أحدث الأخبارالسعودية

ملاحظات حول زيارة بايدن

سنية الحسيني .

ركزت زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة ما بين ١٣-١٦ تموز الجاري على تحقيق عدد من الأهداف، تم الإشارة إليها قبل الزيارة، وظهرت كذلك في البيانات والتصريحات الصحفية للرئيس بايدن خلالها، الأمر الذي يفسح المجال لتقييم نتائج هذه الزيارة، وتحليل الواقع السياسي في المنطقة اليوم. وبشكل مبدئي يتضح من جدول أعمال هذه الزيارة، والتي بدأت في إسرائيل وانتهت في المملكة العربية السعودية، أن هذين البلدين هما محور اهتمامها، وحدود طموحاتها. ولا يعتبر دعم الإدارة الأميركية لإسرائيل من بين أسباب تلك الزيارة، لأن هذا الدعم متفق عليه ومحسوم منذ سنوات طويلة، ومن قبل كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حسب ما أكده “بيان القدس” الذي صدر في نهاية زيارة بايدن لإسرائيل. ويبدو أن الهدف الصريح الذي جاء بايدن من أجله بخصوص إسرائيل يرتبط بشكل رئيس بدمج إسرائيل مع دول المنطقة، من خلال توسيع إتفاقيات التطبيع لتشمل المملكة العربية السعودية بشكل أساسي، بالإضافة إلى تطوير التحالفات الأمنية مع دول المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أيضاً.

كما يتضح من تبدل السياسية الأميركية المفاجئة تجاه المملكة، أن الولايات المتحدة قد تأثرت بتطورات الحرب الروسية الأوكرانية، التي أوجبت عليها إعادة النظر في سياستها تجاه حلفائها في المنطقة، خصوصاً في ظل تمدد النفوذ الروسي والصيني بين دولها. وتبدو الصورة أكثر وضوحاً بما يتعلق بالسعودية من خلال تأكيد الولايات المتحدة رغبتها في زيادة ضخ المملكة للنفط، وذلك للسيطرة على أسعار موارد الطاقة في خضم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، انطلاقا من أهمية السعودية وقدرتها في هذا المجال، ومكانتها بين دول مجموعة “أوبك بلس” وهو الأمر الذي يرتبط بشكل مباشر بالانتخابات الأميركية النصفية التشريعة بعد أربعة أشهر، اذ قد يؤدي استمرار إرتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم الناتج عنها في الولايات المتحدة إلى هزيمة نكراء قد تلحق بالحزب الديمقراطي. وأما فيما يتعلق بالملف الإيراني والفلسطيني، فتبقى ملفات مساعدة على أجندة هذه الزيارة في خدمة تحقيق أهدافها الرئيسة، إذا تستخدم أميركا الملف الأول كمحفز استراتيجي لحشد دول المنطقة العربية للعمل مع إسرائيل. فأكد بايدن خلال زيارته لإسرائيل والسعودية على ضرورة التنسيق والعمل على منع حصول إيران على سلاح نووي. واكتفى بايدن بالتصريحات الجوفاء والايماءات المغرية والمخادعة للفلسطينيين، للمرور بسلام إلى السعودية، ومقابلة تسع دول عربية دون أي معيقات أو منغصات. فأعلن عن دعم إقتصادي سخي للفلسطينيين ووعود بتسهيلات حياتية، بينما استبعد أي حل سياسي آني، رغم تشديده على أن المفاوضات فقط ستؤدي لدولة فلسطينية مستقلة.

كشف جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأميركي قبل زيارة بايدن إلى المنطقة بأن رئيسه سيعلن عن إستراتيجية أميركية لتعزيز الأمن والسلام فيها، وسيناقش ملف أمن الطاقة مع القيادة السعودية. وأكد سوليفان أن بايدن سيسعى خلال زيارته لإعادة التوازن للعلاقات الأميركية – السعودية، كما سيناقش خطوات تتضمن تحقيق التكامل الإقليمي، والذي يتعلق بتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل وبناء منظومة دفاعية موحدة تضم إسرائيل إلى جانب دول عربية لمواجهة التهديد الإيراني. وتعهد بايدن بالفعل خلال زيارته لإسرائيل بـ “استخدام جميع عناصر القوة التي تمتلكها بلاده” لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي، ومواصلة العمل مع إسرائيل، والشركاء الآخرين، على مواجهة تهديدات إيران السيبرانية والصواريخية ووكلائها الإقليميين، والذين اعتبرهم بايدن حركات المقاومة الفلسطينية حماس وحركة الاجهاد الإسلامي الفلسطينية، وحزب الله اللبناني. ويبدو أن الولايات المتحدة لم تذكر الحوثيين بهدف استخدام ذلك كورقة مساومة في مفاوضاتها مع المملكة العربية السعودية. وتوقع سوليفان أن يعلن بايدن عن استراتيجية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تختلف عن تلك التي سادت خلال العقدين الماضيين تهدف لإعادة ضبط تحالفات المنطقة. وهو ما أكده بعد ذلك بايدن خلال زيارته لإسرائيل، معتبراً أن بلاده ارتكبت خطأً جسيماً عندما تركت نفوذها في الشرق الأوسط ينحسر، الأمر الذي خلق فراغاً عملت الصين وروسيا على ملئه، بما بات يشكل تهديداً لمصالح إسرائيل والولايات المتحدة، مؤكداً أن ذلك جاء في ظل استمرار احتفاظ هذه المنطقة بأهميتها الاستراتيجية، لسيطرتها على الممرات المائية العالمية، وكونها مصدر رئيس للنفط والغاز.

لم يكتف بايدن بالتأكيد على تعهدات بلاده الأمنية لإسرائيل، وضمان تفوقها النوعي، بل قدم في “بيان القدس” تعهد بتقديم مساعدات صاروخية إضافية تتجاوز مذكرات التفاهم بين بلاده وإسرائيل، في الظروف الاستثنائية. كما أعلن عن تقديم مليار دولار إضافي على تلك التفاهمات السابقة، لتمويل تكميلي للدفاع الصاروخي وتقنيات دفاعية متطورة كأنظمة أسلحة الليزر عالية الطاقة. ولم يوافق أي رئيس أميركي سابق على مساعدة إسرائيل في تطوير تلك التقنية الدفاعية عالية التعقيد، والتي اعتبرها عدد من المحللين الأميركيين أنها قد تمكن إسرائيل وحدها من مهاجمة إيران. كما ركز “بيان القدس” على أن هذه التقنيات الدفاعية المتطورة من الممكن أن تصل ليد شركاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة، في إطار مساعي الولايات المتحدة لإغراء تلك الدول للتحالف أمنياً مع إسرائيل.

أكد بايدن خلال زيارته على ضرورة توطيد العلاقات الأميركية-العربية، بالتركيز على الأمن الذي ستضمنه الولايات المتحدة لدول المنطقة من خلال تمتين التحالفات في الشرق الأوسط. وبدأ التوجه الأميركي ببناء هذا النوع من التحالفات منذ شهر آب من العام ٢٠٢٠، في أعقاب توقيع “اتفاقيات إبراهيم” لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، اذ لم تدعم الولايات المتحدة فقط هذه الاتفاقيات بل استخدمت محفزات ومساومات سياسية للضغط على تلك الدول لاغرائها باستكمال صفقة التطبيع مع إسرائيل. ثم جاءت المبادرة الأميركية الثانية لتحفيز التحالفات الأمنية بين إسرائيل ودول المنطقة عندما قامت بنقل إسرائيل من مركز القيادة الأوروبية التي عملت في إطارها سنوات طويلة إلى القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط العام الماضي. فحافظت إسرائيل على علاقاتها وتنسيقها العسكري مع دول أوروبا من ناحية، وبدأت العمل والتنسيق الأمني والعسكري مع دول الشرق الأوسط، تحت مظلة القيادة الأميركية، بما فيها تلك الدول غير المطبعة معها من ناحية أخرى.

وسمحت “اتفاقيات إبراهيم” لإسرائيل بتحويل التعاون الأمني بينها وبين الدول الموقعة عليها إلى إطار عمل متعدد الأطراف، بينما قدمت الولايات المتحدة الدعم لتأسيس شبكة دفاع جوي وبحري متكاملة تهدف إلى تتبع وإيقاف الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية. وأشاد بايدن في “بيان القدس” بقمة النقب، التي استضافتها اسرائيل بهدف تشكيل تحالف إقليمي يضم إسرائيل وعدد من دول المنطقة، حيث أكدت الولايات المتحدة في البيان على مواصلتها للعب دور نشط في بناء هيكل إقليمي قوي وتعميق العلاقة بين اسرائيل وشركائها الإقليميين ودفع التكامل الاقليمي لاسرائيل تدريجياً، واتفاقيات التطبيع. وأثناء زيارة بايدن أكد الإعلام الأميركي على أن التعاون العسكري العربي الإسرائيلي هو أمر واقع منذ فترة، وأن أحد تطبيقاته جرت منتصف شهر آذار الماضي، وذلك بحصول تعاون بين جيوش عربية والمنظومات الدفاعية الإسرائيلية باستهداف طائرتين مسيرتين إيرانيتين. إن تلك التطورات سمحت لإسرائيل بالترويج بوجود تحالف دفاع جوي إقليمي، برعاية أميركية، حيث اعتبره بينى غانتس وزير الحرب الإسرائيلي بأنه خطوة في طريق تحالف أوسع. إلا أن تلك التطورات لم تخرج بعد عن إطار التعاون بين دول عربية وإسرائيل تحت المظلة العسكرية الأميركية. جاءت تلك التطورات في إطار تناقض المعطيات حيث تطالب الدول العربية واشنطن الالتزام بتوفير الحماية الأمنية، بينما تميل التوجهات الأميركية لتقليص التزاماتها تجاه المنطقة بسبب الضغط الشعبي، الأمر الذي يفسر الأهمية الخاصة بالنسبة للولايات المتحدة لتشكيل هذا النوع من التحالفات، والتي تمكن للولايات المتحدة أن تكون شريكًا استراتيجيًا لدول المنطقة، دون تحمل زمام الدفاع عنها، خصوصاً في ظل لعب إسرائيل، الحليف الأقرب للولايات المتحدة للعب دور مهم في إطار تلك التحالفات.

هناك الكثير من العقبات التي تواجه إقامة حلف إقليمي مؤسسي عربي مع إسرائيل، أو حتى قيام تحالف غير ملزم من هذا النوع، في ظل استمرار حالة من الشك وعدم الثقة بين أطراف التحالف المحتملين حيث أن جميع الدول العربية لا تثق بإسرائيل بشكل خاص. كما لا تتناسب درجة العداء الذي تحملها إسرائيل لإيران مع تلك التي يحملها العرب لها، اذ لا تعتبر كثير من الدول إيران عدو لها، كما لا تتفق معظم تلك الدول مع إسرائيل على آليات التعامل مع إيران. كما أنه من الصعب أن يقبل العرب بتحالف مع إسرائيل يضعهم في مرتبة أدنى منها في ظل تميزها النوعي العسكري والتكنولوجي عنهم وامتلاكها علاقات خاصة جداً مع الولايات المتحدة. وقد يكون من الأفضل للدول العربية في هذه الحالة احتواء خلافاتها مع إيران وخلق تفاهمات معها، وهو ما تسعى اليه تلك الدول اليوم. الا أنه قد يرحب عدد من الدول العربية بوجود نوع من تعزيز التعاون الأمني الثنائي أو حتى الإقليمي المحدود تحت المظلة الأميركية، في ظل المزايا التي قد يحصلون عليها بتطوير قدراتهم الدفاعية الجوية والحصول على تكنولوجيا الحرب الإلكترونية الإسرائيلية وأنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة والتي يتم تطويرها بالاشتراك مع الولايات المتحدة، حيث يتطلب حصول تلك الدول على هذه التقنيات تصريحًا أمريكيًا لنقلهما إلى دول ثالثة، كما تحتاج دول الخليج أيضا على موافقة إسرائيلية لشراء أسلحة أمريكية أكثر تقدمًا، نظرًا لالتزام الولايات المتحدة بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل في المنطقة.

لم ينجح بايدن، من خلال زيارته للمملكة السعودية، في الحصول على التزام سعودي بتشكيل تحالف يضم دول الخليج الستة بالإضافة إلى مصر والأردن، والعراق. كما فشل بايدن في الزام السعودية بزيادة إنتاج النفط، حيث صرحت السعودية بأنه لن تكون هناك زيادة في الطاقة الإنتاجية للنفط، وأنها تعمل للوصول إلى ١٣ مليون برميل يومياً، وفقاً للخطة المعلنة مسبقاً والمتسقة مع مجموعة «أوبك بلس». كما لم ينجح بايدن في اقناع السعودية أو الدول الأخرى التي شاركت في قمة التنمية في السعودية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. واستبعد وزير الخارجية القطري تطبيع العلاقات مع إسرائيل “في غياب التزام حقيقي بحل الدولتين” بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو الأمر الذي أعاد البيان الختامي الذي صدر عن القمة التأكيد عليه. ورغم نجاح بايدن في تحقيق اختراق بفتح المجال الجوي للمملكة العربية السعودية أمام شركات الطيران الإسرائيلية المدنية، الا أن المملكة أكدت أن ذلك لا يرتبط بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، كما أنه لن يُتبع باجراءات إضافية. ويبدو أن موافقة الرياض جاءت في إطار صفقة وافقت بموجبها واشنطن على خروج القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين والقوات الأمريكية من جزيرة تيران، وفق رغبة الرياض. ووافقت المملكة على الحفاظ على جميع الالتزامات والإجراءات الحالية في الجزيرة تيران، بما فيها تلك التفاهمات التي تم التوصل اليها بين مصر وإسرائيل في إطار إتفاقية السلام بين البلدين عام ١٩٧٩، والتي تضمن حرية الملاحة لإسرائيل. كما لم تنجح زيارة بايدن في الحد من قلق واشنطن، بخصوص تطلع السعودية لبناء مفاعل نووي لإنتاج الطاقة. وتنافست شركات أميركية وروسية وصينية وكورية لمتابعة المشروع، الا أن المملكة استبعدت الشركة الأميركية، بسبب الشروط التي وضعتها حول الزام السعودية بعدم تخصيب اليورانيوم في أراضيها وتوقيع معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية، اذ بقيت احتمالات فوز الشركات المنافسة بتبنى المشروع شديد الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.

جاء تركيز بايدن خلال زيارته للسعودية على الاستثمار في تكنولوجيا اتصالات الجيلين الخامس والسادس، للالتفاف على العلاقات الاستراتيجية بين السعودية والصين، خصوصاً في مجال تقنية اتصالات الجيل الخامس عبر شركة «هواوي». الا أن السعودية تتمسك بعلاقتها بالصين خصوصاً بعد أن أضحت شريكاً استراتيجياً لها، في أعقاب توقيع الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين عام ٢٠١٦، فتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما ٦٥ مليار دولار عام ٢٠٢٠ مقارنة بـ ٢٠ مليار دولار فقط بين السعودية وأميركا في العام نفسه. فخرجت زيارة بايدن إلى السعودية برسالة مهمة تتمحور حول رفض دول المنطقة الدخول ضمن حالة الاستقطاب التي تتطلع الولايات المتحدة لترسيخها لاحتواء التمدد الصيني في المنطقة، في محاولة لاسترجاع استراتيجية الحرب الباردة، حيث تؤكد السعودية على أنها حليفة وصديقة للجميع، بما فيهم الصين وروسيا. ويعود تمدد نفوذ دول مثل الصين وروسيا في المنطقة على حساب الدور والسيطرة الأميركية المطلقة فيها ما بعد الحرب الباردة من مصلحة العرب والفلسطينيين، والذي أدى إلى تميز إسرائيل في المنطقة، بفعل الدعم الأميركي المطلق لها، فهل تشهد مرحلة التعددية القطبية القادمة تغير في موازين القوى في المنطقة؟

Related Articles

Back to top button