أحدث الأخبارالثقافةالعراقايران

من أرنستو الى قاسم

مجلة تحليلات العصر الدولية

بقلم: محمد وناس

قد تكون الرمزية واحد من اهم مميزات الشرق قديما وحديثا , وان كانت الرمزية لا تنحصر في الشرق فقط لكن وضوحها وقوة تأثيرها في الشرق اكبر .
وقد حرص الانسان منذ وجوده على صناعة رموز للمحطات الفارقة في مسيرته في محاولة لتخليدها واعلاء قيمة هذه المحطات في مسيرته او مسيرة الانسانية ككل .
ولم تقتصر هذه الرمزية على الافكار والعقائد فقط بل شملت كل جوانبا لحياة اليومية حتى وصلت الى ترميز الاشخاص اصحاب المحطات المنيرة والاكثر تأثيرا في الانسانية .
مضاف لكل هذا منهجية الاديان الابراهيمية الثلاثة التي استخدمت الرمزيات في القاء الحجه وايصال الفكر الى البسطاء من العوام وربط التعاليم السماوية بأشخاص اصحاب تأثير ..
من الامور اللافتة للانتباه والجديرة بالملاحظة ما حمله التوجه الرأسمالي العالمي بعد الثورة الفرنسية وبعد العقد الاجتماعي من محالات لتغير هذه النمطية في تفكير الشعوب وتحويل الرمزية من الاشخاص الى المؤسسات ومحاوله ربط الرموز الشعبين بالدكتاتوريات ووسمهم بصفات المستبدين , وقد اتضحت هذه الصورة بشكل جلي بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصا في وقوف العالم الغربي في وجه كل الشخصيات التحررية والقيادية التي حاولت الخروج من فلك المؤسسة الاستعمارية الغربية وصناعة مجتمعات حرة تأخذ فكرها من ارثها الوطني والاجتماعي الذي صنعته من خلال رموزها على طول تاريخها , وابرز مثال على ذلك وقوف الغرب وامريكا خصوصا ضد توجهات كوبا ورمزية الزعيم كاسترو , كذلك موقف العالم الغربي من الزعيم هوغو شافيز الفينزويلي . وغيرهم الشخصيات التحررية ذات البعد الرمزي في مجتمعاتهم
قد يكون أرنستو جيفارا واحد من اكبر واهم الرموز شعبية في العصر الحديث . وكيف استطاع هذا الرجل صناعة نمط تفكير جديد لدى الكثير من الشعوب عبر دفاعه عن المضطهدين والمستضعفين في كل أصقاع الارض دون النظر الى عرق او طائفة من خلال بث روح الثورة في نفوس الناس مع تلقائية وبساطه في التعامل بعيد عن زخارف السلطة والحواشي والواجهات البراقة والمواكب الضخمة , فاصبح رمز للثورية والتصدي للتعنت الرأسمالي والمنهج الاستعماري الغربي الحديث .
ولمن يريد البحث او معرفة و استقصاء اخبار شخصية معاصرة ذات بعد رمزي عليه ان لا يكتفي بما تحمله الكتب او وسائل الاعلام من اخبار عن هذه الشخصية وعليه ان يحاول البحث عن قرب عن اشخاص عاصروا او رافقوا هذه الشخصية للوقوف على ابسط دقائق وتفاصيل حياتهم , فان اغلب العبرة تقع في التفاصيل الدقيقة ومنها يستطيع الباحث الوقوف على المعالم الحقيقة لهذه الشخصية وكيف استطاعت ان تصنع هذه الرمزية في نفوس المحيطين وفي المجتمع وكيف استطاعت ان تغير منهج حياتهم وطريقه تفكيرهم بشكل ايجابي نحو الأفضل .
في الفترة الاخيرة انتشرت تسمية جيفارا الشرق على الشهيد قاسم سليماني . وبما اننا في عصر (قاسم ) فعلينا ان نضبط ساعاتنا على ايقاع انفاس سليماني , و انا هنا لا ادعي معرفتي الكاملة بكل جزئيات حياه الشهيد قاسم سليماني لكني افخر ان لي مع هذا الرجل مواقف ورفقه قصيره جدا عرفت من خلالها بعض جوانب وعمق شخصية هذا الرجل العملاق .
قد يكون هنالك تشابه كبير بين أرنستو وقاسم , خصوصا في البساطه والاخوية في التعامل مع رفاقه والتواضع اضافه الى الشجاعة الكبيرة والاخلاص في العمل .
لكن ما يميز سليماني الخشوع الكبير عند الوقوف في محضر الاله , رقيق القلب سريع الدمعة حين يستذكر الماضين من رفاقه . هادئ الطباع كثير الابتسامة . ثابت الرؤيا قوي الايمان .
لم يكن يحمل فكرا مستقلا او فلسفه مختلفة او نظرية جديده يحاول تطبيقها . بل امتداد ونسخة لمن وقفوا بالطف في كربلاء يوم عاشوراء .
بكل بساطه كان سليماني حسينيا .

قد ينحرف المقال عن مضمونه الاول ويتيه في فلك سليماني هذا الكوكب العملاق , لكن وبلا ادنى شك يبقى الشهيد قاسم اهم واكبر رمزية في الشرق خلال العصر الحديث وتسميته بجيفارا الشرق اجد فيها تحجيم واقلال لشخص هذا المجاهد العظيم .
ومع ان وجوه التشابه كبيرة بينهما , بداء من اتهام جيفارا انه ليس كوبي ويقاتل على ارض كوبا , نفس الاتهام وجه لسليماني بانه ليس سوري او ليس عراقي فما الداعي لتواجده على ارض العراق او سوريا . ومرورا بطريقة اغتيال جيفارا من قبل قوات امريكية على ارض اجنبية . نفس الصورة تكررت مع سليماني وكيف قامت القوات الامريكية باغتياله على ارض اجنبية .
لكن يبقى احساس سليماني بأبناء الشعوب التي وقف معها مختلف كليا . وقربه من العوام والبسطاء مختلف كليا عن جيفارا .
وكيف تستقبله جموع الناس حتى المخالفين له بالفكر والأيديولوجيا من الذين التقوا به وعرفوه , ترك في داخلهم تأثير كبير ومحبه لا يقاربها شيء .
لم يحاول ان يسوق ايمانه عليهم . او يرغمهم على اعتناق أيدولوجياته , بل قاتل في سبيل ان يعطيهم مساحه حرية خاصه بهم ليبنوا مجتمعاتهم .
في احد المواقف التي استذكرها للشهيد سليماني
في تحرير مدينة امرلي العراقية . هذه المدينة الصغيرة حوصرت من قبل داعش لمدة 83 يوم . قد اهلها من دروس الشجاعة والبطولة والتضحية ما لا يصدقه العقل . حتى وصل الحال ان يدفنوا شهدائهم في حدائق منازلهم , كل ابناء المدينة وقفوا بعز وبسالة ( نساء رجال اطفال شيوخ ) .
في خيمة على اطراف هذه المدينة جلس مجموعة من المجاهدين القادة لوضع خطة فك الحصار وتحرير هذه المدينة من فلول داعش .
( الشهيد ابو شرار الموسوي قائد العملية والذي استشهد في فك الحصار عن المدينة , الشهيد ابو منتظر المحمداوي ,, الشهيد علاء البوسنة لبناني , الشهيد ابو مهدي المهندس قائد الحشد . والشهيد سليماني … مع بعض الاخوة القادة الاحياء حاليا امد الله في عمرهم )
وكان النقاش حول تأجيل العمليات لمدة 24 ساعة لحين اكتمال التجهيز . وبين اختلاف الآراء وتبادل وجهات النظر بين من يطلب البداء بالعمليات مباشره مع استمرار التجهيز وبين من يطلب تأجيلها لحين اكتمال التجهيز واستمرار النقاش طويلا .
كان الشهيد قاسم يستمع دون ان يبدي راي او تصريح . الى ان توجه الجميع له بالسؤال عن رايه خفض راسه قليلا ثم رفعه وقال من منكم يستطيع النوم بهدوء هذه الليلة مع احتمال كبير ان تقوم قوات داعش باختراق المدينة وسبي النساء وبيعهن بعشر دولارات للواحدة . اذا استطعتم فانا مع التأجيل ….
هنا قام الشهيد ابو شرار الموسوي وقال والله لن يكون . وفي الفجر انطلقت العمليات ليكون ابو شرار اول شهيد , وتتحرر المدينة في نفس صبيحة ذلك النهار
هكذا كان سليماني ملهم باعث لروح التحدي والنصر في قلوب رفاقه . يستشعر الم ومحنة ابناء تلك الشعوب

عن الكاتب

كاتب at العراق | + المقالات

موظف حكومي
العراق محافظه بابل - المحاويل
كاتب في المجال الاجتماعي والفلسفي

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق