فلسطين

نهاية الأمل: الاقتصاد السياسي لنهاية إسرائيل

مجلة تحليلات العصر

أحمد عمر القاروط / باحث فلسطيني طالب اقتصاد سياسي في لندن

لقد سخر كثيرون من نصر الله حين أعلن قدرته تدمير اسرائيل، كما رأوا أن القسام قد جن حين أعلن تحضيره لمعركة التحرير “وعدة الاخرة”. في الحقيقة القسام وحزب الله ليسوا غير واقعين في تقديراتهم. في هذه التدوينة احاول ان ارسم ملامح الدينياميكيات الاستراتيجية التي قد تؤدي لهلاك اسرائيل من الداخل. من المهم التنويه أن هذا المسعى التفكري لا يسعى إلى تبني موقف سياسي ما، إنما تحليل الممكن.

قبل المضي قدما هنالك استدراكان أحب التنويه لهما:

اولا: إن أهم مغالطة يقع فيها اصحاب رأي التهوين هي اعتبار ان القوة هي القوة العسكرية فقط. هذه مغالطة سببها غالبا محدودية القدرة على التفكير استراتيجيا في تفاعلات مقدرات القوة لأي دولة وتأثير ذلك على قدرتها على البقاء.

ثانيا: ان استراتيجية المقاومة ببساطة كانت استخدام مكامن قوة اسرائيل كأدوات لتدميرها وفي نفس الوقت تحويل نقاط ضعف المقاومة إلى مكامن قوة تعزز صمودها. وهو ما ينسف منطق أهمية تفوق إسرائيل عسكريا كمبرر كاف للبقاء.

تدمير الامل:
إن أهم مرتكز تبني اسرائيل عليه نفسها هو الأمل. الأمل بأن الدولة قوية وستستمر وستقوى وتنمو. ستقضي أول خسارة تلحق بإسرائيل في طورها النيوليبرالي على هذا الأمل. إن حالة الاحباط التي ستستشري بشعور الاسرائيليين بالخطر الوجودي فعلا، سيكون له أثر كبير على الحسابات طويلة الامد للمواطنين بشكل سيجعل كثير منهم يفكر بمستقبل بقائه في إسرائيل جديا. بإمكان المقاومة مثلا، تجهيز بعض البواخر لإخلاء إسرائيليين أو اعتقال بعضهم بطريقة درامية (كما فعلت وتفعل إسرائيل مع الفلسطينيين) لبث الرعب في نفوس الاسرائيليين وإذلالهم معنويا بحيث تزرع الشك العميق في قدرتهم على البقاء والاستمرار في فلسطين المحتلة.

سوق العمل:
بفعل الدمار واستطال مدة القتال، ستفقد إسرائيل القدرة على استجلاب مهاجرين جدد مما سيعني حصول ارتفاع في معدلات الاجور باسرائيل. فمثلا لو كنت تعمل براتب 6000 دولار كمهندس حاسوب في تل ابيب وتعلم ان مديرك ليس لديه القدرة على استبدالك فمن الطبيعي ان تطلب مرتبا اعلى او ينخفض اداءك دون قيام مديرك باي امر ضدك. وعليه، إن ايقاف حركة العمال نحو اسرائيل وخروجهم ايضا منها سيزيد الضغط على سوق العمل بشكل يدمر قدرته على الاستدامة. نتيجة للدمار الذي سيحصل وطول أمد الحرب سينتج اختلال في توزيع القوى العاملة حيث سيصبح العمل الاجتماعي واعمال الانقاذ ذات أولوية مما سيزيح التركيز على القطاعات الاخرى التي تحتاجها إسرائيل للبقاء قوية اقتصادية بحيث تستطيع تمويل ماكنتها العسكرية وبقاؤها الاقتصادي.

القروض القائمة والمستقبلية والفرص الاستثمارية:
بسبب انحسار دور الدولة وتمكن السياسات النيوليبرالية من مفاصل الدولة تشكل القروض الرافعة الرئيسية للاقتصاد الاسرائيلي (تشكل الديون الخاصة نسبة 130% من الناتج القومي الاسرائيلي). تبنى تقديرات القروض على اعتبارات اقتصادية وسياسية لطبيعة المخاطر التي تواجهها أو قد تواجهها الدولة. في ظل توقف الاقتصاد الاسرائيلي لمدة زمنية طويلة وانعدام الافق له، فأول ما سيحصل هو عجز كبير للشركات والافراد عن سداد قروضهم القائمة ثم عدم تمكنهم من الحصول على قروض جديدة سواء لغرض تغطية القروض القديمة أو لانشاء مشاريع جديدة. وعليه ينهار الاساس المالي لكل الدولة. ستكون تبعات ذلك على اسرائيل حالة عارمة من الفوضى واللا يقين. قد يكون بامكان اسرائيل معالجة الامر لكنها ستحتاج وقتا طويلا لا تمتلكه.

تدمير الشيكل:
ستؤدي حرب طويلة الأمد متعددة الجبهات الى انسحاب الدولار نحو الخارج مما سيخلق تضخما كبيرا في سعر صرف الشيكل مؤديا حتما إلى تدمره.

عزوف المستثمرين الكبار:
إن أهم مورد لاسرائيل هو التكنولوجيا العالية والتي تعتمد على مضي الجيش في عملية التطوير ثم حصول المطورين على الاموال الغربية لبدء مشاريعهم ثم تشتريهم الشركات الأمريكية الكبرى مما يحقق نمو مستدام نوعا ما. إن انشغال الجيش بشكل منهك في عمليات الانقاذ والفعل العسكري وحراسة الحدود ستشكل معيقا زمانيا ومكانيا لاستمرار الجهود التطويرية الاقتصادية. هذا بدوره سيقوض قدرة اسرائيل على الفعل بشكل مميت مما سيقوض قدرتها على البقاء.

ضرب البنية التحتية:
تعد البنية التحتية المدنية من أهم المقدرات الاستراتيجية لأي دولة ومحددا مهما لاستمراريتها في البقاء على الاقل في طورها الحداثي. وعليه، حال قررت المقاومة ضرب مولدات الكهرباء والماء والمطارات وشبكات الاتصالات الرئيسية فانها ستقوض بكل تأكيد قدرة الدولة الاسرائيلية على توفير الحد الادنى من الخدمات اللازمة بحيث يستيطع المواطنين البقاء. في احسن الظروف ستكون اسرائيل بلد كوارث وستحتاج ما لا يقل عن 10 سنوات على الاقل فقط لتعود الى مستوى خدمات مقبول نسبيا ومشجع للاستثمار والبناء، غير أنه لا يوجد متسع كامل من الوقت لذلك، مما يعني انتهاء الحياة المدنية كما عرفها الاسرائيليين سابقا.

توقف وتعطل بنية التحكم والقيادة الاسرائيلية:
لو اجتمعت الحرب السايبرية مع ادوات الحرب الأخرى، قد ينتج عن ذلك تقزيم قدرة الدولة الاسرائيلية على الفعل الميداني عبر تحطم جزئي أو كلي لقدرتها على جمع المعلومات وتوزيعها على الجمهور والتواصل ما بين القطاعات العسكرية والمدنية والخدمية والصناعية بل وحتى تعثر قدرتها على الاتصال مع العالم الخارجي ككل. كما سيفضي فقدان الثقة بأجهزة الاتصالات واساليبها الى تعذر الفعل العسكري المنظم وبالتالي الفعل المدني أيضا.

الأزمة السياسية: يتهم العرب قيادتهم بالخيانة والتقاعس حين لا تتحقق مطالبهم في الحروب، فماذا سيفعل الاسرائيليون إن أدركوا أن قادتهم يقينا لا شكا كذبوا عليهم على طول الدور؟ في نظام سياسي ديموقراطي كاسرائيل قد يكون الامل الوحيد خروج قائد فاشي بفاشية هتلر مما سيعني خروج اسرائيل من العالم التي تدعي الانتماء له وبذلك تصبح خطرا وعبئا سياسيا حتى على اصدقائها.
سيعزز ذلك عزلة اسرائيل وضعفها إن كانت هناك أية قوة باقية. قد تتمكن اسرائيل من البقاء لكن جهد اعادة بناء صورتها سيتطلب وقتا وجهدا كبيرا قد لا يكون مهما لاحد.

هل يحمي الله إسرائيل؟ من الأساطير المؤسسة لمنعة إسرائيل العسكرية أن الله هو الذي يحميها. إن ظهور ضعف وهشاشة الدولة أمام تحديات استراتيجية دقيقة سيضع هذه الاسطورة محل كثير من التساؤل قد يفضي بدوره إلى كفوف الداعمين لاسرائيل عن الايمان بحصانتها الربانية ما يعني بطبيعة الحال كف الداعمين عن الايمان بجدوى الدفاع عن اسرائيل.

في الخلاصة بالامكان القول أن تقدم اسرائيل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي سيصبح عبئا مكلفا لا تستطيع اسرائيل مواكبته في حرب طويلة نوعا ما أو على عدة جبهات في بيئة خصبة جدا للاستمرار بالقتال لسنوات طويلة (لم تنتهي أي حرب بدأت في المنطقة حتى الان رغم تدخل العديد من الدول العظمى فيها).
إن هشاشة البعد الاستراتيجي لاسرائيل ستنكشف بسرعة وسيكون الوقت والموارد الضرورية لتداركها غير متاحين لاسرائيل.

ولهذا عزيزي إن الحرب القادمة قد تكون نهاية اسرائيل من الداخل.

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون أيضاً المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى