أحدث الأخبارايرانشمال أفريقيامحور المقاومةمصر

معلومات كبار ضباط المؤسسة الأمنية في مصر عن ايران تساوي صفر معلومة

مجلة تحليلات العصر الدولية - د.محمد العبادي

دفعني الفضول للإطلاع على ما جرى في مصر ابان ثورة ٢٥ يناير ومابعدها ، وشاهدت فيديوهات ولقاءات لكبار الضباط في المؤسسات الأمنية المصرية حيث شاهدت تفصيلات وقائع محاكمة كبار الضباط ، واطلعت على تفسيراتهم للأحداث .
ثم عطفت تلك التفسيرات واسقطتها على واقعنا في العراق لمشاهدة حقيقة ما يجري فيه .
ان كثير من الضباط في مصر يتمتعون بثقافة عالية مضافاً الى ثقافتهم التخصصية ؛ الأمر الذي دعاني إلى مشاهدة لقاءات وحوارات اخرى مع كبار الضباط في المخابرات العامة والجيش والداخلية من أمثال اللواء منصور العيسوي وزير الداخلية الأسبق ،واللواء محمد ابراهيم وزير الداخلية السابق، واللواء مراد موافي مدير المخابرات العامة الاسبق ، واللواء عبدالحميد خيرت نائب رئيس جهاز أمن الدولة الاسبق ، واللواء برهان جمال حماد وكيل المخابرات العامة الاسبق ، واللواء ممدوح قطب مدير المخابرات العامة الاسبق ، واللواء سامح سيف اليزل رئيس مركز الجمهورية للدراسات السياسية والأمنية ، والخبير العسكري اللواء سمير فرج وغيرهم .
كنت استمتع بتلك اللقاءات لاسيما وانها تعطي صورة عن دور العقل الأمني في استعادة مصر لعافيتها ودورها الإقليمي بعد أن نالت منه فوضى الربيع العربي .
في أثناء تلك المقابلات الكثيرة والملفتة لهذا العدد من كبار الضباط ، والذين لديهم إحاطة وإشراف عن ما يجري في مصر وربما جيرانها ، دهشت للمفارقة العجيبة وهي أن هؤلاء الضباط في الوقت الذي تشاهد فيهم المهنية والكفاءة والخبرة ، تشاهد في جانب آخر من شخصيتهم؛ الفقر الشديد في معلوماتهم عن ايران بحيث أن مالديهم من معلومات عبارة عن أوهام ، وتساءلت في نفسي أثناء ذلك: لماذا تكون المؤسسات الأمنية في مصر والتي تعتبر المعلومة الصحيحة أحد اعمدتها على هذا الفقر المدقع من المعلومة ؟!
وتداعى إلى ذهني ان مصر ربما لديها تنسيق وتعاون في استقاء المعلومات وتبادلها مع دول مثل أمريكا واسرائيل، الأمر الذي جعلها ضحية للتضليل المعلوماتي ، ونعرف جيداً ان هذه المعلومات التي يتم تزريقها تبنى عليها مواقف في المستوى السياسي .
سأذكر بعض الأمثلة عن المعلومات الخاطئة عند كبار الضباط في المؤسسة الأمنية ، ومن الطبيعي عندما تكون المقدمات خاطئة فالنتيجة خاطئة قطعاً.
بإختصار شديد يناسب المقام سأنقل نتف مما قالوه :
في حوار مع اللواء تامر الشهاوي ( عضو مجلس النواب ووكيل جهاز المخابرات الأسبق ) يذكر أن : ( الخميني كان يتبادل الرسائل مع السفارتين الاسرائيلية والأمريكية في باريس وكان يتواصل معهما وتعهد لهما بإلتزامه بكل الاتفاقات التي عقدتها دولة الشاه مع الغرب ، لكنه بمجرد وصوله الى السلطة انهى تماماً كل ذلك .).
أليس عجيباً ان يصدر هذا الكلام من ضابط كبير كان يعمل في مؤسسة أمنية تعتبر بمثابة كنز للمعلومات ؟!. ( رمتني بدائها وانسلت )!.
هذا الكلام لا أساس له من الصحة ، وليت هذا الضابط يقدم لنا دليلاً ولو مفبركاً (کذب مصفط) يدعم مدعاه مثل صورة او تسجيل تم في سفارتي إسرائيل وامريكا عن تلك اللقاءات والمراسلات.
ان الثورة الإسلامية في إيران وقادتها معروفون بمواقفهم وشعاراتهم واهدافهم ولا حاجة إلى استعراض تاريخهم وسجلهم الأبيض .
وذكر هذا الضابط المخابراتي الكبير مؤيداً لمجري البرنامج: ان مجلس صيانة الدستور كان فيه اربع حاخامات يهود.!!!
يبدو لي أن هذا الضابط يفتقر إلى أبسط المعلومات عن المؤسسات في الجمهورية الإسلامية ، لأن مجلس صيانة الدستور مستوحى من الأفكار التي طرحها السيد الشهيد محمد باقر الصدر في ( لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية ) ، وقد نصت المادة (٩٣) من الدستور في الجمهورية الإسلامية على تشكيل هذا المجلس ، ونظرة سريعة لهذا المجلس في حمايته وصيانته لأحكام الإسلام ودستوره تدحض هذا الافك في وجود حاخامات يهود فيه ، إذ كيف لحاخامات اليهود ان يصونوا الدستور الإسلامي؟!
اشياء اخرى عجيبة ذكرها هذا الضابط المحترم ، واعرضت عن ذكرها ؛لانها لاتستحق ايرادها وردّها .
أما الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج ؛ فقد ذكر في لقاء اجرته معه الاعلامية لميس الحديدي ان : ( ايران أيام الشاه كانت من العشرة الكبار في العالم ، وكانت اقوى دولة في المنطقة ، ولكن أول ما جاء الخميني وتعرفين ان الحكم الإسلامي ماذا يعمل ، عمل على وضع الحرس الثوري مكان الجيش لماذا ؟ لأن الجيش ولاءه للدولة أما حرس الثورة ولاءه للخميني فيعطي ولاءه له ، وعلى هذا تراجعت ايران ، وعلى هذا ايران نزلت بسبب أنه ترك 《ساب》القوى التقليدية واعتمد على الحرس ). انتهى الاقتباس.
هذه المعلومات والتحليلات التي يقدمها هذا الخبير الإستراتيجي معلومات لاعلاقة لها بالحقائق داخل الجمهورية الإسلامية، فالجيش العاشر حسب التضليل والإعلام الغربي لم يكن كذلك عندما بدأت الحرب بين العراق وإيران ونفذت ذخائر السلاح في السنة الأولى من الحرب كما أن كثير من الأسلحة التي ابتاعتها أمريكا لإيران كانت عديمة.
ان الحرس الثوري لم يكن منافساً أو نداً للجيش ، بل في حقيقة الأمر أن الجيش والحرس هما جناحا الدفاع عن الجمهورية الإسلامية وهما يخضعان لقيادة الأركان ، وتوجد معاونية لقيادة التنسيق والتعاون بين مختلف صنوف القوات المسلحة في الجيش والحرس .
ان الجمهورية الإسلامية والتي يدعي هذا الخبير تراجع قوتها هي اليوم أحد الدول القوية في غرب آسيا وتتقدم على كثير من جيوش المنطقة والعالم والتي تخصص ميزانيات ضخمة للدفاع .
ان ايران تقوم بتأمين حاجاتها من الأسلحة محلياً ولديها صناعات دفاعية مختلفة وتحتل مراتب متقدمة عالمياً في امتلاكها لانواع الأسلحة .
ثم إن اللواء سمير فرج في لقاء آخر كان قد عرض خارطة لإيران وجوارها الإقليمي ويعرض تصورات وتحليلات يتبنى فيها وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية في ان ايران تريد امتلاك السلاح النووي ، لأن لديها أطماع في الدول العربية المجاورة لها .!!!
ان تصورات اللواء سمير عن البرنامج النووي الإيراني هي تصورات خاطئة جملة وتفصيلاً ، لأن البرنامج النووي الإيراني مخصص للأغراض المدنية وهو خاضع للرقابة الصارمة وعلى مدار الساعة من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية ، ومنذ توقيع الاتفاق النووي عام ٢٠١٥م صدر حوالي (٢٥) تقريراً كلها تؤكد سلامة وسلمية البرنامج النووي وعدم انحرافه عن مساره السلمي، ولا أدري ماهي مصادر معلومات هذا الضابط اذا كانت هذه الوكالة الدولية هي المختصة بتحديد سلميته أو عدم سلميته لاسيما وأنها اصدرت تقاريرها بهذا الخصوص ؟!
وفي حوار مع اللواء محمود خلف المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا ؛ ذكر هذا الضابط معلومات غير صحيحة مثل ان سبب وجود داعش نوري المالكي والشيعة، وانهم – اي الشيعة- لما حكموا شيعوا البلد و..و..الخ!!!
وان ايران لما تفكر أنها عايزة تتعفرت في الخليج تعرف انها غير مسموح لها، لأن الرقم الموجود رقم صعب وهو وجود مصر ، لانها يعني تعيد الحساب والفاتورة عالية و..و.و.
ان اللواء محمود منفصل عن الواقع تماماً ويعرض معلومات وتحليلات مغلوطة عن العراق وعن الشيعة وحتى عن ايران .
ان ظاهرة استعداء ايران تبنتها أمريكا وإسرائيل ثم ترشح منهما إلى الدول العربية وخاصة دول التطبيع والتركيع العربي .
من باب المحاججة لا الخصومة مع الإخوة في مصر أقول: ان هذا الضابط المحترم نسي أن مصر التي يعتبرها رقم صعب في معادلات القوة لازالت سيادتها منقوصة على أرض سيناء، وأنها لا تستطيع طبقاً للملاحق الأمنية الواردة في كامب ديفيد ان يعيش في سيناء أكثر من ( ١٥٠) ألف نسمة مع ان مساحة سيناء (٦١) ألف كيلو متر مربع ، وأنها لا تستطيع أن تضع في هذه الأرض العريضة أكثر من فرقة عسكرية وأن عليها أن تبتعد عن حدود فلسطين المحتلة بمسافة حددتها الاتفاقية فأين اختفى هذا الرقم الصعب من أراضيكم التي لاتستطيعون ممارسة سيادتكم عليها كاملة ؟!
اما اللواء برهان جمال حماد وكيل المخابرات العامة الأسبق ؛ فيرى أن هناك خلافات كثيرة بين مصر وسورية ؛ومنها العلاقة مع ايران وحزب الله حيث ترى المؤسسات المصرية ان تلك العلاقة مضرة وستجلب على سوريا المشاكل .
هذه الرؤية والطلب المصري في فك الارتباط مع ايران وحزب الله هو تدخل في الشأن السيادي لسوريا ، وهذا الطلب هو ظل للرغبة الأمريكية والإسرائيلية، وقد أثبتت سورية ان علاقتها مع ايران وحزب الله قائمة على أسس متينة ، ولو عملت سوريا بنصيحة مصر لبقيت سورية وحيدة في ميدان المواجهة مع عصابات الإرهاب التي صنعتها الدول الغربية بتآمرها المشترك وارسلتهم إلى داخل سورية .
ان هؤلاء الضباط الكبار كانوا قد تربوا في مؤسسات أمنية تعتمد على المعلومة في جزء كبير من عملها ، وقد قدموا لنا تصورات بعيدة عن الواقع حول ايران ، الأمر الذي يدعوا الى تغيير العدسات الفعلية وتجديدها ، ليتسنى لهم النظر إلى الواقع بصورة مختلفة عما هو عليه حالياً .

عن الكاتب

كاتب at العراق | + المقالات

العراق - ميسان
حاصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ التشيع
استاذ في جامعة المصطفى العالمية منذ سنة 2003.
أشرف وناقش رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه
طبع له ثمانية كتب في دور نشر مختلفة، والعشرات من البحوث والمقالات السياسية والثقافية والتاريخية والحديثية والكلامية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى