أحدث الأخبارايرانمحور المقاومة

مقال التجربة الإيرانية…دون”القالب”الإيراني

مجلة تحليلات العصر الدولية - د. حسين الفراتي

كانت مفاجأة بالنسبة لي أن أشاهد في مصنعٍ إيراني تابعٍ للقطاع الخاص في ضاحية من ضواحي طهران الصناعية، قوالب وتصاميم تصل الدقّة المُعتمدة في تكامل قِطعها الى مُستويات تُقاس بالليزر. وإلى غاية التسعينيات من القرن الماضي، كانت تلك التكنولوجيا حكراً على شركاتٍ مُحددةٍ يابانية وألمانية وأميركية.
وبعد عام أو أكثر، تشاء الصُدفة أن أزور معرضاً للصناعات في كولن/ألمانيا. لألتقي مدير الشركة الإيرانية المُختصّة بالقوالب التي زرتها سابقاً، وهو يجلس في(بوث) صغيرٍ مُخصص لشركته، وإلى جانبه بعضُ مُنتجاتها. وبعد عناقٍ وتحيّةٍ دافئة، فهمتُ منه أن شركته تقدّم قوالبها(نصف المصنّعة)الى شركات ألمانية تستخدمها في الكابسات والتشكيل، كما تعيد تصدير أجزاء أخرى ليجري تجميعها في ألمانيا ليخرج المُنتج النهائي وهو يحمل العلامة البرّاقة(Made in Germany)التي طالما سحرتنا ونحن نشاهدها على المصنوعات الرصينة. العصفوران اللذان أصابهما صاحبي الإيراني هما؛ تجاوز العقوبات المفروضة على إيران، والإستفادة من تدني تكاليف الإنتاج في إيران. وبعد مدّة ليست طويلة، وبحكم عملي، عرفتُ عبر تفاصيل فنّية، أن هناك شركات إيرانية تصنع توربينات رؤوس التوليد للمحطّات الكهربائية، وفق أحجام مختلفة. وبمواصفات تطابق ما تعتمده سيمنس الألمانية، ويعرف المختصّون أن محطّات التوليد فيها العديد من الأجزاء الاستهلاكية التي تتراوح أعمار عملها من بضعة أسابيع الى سنة أو سنتين لتستحق الإستبدال بعدها.
هذا المدخل(التصنيعي)، ينفع أن يكون مدخلاً أيضاً لفهم التجربة الإيرانية. ولأننا نحن العراقيون، نشكل جزءاً متفاعلاً من مُحيط إيران، مثلما إيران كذلك بالنسبة للعراق، سيحكم المنطق ألّا نهمل هذه التجربة ونحن نتلمس طريقنا نحو الإصلاح وبناء بنى تحتية حقيقية، وليس مشاريع إستعراضية قشرية.
و كمدخل سياسي قد تنفع اجابتي لصديقي الذي لم يفهم استبعاد مرشحين للرئاسة في إيران(من وجهة نظر إيرانية اجتماعية وسياسية إجمالية) ستعجّل من رصّ الصفوف الداخلية لمواجهة تحدٍ قاسٍ وغير عادل ويخلو من الإنصاف.
نعم كان من بين المُستبعدين شخصيات مؤثرة، مثل نجاد ولاريجاني، لكنّ الظرف والتحدي الموصوف، وضع شرعية النظام كهدف من بين الأهداف المُعرّضة للقصف، إلى جانب مواقع الأبحاث النووية أو الصناعية.
لقد فهِم العقلاء أن تشتيت الأصوات سيؤدي الى تراجعٍ في نسبة المشاركة الشعبية. نعم، سيحصلون على(أنصاف مرشّحين)، لكن المطلوب أن يقف الشعب الإيراني بقواه كلّها في إسناد خندق البقاء. فالمجتمعات التي تستحضر معوّقاتها، لن تتمكن أبداً من رؤية أعلى مديات إمكاناتها.
وكل من فرض عقوبات على إيران أو دخل معها في عداء ينتظر التشكيك بشرعية الإنتخابات، وسينتهز ضعف المشاركة الشعبية لو أنه حصل.
ما خطر لي أن أكتب عن التجربة الإيرانية، هو أن ابناء جيلي يعرفون إننا خرجنا(العراق وإيران) من لُعبة العبث الحربية الصدّامية عام 1988، مُنهكين سوية،وكانت تنتظرنا مهمّة إعادة إعمار بلدينا، فلماذا لم نفهم للآن ما فعله صاحب الشركة الإيرانية الذي يُجمّع منتجاته في ألمانيا؟.
كان مهمّاً لدى الإيرانيين أن يفوز رئيسهم المنتخب من الجولة الأولى، وهكذا فاز السيد إبراهيم رئيس الساداتي(أو رئيسي) كما جرى عليه إسمه. ولنا أن نتخيل حجم الآلة الإعلامية السلبية التي تواجهها إيران من خصومها.وفي الحقيقة، كل المشاركين الإيرانيين في التصويت تعرّضوا لها، بالضبط مثلما تعرّض العراقيون لحملاتِ التخويف والإنتحاريين القادمين من كل دولة لا ترغب برؤية عراقٍ مُعافى، ومع ذلك أحيوا إنتخاباتهم.
للأسف، صار شائعاً حتى بين المختصّين الحديث بمواصفات وتقديرات تنفع لصبغ الهواء فقط، ولم يُكيف أغلب اصحاب العناوين والشهادات، أسلوب الحديث رقمياً وبمتغيرات قابلة للقياس(Measurable Parameters)، إلّا عند النادر من الشخصيات، وسأحاول أن أتفادى هذه السوءة.
خرجت إيران كما قلت عام 1988، ببضعة ملايين من الضحايا والمعوّقين والمشوهين بالكيمياوي والأرامل واليتامى، وباقتصاد مُنهك. لكن الإدراك وحس المسؤولية، جاء أولاً.
إن إيران تقف ثانياً على مستوى العالم في احتياطي الغاز الطبيعي(32 ترليون م3 )، وتأتي رابعاً على مستوى العالم باحتياطي النفط الخام(155.6مليار برميل).لكنها كانت تنتج 4000 ميكاواط من الكهرباء فقط. أما ناتجها المحلّي فقد كان محدوداً جداً. لكنها اليوم تنتج 88000 ميكاواط. وتصدّر الفائض، وتجهّز القرى والأرياف بمعدّلات زادت عن 100% من الحاجة. ولنتذكر أن هذا حدث في ظل عقوبات أميركية وحصار اقتصادي وعداء إقليمي مُمنهج.
19 سدّاً كانت تتوزع على ارجاء إيران عام 1979، تحوّلت اليوم الى 182 سدّاً، وقد يصل العدد الى 214 سدّا مع نهاية العام الحالي. وعاشت إيران شحّة في المنتجات النفطية، إلّا أن الحال تغير، وصارت تكرر مليوني برميل يومياً، وتصدّر مليوناً. وتنتظر رفع العقوبات ليرتفع تصدير المنتجات الى 4 ملايين برميل كل يوم.
وهي من بين العشرين الكبار في مقياس إستهلاك الطاقة الذي هو مؤشر تنموي عالمي، بينما أكملت مدّ خط أنابيب بترولها عبر كازاخستان لتصل الى حدود الصين(كانت قد بدأت العمل بهذا الخط العملاق عام 2006).
اليوم تقف إيران في المرتبة 25 على العالم في الناتج المحلي، وبـ460 مليار دولار. وستدخل مجموعة(G20)، في اللحظة التي تطبّع فيها علاقاتها مع الغرب حسب الإتفاق النووي الذي ألغته إدارة ترامب من جانب واحد، رغم الجهود الأوروبية لثنيه عن هذا الإلغاء.
وعلى الرغم من العداء الإعلامي والآيدولوجي، إلّا أن السلّة الغذائية الخليجية يندر أن لا نجد فيها منتجاً إيرانياً. ورغم العقوبات، فإن السفن الصغيرة تقطع المسافة من بندر عباس الى موانئ الخليج بشكل شبه يومي محمّلة بكل ما لا تنتجه دول الخليج من فقرات غذائية وفواكه وخضروات. ولديها مع العراق 5 منافذ حدودية تدخل منها المواد الغذائية على مدار الساعة.
سبق أن رفضت دول الخليج دخول طهران عضواً في مجلس التعاون، كان هذا قبل 20 عاماً، لكنها اليوم باتت عضواً في منظمة تعاون شنغهاي(SCO)، الى جانب الصين والهند وروسيا الإتحادية، في أكبر منظمة إقليمية عالمية من حيث السكّان تعتمد التعاون الإقتصادي.
أمّا علاقتها مع الصين، فلا داعي للإسراف في الوصف ويكفي ان نذكر الإتفاق الأخير الذي بلغ سقفه 400 مليار دولار.
وتوَفر إدراكٌ مبكّر في طهران لأهميّة وجود قاعدة علمية رصينة، لا تكتفي بمنح الشهادات، إنما تسهم في التطوّر التكنولوجي المحلّي. لهذا، نشاهد جامعتين إيرانيتين من بين التصنيفات المتقدّمة للجامعات على مستوى العالم هما؛(جامعة طهران)،و(الجامعة التكنولوجية في أصفهان)، بحسب تصنيف(US News & World Report Education)، الأميركي.
كانت هناك ستراتيجية واضحة لمواجهة العقوبات، بثلاث ركائز هي؛ تطوير اقتصاد مرن يواجه العقوبات، مواصلة التقدم في النواحي التكنولوجية والعلمية، تعزيز التفوّق الحضاري والثقافي.
هذا ما جعل النظام السياسي في إيران يستند الى فلسفة الضبط والتوازن(Check and balance)، وهي ما منحته قدرة عالية على التكيّف، وامتصاص الصدمات حيث تكبح المؤسسات الإيرانية تجماح بعضها البعض عبر ثنائية مصممة بشكل هادف ومقصود. قد يبدو هذا الوصف نظرياً إلّا أنه نجح في الإمتحان العملي. كل هذا مع إقرار بدور مركزي للمرشد الأعلى لا سيما في القضايا الستراتيجية كما حدث في مفاوضات 5+1 مثلاً.
تواجه إيران ضغطاً دولياً بسبب ملفها النووي، وهذا أدّى الى ضغط إقتصادي أثر على المجتمع الإيراني بشكل مؤلم. لكن الإنتخابات الإيرانية كشفت عن مساندة اجتماعية للنظام السياسي، وإيمان من جانب عامّة الإيرانيين بالحق في امتلاك التكنولوجيا النووية. ولا يُعدم رجل الشارع الإيراني الحيلة حين يتحدث فيقول: لو قبلنا بالتنازل عن حقنا في التكنولوجيا، سنُسلب باقي الحقوق تباعاً ونحن نتفرّج!.
كما فطن العقل الإيراني الى عامل ضاغط آخر، وهو نطاق الحرّيات السياسية. فالمراقب سيكتشف بسهولة أن الطبيعة الدينية في النظام السياسي، أقوى منها في المجتمع. وهو أمر يمهّد لتباعد تدريجي بين الطرفين. لكن الرئيس روحاني ساهم بسياساته بردم الهوّة بين الطرفين. وجرى رفع سقف الحرّيات في الجانب الإجتماعي فيما يتعلق بالمحددات في ملابس النساء أو شيوع سماع الموسيقى والأغاني في الأماكن العامة وبشكل مكشوف لقوى النظام.
الجواب يكمن في إمتلاك بوصلة تقيّم المواقف، بشكل متّزن وينطلق عن رؤية ستراتيجية لها هدف مركزي يجب أن تبلغه. نضجت إيران كدولة مهمة وكبيرة، بشكل دفع المؤشرات الدولية الى وضعها بنسبة 64% في قياس معدّل الإستقرار الذي يعبّر عن مدى نجاح النظام السياسي في إدارة متغيرات القوّة المتاحة. بمعنى إن النظام حقق نسبة من الإستقرار توازي نسبة نجاحه في إدارة متغيّرات القوّة الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى