أحدث الأخبارالعراقمحور المقاومة

مشروع بناء مدينة بغداد الادارية

مجلة تحليلات العصر الدولية

اول ما ابتدأت بقراءة الموضوع تحت هذه الملاحظة تبادرت بذهني قضية فلسطين. القضية التي ابتدأت باليهود يشترون الاراضي الفلسطينية بسعر بخس و بعد شراء 6% من الاراضي استولوا على البلد بأكمله. وكأن القضية الفلسطينية تعود مرة ثانية ولكن بالعراق الذي هو 15 مرة اكبر من فلسطين. ويجب على الجميع فضح هذا المشروع ومنع تهجير الموطنين من المنطقة بأي ثمن.

مدينة الرفيل المقترحة في غرب بغداد! تساؤلات عن اخطر مشروع في تاريخ بغداد المعاصر

لم يسبق في تاريخ اي دولة في العالم ان يعلن عن مشروع استثماري جبار لاستحداث مدينة جديدة بمساحة ارض هائلة تقترب من 400 كيلومتر مربع (اي حوالي نصف مساحة بغداد)، وتستوعب مليون شخص جديد، وتهجر ما يقارب من 300 ألف مواطن مستقر في ارضه منذ عقود طويلة ، دون ان تعلن حدود هذه المدينة بالضبط، ومخططها الاساسي المقترح، ولانعلم اذا أجريت الدراسات التخطيطية والبيئية والقانونية اللازمة، وتم الحصول على الموافقات الاصولية من البرلمان والجهات المختصة.
هذا هو بالضبط ماحصل لمدينة (الرفيل) المقترحة بعدما وافق مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 15-6-2021 على انشاء المدينة وطرحها كفرص استثمارية حسب المادة 4 من سادسا من قانون الاستثمار 12 لسنة 2006. كما تقرر تعويض الساكنين والمالكين والمزارعين اراضي اخرى بديلة لم يعلن اين سيكون موقعها، وذلك استثناءا من قرار مجلس الوزراء 175 لسنة 2019. ان الاسباب الموجبة لهذا القرار الاخطر قي تاريخ بغداد المعاصر هو ” انشاء عاصمة ادارية جديدة ولمنع الانفجار السكاني” . ومما يلفت الانتباه ان هذا القرار الجسيم اتخذ بالرغم من معارضة اللجنة القانونية بمجلس الوزراء ووزارة التخطيط عليه، وبمعزل عن امانة بغداد والمخطط الانمائي الشامل لبغداد 2030 الذي اعده مكتب (الخطيب والعلمي) منذ 2015 ولم يصادق عليه حتى الان! ولهذا القرار تبعات خطيرة للغاية وهوغير قانوني ومن غير المعقول اتخاذه بهذه السهولة والعجالة من قبل حكومة تصريف أعمال غير منتخبة.

وصرحت الست سها نجار ( سهى داود الياس نجار) وهي عراقية (اصلها من بلدة كرمليس قرب الموصل)، بريطانية الجنسية، وعينت كرئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار في 14 ايلول 2020، بعد ان كانت مستشارة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، ومديرة في بنك الكويت الوطني، ومديرة مالكة وحيدة لشركة اسهم صغيرة في لندن، بان مشروع الرفيل سينفذ على اربع مراحل، الاولى لانشاء مجمعات سكنية وتعليمية وطبية وتجارية وخدمية وترفيهية، وحسب التصاميم المقترحة من قبل الشركة الامريكية (CH 2M) والتي اشترتها مؤخرا الشركة الهندسية العملاقة (جيكوبز انجنيرنج جروب- تكساس). والمرحلة الثانية خصصت لمشاريع لوجستية خدمية مجاورة للمطار، والثالثة لمشاريع زراعية غذائية. اما المرحلة الرابعة فهي ستغطي اراض واسعة من قضاء ابوغريب شمال وغرب المطار. وسيتم عرض هذه المراحل كفرص استثمارية (لجهات غير عراقية على الاغلب)، مع اعداد تصاميم تفصيلية لكل فرصة تحدد فيها المشاريع مع توفير الخدمات التحتية اللازمة. وقالت ان الهيئة بصدد طرح 12 فرصة استثمارية قريبا عبر لجنة حكومية و” سيراعى فيها كل شروط الشفافية “.
ومن الجدير بالذكر ان بعض المسؤولين ذكروا مشروع انشاء مدينة القاهرة الجديدة (لم تسمى رسميا بعد وستكلف اكثر من 80 مليار دولار) كعاصمة ادارية جديدة كمثال احتذي به في المشروع العراقي بالرغم من الاختلافات الكبيرة معها. ومن بين اهم هذه الاختلافات هو بعد القاهرة الجديدة بحوالي 45 كيلومتر شرق العاصمة وعلى ارض صحراوية تماما، بينما نجد ان مدينة الرفيل المقترحة ستكون داخل بغداد وملاصقة لها تماما وحول المطار الدولي وعلى اراض زراعية ممتازة! ومن غير المعروف تماما من هو صاحب فكرة انشاء هذه المدينة في هذا الموقع تحديدا، ذلك لانه من غير المعقول انها كانت من بنات افكار رئيس الوزراء السيد الكاظمي وحده، ولان الدراسات السابقة الخاصة بانشاء مدن توابع جديدة حول بغداد لم تتضمن موقع الرفيل المقترح.
ان انشاء هذه المدينة سيسبب في اكبر كارثة انسانية وبيئية وتغيير ديموغرافي خطير تشهدها بغداد في تاريخها المعاصر، لانها ستزيح حوالي 300 ألف انسان بغدادي الى اماكن مجهولة دون ذنب. كما انها ستسبب في استقطاب اعداد هائلة من المركبات واختناقات مرورية على طريق المطار والطرق الاخرى، وستزيل مساحات كبيرة من حزام بغداد الاخضر، اضافة الى مشاكل بيئية ضارة بسبب تعمير الاراضي الزراعية الخضراء واستبدالها بطرق وابنية. وعند اكتمال انشاء كافة مراحل المدينة (ان كتب لها النجاح وهو امر مشكوك به في الضروف الحالية) سيحاصر مطار بغداد الدولي، الذي ستتنامى طاقته الاستيعابية حتما في المستقبل القريب الى حوالي 10-15 مليون راكب سنويا، بالعمران الكثيف مما سيضطر سلطات المطار الى التفكير جديا بنقل المطار الى موقع اخر جديد.
ومن غير المعروف ايضا فيما لو اجريت دراسة جدوى معمقة من قبل جهة احترافية مشهود لها بالمصداقية تفحص فيها كافة الاحتمالات الممكنة لاختيارافضل موقع وبأقل الخسائر الانسانية والبيئية. ونحن لانعلم ايضا لماذا ومن اختار المكتب الامريكي لتصميم هذا المشروع دون غيره من مئات المكاتب الاستشارية العالمية المشهورة بتخطيط المدن؟ ومن المعتاد تماما ان احالة أي عمل حكومي جبار مثل هذا المشروع الى استشاري بعينه مباشرة ودون اجراء مسابقة او استدراج افكار بديلة، ستشوبه حتما شبهات الفساد والاستفادة الشخصية من قبل اصحاب القرار.

ومن له هذا الحق المطلق بازاحة البشرالامنين في بيوتهم منذ عقود طويلة، واقتلاع المزارعين الذين افنوا حياتهم برعاية اراضيهم واشجارهم ونخيلهم…؟ هل الحكومة الحالية مخولة بطرح مثل هذه المشاريع العملاقة دون استشارة الخبراء العراقيين وموافقة البرلمان؟ ان اي دراسة جدوى موضوعية كانت حتما سترفض اختيار الموقع المحيط بالمطار وشماله حتى ابو غريب للاسباب اعلاه.
وكان من الممكن، حسب رأي كمخطط مدن درس في المملكة المتحدة ومارس التخطيط في العراق، اختيار الموقع الجديد بالقرب من بحيرة الحبانية كعاصمة ادارية جديدة وهي تبعد حوالي 50 كيلومترا من المطار لانه سيكون افضل بكثير بيئيا واقتصاديا، ولايزال هذا الاختيار قائما وممكنا حتى الان، الا اذا كان لدى هذه الحكومة اسبابا قاهرة اخرى تمنعها من اختيار هذا الموقع الرائع وتضطرها للجوء الى خيار المطار وابو غريب. وفي الحالات الاعتيادية، لاتعطي الحكومة مثل هذا المشروع الى مكتب بعينه، بل تقوم الدول باعلان هكذا مشروع كبير كمسابقة بين عدد معين من افضل المكاتب الاستشارية المتخصصة في تخطيط المدن، بعد اكتمال دراسة الجدوى طبعا وبرنامج المتطلبات (TOR)، لتقديم افكارهم العامة وتصوراتهم عن العاصمة الادارية الجديدة لكي يتم اختيار التصور الافضل (Concept) من قبل لجنة تحكيم متخصصة واعضائها على درجة عالية من الاحتراف والخبرة. بعد ذلك يتم اعداد المخططات التفصيلية للمدينة الجديدة ، شرط مناقشتها وتقييمها باستمرار من قبل لجنة متخصصة ايضا، لانه لايسمح للمكتب الاجنبي ان يقررهو مايشاء وحسب معاييره واساليبه ومزاجه دون نقاش وتبريرات منطقية وتقنية مع الجانب العراقي المتخصص.

ان بناء مدينة جديدة بهذا الحجم من الاستثمار والمساحة الهائلة هو ليس مزحة، او لعبة بسيطة بيد هذا السياسي او ذاك. انه قرار خطير جدا جدا سيؤثرعلى مصيرالاجيال القادمة وتركيبتها الاجتماعية لمئات السنين القادمة، وسيغير جوهريا البنية الوظيفية لمدينة بغداد وهيكلها العمراني…اين هي الشفافية التي ذكرتها الست سها نجار مديرة الهيئة الوطنية للاستثمار؟ انها شفافية معتمة يصعب فك رموزها. وارجو ان تجيبنا على التساؤلات المشروعة التالية:

• من الذي قرر تسمية المشروع ب “الرفيل” بهذه السرعة وهو اسم نهر قديم ينسب الى المدعو دهقان الفارسي؟ اما في اللغة العربية فهي تعني (جر ثوبه متبخترا)! من هو الفطحل الذي قرر هذا الاسم الذي لايليق ببغداد العظيمة؟ بينما نجد عدم تسمية القاهرة الجديدة حتى الان بالرغم من البدء بانشائها منذ 2015 لان الاسم سجري الاستفتاء عليه من الشعب.

• هل اعددتم دراسة جدوى علمية ؟ متى ومن قام بها…
واين هي؟
• هل اعددتم برنامج مفصل ومدروس لمتطلبات ومكونات ومعايير المشروع؟ من اعدها ومتى واين هي؟
• من الذي اختار هذا الموقع بالذات دون غيره…ولماذا؟
• هل عرفتم بعدد البشر الذين سيتم ازاحتهم واقتلاعهم من بيوتهم ومزارعهم؟ والى اي موقع سيرحلون؟ وهل يتعارض برأيك هذا الاجراء مع ابسط حقوق الانسان ام لا؟
• لماذا وكيف ومن اختار الشركة الهندسية الامريكية لاعداد التصاميم دون غيرها من العالم؟
• لماذا لم تعلنوا المخططات والتصاميم المقترحة للمدينة مع بيان حدودها على الارض لكي نعرف ماذا سيحصل، وكم منها داخل حدود الامانة؟ انتم نشرتم صورة عامة لاتشير اطلاقا الى موقع المدينة وهي مجرد رسم رقمي مجسم يمكن ان يكون في اي مكان في العالم.
• هل جرى اي تنسيق من قبلكم مع امانة بغداد حول الموضوع؟
• هل سيمنح المستثمر قطع الاراضي مجانا؟
• من الذي سيتحمل تكاليف البنية التحتية وكافة الخدمات الاخرى؟
• ماهي الكلفة الكلية المتوقعة للمشروع؟ وماهي النسبة التي ستتحملها الدولة العراقية منها؟
• ماهي المدة الزمنية المتوقعة لانجاز المشروع بمراحله اربعة؟
• اخيرا، وليس اخرا، هل تمت مناقشة هذا المشروع الخطير في البرلمان؟ وهل حصلتم على موافقته الرسمية؟

ارجو من الهيئة الوطنية للاستثمار ان تعيد النظر مرة اخرى في هذا المشروع الخطير وان تفكر جديا بخيار انشاء المدينة الجديدة في منطقة الحبانية، لان المضي قدما في هذا مشروع (الرفيل)، بغض النظر عن كل نتائجه الوخيمة المذكورة اعلاه، سيتحمله تاريخيا كل مسؤول وقع على تنفيذه.

ا. د. احسان فتحي

22-6-2021
معماري ومخطط مدن عراقي ( خريج جامعة شفيلد- المملكة المتحدة )
عضو الهيئة الاستشارية العليا لتخطيط مدينة بغداد سابقا
عضو الهيئة الاستشارية لاستحداث المدن الجديدة في العراق سابقا
عضو الهيئة الاستشارية لمناقشة وتقييم تصاميم ودراسات المكاتب الاجنبية الخاصة بمدن سامراء وتكريت والثرثار والمدائن سابقا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى