فلسطين

محطات في القضاء الجنائي الدولي … المحطة الثالثة: الأردن

مجلة تحليلات العصر الدولية

محطات في القضاء الجنائي الدولي بين فاتو بنسادو , ولويس مورينو اكامبو… حقوق, ضحايا, عدالة.
المحطة الثالثة : الأردن.

بقلم: د. سعد عبيد حسين

كانت محطتنا السابقة , هي العراق وما قبلها فلسطين, أما محطتنا لهذا اليوم, فستكون ألأردن, ولكن لماذا سنتوجه الى عمان؟. أها, لأنها الدولة من بين دول أخوة يوسف –العرب-الوحيدة قبل جيبوتي عضواً وطرفاً في المحكمة الجنائية الدولية, أما لماذا كانت المحطتين السابقتين , فلسطين والاردن, فجوابنا يكون بمايلي: اولاً: لأن فلسطين محتلة, والمحتل هو من يرتكب الجرائم بانواعها, ومضى على الاحتلال أكثر من سبعين عاماً, فتخيل كم هي الجرائم بحق أهلنا في فلسطين, أما العراق فهو الآخر محتلاً صراحة وأمام المجتمع الدولي فهو ايضا –الولايات المتحدة الامريكية- ارتكب ما يوجب محاكمته, وهو ما طرحناه في المحطتين السابقتين, لذا سندخل في محطة الأردن لان قطارنا على وشك أن يصل… ها قد وصل.
أن الوضع في الأردن هو ليس كما مرَّ بالعراق وفلسطين, لكن وضعه – وجهة نظري المتواضعة- الجيوبولتيكي أقحمة بالدخول بإتفاقيات تسمى بإتفاقيات التحصين, وهو ما يؤثر على وجودها وتعاونها السلبي مع المحكمة الجنائية الدولية, فالأردن لايمكنه أن يحاكم إسرائيل او أمريكا وجنودهم أو أي مدني كذلك أمام المحكمة على الرغم من أنها طرف وعضو في هذه المحكمة, والسبب في ذلك هي ما عقدته من إتفاقيات سميت باتفاقيات التحصين.
لكن ماهذه الأتفاقيات وما المراد بالتحصين؟. هذا ماسنورده ببساطة وكما يلي:
أولاً: التعريف باتفاقيات التحصين
ببساطةٍ وَيُسْرٍ, أن تُعَرَّف الإتفاقية الدولية, بأنها إتفاق مكتوب, بين دولتين أو أكثر, أو بين أكثر من منظمتين دوليتين, تنشأ بينهما حقوقاً وإلتزامات متبادلة تبعاً لذلك, إلاّ أن التعقيد والشك والشبهة حول الإتفاقيات, بدأت تحوم على مفاهيمها وماهياتها وتعاريفها, حينما بدت بوادر نشوء معاهدات وإتفاقيات في بداية القرن الواحد والعشرين, وبالأخص بعد نفاذ نظام روما الأساسي, أي بعد العام 2003 بالضبط, وهو ما سعت الولايات المتحدة الأمريكية على إنعاش وإحياء تلك الإتفاقيات المسماة باتفاقيات التحصين الثنائية, فلا بأس أن نخوض بعضاً ممّا تضمنته هذه الإتفاقيات, ويقتضي الحال هنا, أن نَمُرّ مروراً سريعاً لتوضيح وفهم مشــروعية موضــوع المعاهــدات بصورة عامة, كي توضح الصورة المرادة هنا, أذ ان غايات ومقاصد ومضامين الإتفاقيات تختلف من إتفاقية – أو معاهدة- لأٌخرى, كي ندرك من خلال ذلك صحتها ومشروعيتها.
حيث يقصــد بمشــروعية موضــوع المعاهــدة فــي هـذا المجـال هـو عـدم قيـام التعـارض بـين مضـمون المعاهـدة أو غايتهـا وبـين أي مـن القواعـد الأخلاقيـة أو مبـــادئ ميثـــاق الأمـــم المتحـــدة أو مـــا يســـمى بالقانون الدولي بالقواعد الآمرة, كما لو أُبرمت معاهــدات منافيــة لحسن الأخـلاق, كاتفـاق دولتـين أو أكثـر- مثلاً- عـن اتخـاذ تــدابير تعســفية أو عنصــرية ضــد طائفــة معينــة مــن الأفـراد, أو تجيز إبادة الجنس البشري, أو الإتفاق علـى السـماح بتجـارة المخـدرات, أو عدم جــواز إبــرام معاهــدات تخــالف ميثــاق الأمــم المتحــدة, خصوصاً ما تعلق بمخالفة مضمون المادة (103) مــن ميثــاق الأمــم المتحـــدة .
بعد الطرح البسيط, حول مشروعية المعاهد أو الإتفاقية يمكن أن نميز أية إتفاقية – ومنها إتفاقيات التحصين الثنائية – تبرم بين شخصين من أشخاص القانون الدولي من حيث شرعيتها ومشروعيتها, لكن هناك ثمة تداخل بين الحصانة والتحصين لابد من الاشارة اليه, وهو, أنهما قد ظهرا للوجود القانوني من خلال المعاهدات أو الاتفاقيات, وحيث أنهما يختلفان في مضامينهما, ألاّ أن الإجراءات الجنائية تتسمَّر وتقف أمامهما دون التنفيذ.
إن الحصانة, وبمفهومها الآخر هي حماية الموفد في الأنظمة الداخلية الوطنية يعني عدم تطبيق قانون الدولة على الموفد, وهي امتياز وحق للموفد بموجب إتفاقية, فهي لا تمارس القبض والتسليم او اي انتهاك لحرمة الموفد اليها, فهي أذن تحول دون تطبيق القانون الداخلي للدولة, لأنها تُخْرِج الجرائم التي يرتكبها المتمتع بالحصانة عن الولاية القضائية للدولة المضيِّفة, وبالأخص ما تعلق بجانب أنظمتها ألإجرائية, وإن أي انتهاك من قبل الدولة المضيفة لحرمة الموفد, يعني ان تلك الدولة قد أخلَّت بالتزامها وقامت عليها المسؤولية الدولية, بحساب أنها خرقت قاعدة من قواعد القانون الدولي . .
إن إتفاقيات التحصين الثنائية قد تبدو من تسميتها – ثنائية – أنها بين شخصين من أشخاص القانون الدولي, فهي بحد ذاتها كأية اتفاقية تُعْقَد, إلاّ أن الظروف التي أدت إلى تحرك الدولة التي تروم عقدها, إختلفت جذرياً عَمّا تتضمَّنه الأعراف والإتفاقيات والمعاهدات التي تعرضنا قبل قليل حول الحصانة,حيث بدأت إتفاقيات التحصين الثنائية بالتزايد بعد سريان نفاذ نظام روما الأساسي وتفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية في واقعها العملي, حيث دَأَبَتْ الولايات المتحدة الأمريكية على سعيها الحثيث وإصرارها على تفتيت أية فكرة من شأنها أن تلد نظاماً قضائياً دولياً جنائياً
ثانياً إتفاقية التحصين الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية والأردن.
حيث عقدت أمريكا إتفاقية بخصوص تسليم أشخاص إلى المحكمة الجنائية الدولية مع الأردن لتحصين جنودها, وعدم المثول امام المحكمة, حيث نصت المادة(2) من هذه الاتفاقية على( لن يتعرض شخص ينتمي إلى الولايات المتحدة الأمريكية أثناء وجوده في أراضي المملكة الأردنية الهاشمية لأي مما يلي إلا في حالة وجود موافقة صريحة على ذلك من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية: أ- للتسليم أو للإحالة بأية وسيلة كانت إلى المحكمة الجنائية الدولية لأي غرض كان.
ب- للتسليم أو للإحالة بأية وسيلة كانت إلى أي كيان آخر أو إلى أي بلد ثالث لغرض تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية أو لغرض احالته لها كما أنه لن يتعرض للطرد إلى بلد ثالث لتحقيق أي من الغرضين المذكورين).
من تحليل النص, نجد أن المملكة الاردنية, قد قيدت نفسها بهذه الإتفاقية, وخالفت, ثم ناقضت إلتزاماتها مع المحكمة الجنائية , وهي عضو في نظامها, علماً إن دخولها كطرف في النظام الأساسي, أسبق من تأريخ إبرام إتفاقية التحصين مع الولايات المتحدة الأمريكية, فهي لا تستطيع, أن تسلِّم أو تحيل اي جندي امريكي حينما يرتكب جريمة إلى اية محكمة داخل الاردن وخارجه, بما فيها المحكمة الدولية الجنائية لمحاكمته – وهي المقصودة-, كما لا يحق للسلطات الاردنية التحقيق معه, أو طرده من الأردن, أو يسلم إلى كيان آخر, ولعل القصد من الكيان الآخر, إي جهة تتعلق بجهاز قضائي أو غيره , ألمهم أن الولايات المتحدة, قد أحكمت كل ما من شأنه بهذه الإتفاقية للحيلولة دون تقديم أي أمريكي إلى المحكمة, وهذا ما يشير إلى أن باب التعاون مع المحكمة قد أُغلق بهذه الإتفاقية.
ويمكن القول أن هذه الإتفاقية, مع كونها خالفت مبدأ الإختصاص العالمي, فهي مخالفة صريحة لموضوعية نظام روما الأساسي أيضاً, فرغم إدعاءات الولايات المتحدة الأمريكية بان هذه الإتفاقيات تلائم المادة (98) من نظام روما, الاّ انها خلاف ذلك, حيث انها توفر اجواء الإفلات للمجرمين, إذ أن الإتفاقيات هذه لم تندرج تحت الإتفاقيات المستثناة من نظام روما الأساسي في الفقرة(2) من المادة(98)
خلاصة ذلك أن الإتفاقيات التي تبرمها أمريكا مع الدول الأطراف أو غير الأطراف قد خالفت القانون الدولي, ونظام روما الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية, وهذا مايثبت شيطنة أمريكا ونواياها السابقة والمسبقة وإحتياطاتها, لتحصين نفسها وجنودها من العقاب لهو دليل على فكرها الأجرامي والأستكباري مخافاً لما تنادي بها من ديمقراطيات مزيفة, وإتضح أنها حينما تدخل محتلة لدولة ما تدخل الديمقراطية وهو الظاهر , لكن حينما تسيطر وتنسق مع العملاء والخونة والجواسيس وتضع مخالبها في أرض الوطن المحتل , تأخذ من الديمقراطية ال(مُقْراطِيَّة) وتترك ال(دي), وهذه الأخيرة وجدها شباب اليوم في كتاب (النباهة والإستحمار), لذا على الشباب الأردني أن يتمعنو بالإتفاقية ويدرسوها بنباهة. وكفى بالله وكيلا ومعينا.

عن الكاتب

خبير في القانون الدولي at العراق | + المقالات

مواليد ١٩٦٤ العراق بابل /قضاء المحاويل
عمل محامي لمدة ١٥ سنة
التحصيل العلمي:
* ماجستير قانون دولي ، جامعة بابل
* ماجستير قانون دولي انساني ، جامعة سانت كلمنتس البريطانية فرع العراق الفرات الاوسط(كربلاء )
* الآن في مرحلة كتابة اطروحة الدكتوراه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى