي ، ديمقراطي ، شامل ، يعيد وحدة الشعب السوري!
(٤)-
تتحدث تقارير( قدّم ” ديفيد أكس” ، محرر شؤون الدفاع في مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية دراسة شاملة في موقع المجلة عن الموضوع ) عن أن ” واقع الأسطول البحري الصيني ” أكبر بكثير مما يُعتَقد ، ويشكّل كابوس للبحرية الأمريكية ، في المحيط الهادي.
تؤكّد هذه التقديرات تقارير ل”مكتب البحرية الأميركية” ، في منتصف ٢٠١٨ ، من أنّ “جيش التحرير الشعبي الصيني” سيضم بحلول عام ٢٠٢٠ ، ما بين ٣١٣ و٣٤٢سفينة حربية، بالمقارنة مع ٢٨٥ سفينة حربية، للولايات المتحدة الأمريكية، حينئذ .
(٥)-
تحدّثت تقارير عن انضمام ” أسترالية ” إلى الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيكها بمصداقية التقارير الصينية، ومطالبتها ” بتحقيق دولي ، في اصل الفيروس ، وكيفية انتشاره”.

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون أيضاً المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى