الخليج الفارسية

هل السعودية دولة أم محمية أمريكية؟

مجلة تحليلات العصر الدولية

بقلم: البرفسور عبد الستار قاسم.

هدد الرئيس الأمريكي السعودية بسحب القوات الأمريكية من أراضيها إن هي لم تعمل على تعديل السوق النفطية وأسعار النفط على الساحة الدولية. وأوضح الإعلام أنه بذلك يرفع الحماية عن النظام السياسي السعودي عقابا له على التلاعب بأسعار النفط والذي أدى إلى خسائر كبيرة لدى المستثمرين الأمريكيين في القطاع النفطي.
لم تكن هذه هي الإشارة الوحيدة أو الفريدة من نوعها من قبل الرئيس الأمريكي حول أمن النظام السعودي والجهود الأمريكية في حماية النفط والكيان السعودي بصورة عامة. فقد سبق لترامب أن أتى على ذكر هذه الحماية الأمريكية للسعودية عدة مرات، وتحدث أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي قائلا إنه لولا الحماية الأمريكية لكان أقطاب الحكم السعودي يتحدثون الفارسية، في إشارة منه إلى ما يراه عدوانية إيران تجاه السعودية.
وبرغم تكرار الفكرة والرؤية من قبل الأمريكيين لم نسمع تعليقا واحدا حول الأمر من قبل أقطاب النظام السعودي. لم نسمع أحدهم يغضب أو يوضح أو يرد أو ينفي. لاذوا جميعا بالصمت وما زالوا يصمتون حتى الآن، والصمت، على أقل تقدير، يعني القبول والموافقة على ما يقال. وقد كان الصمت تعبيرا قويا عن المهانة والإذلال وعدم الرغبة في الحفاظ على أي نوع من الكرامة.
لم يوضح ترامب حتى الآن الجهة أو الجهات التي يصدها عن السعودية ويصر على حماية الكيان السعودي منها. هو لم ينشر أسماء الأعداء المتربصين بالكيان السعودي، ولم يقل لماذا هم يتربصون. ولم يوضح أيضا ما يعنيه بالسعودية: هل يعني الكيان السياسي الموجود على أرض الجزيرة العربية أم النظام السعودي الذي يحكم هذا الكيان؟ يفهم الناس على اتساع العالم أن ترامب يعني إيران، وأنه يعني النظام الحاكم وليس الأرض والشعب. فهل إيران مهتمة باحتلال الأرض العربية في الجزيرة العربية والسيطرة عليها، ؟ وما هي الأدلة المتوفرة على مثل هكذا نوايا؟ نعلم أن شاه إيران المخلوع عام 1979 كان مهتما بالسيطرة على بعض أراضي الجزيرة العربية، وقام باحتلال جزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى، وكانت الأنظمة العربية المعنية في حينه متلذذة على رؤية شاه إيران يحتل أراضي عربية. والشاه كان مهتما أيضا بالسيطرة على شط العرب، ولم ينفك إلا بعدما قامت العراق بتوقيع اتفاق تقاسمي معه.
من المحتمل أن إيران معنية بإسقاط النظام السعودي بخاصة أن النظام يسهر على الدوام على الإيقاع بإيران ويحرض ضدها. الإيرانيون يحرضون ضد النظام السعودي، وهم يصنعون له المتاعب في المنطقة، لكننا لم نلاحظ أن إيران تستجمع قواها وتحشدها لتهاجم الجزيرة العربية وتتخلص من النظام السعودي بالقوة. إيران تبني قوتها العسكرية، وهذا حقها، ولا يجوز لأحد أن ينازعها على نظامها الدفاعي كما هو الأمر بالنسبة لكل دولة في العالم. لكن تصنيعها العسكري وتطويرها للتقنية النووية لا تعني أنها ستهاجم السعودية أو أي كيان سياسي آخر في الجزيرة العربية.
ولم نلاحظ أيضا حركة عسكرية ضد الكيان السعودي من قبل أي جهة أخرى في المنطقة. للنظام السعودي خصوم كثر في المنطقة، لكن لا يوجد جيوش تتحرك أو لديها نية التحرك باتجاه الرياض.
المسألة هنا أن الشكوك تحوم حول إمكانية وصف الكيان السعودي بالدولة. كيان لا يشرح أقوال من يستهترون به، ولا يعقب ولو بكلمة فإنه يعني أن كلام الرئيس الأمريكي دقيق ولا يحتاج العربي في أي مكان لأي جهد لفهم هذا الطرح الأمريكي. المشاهدات التي راكمها العربي تؤكد أقوال الرئيس الأمريكي. والمعنى في النهاية أن السعودية ليست إلا محمية أمريكية تسترشد بالتوجيهات الأمريكية، وتأتمر بأوامر الأمريكيين. وربما هذا يعفي النظام من مسؤوليته عن الجرائم التي يتم ارتكابها ضد المعارضين والإعدامات. الحامي والذي هو الأمريكيون هو الذي يتحمل مسؤولية ما يجري في السعودية من انتهاكات لحقوق الإنسان. إذا كان الأمريكيون قادرين على حماية النظام وصد الاعتداءات عليه فإنه قادر بالتأكيد على ردع النظام عن ارتكاب الجرائم مثل جريمة الخاشقجي. ولولا أن الحامي قد هز رأسه بالموافقة لما أقدم المحمي على القيام بما يقوم به الآن. والقصد هنا ليس تبرئة النظام، وإنما وضع الجدلية في فم ترامب الذي يسخر دائما من العرب ومن حكام الخليج بالأخص. إنه يرى فينا التخلف والشهوانية والاستهتار بمقدراتنا وشعوبنا وحقوقها. فهل من حاكم عربي يدري تماما مدى قدره لدى ترامب؟ المحمية في التاريخ ليست دولة لأنها مسلوبة الإرادة ولا سيادة لها. السيادة للحامي، ولا إرادة تعلو إرادته هو.

 

  • الآراء المطروحة تمثل رأي كاتبها ولا تمثل رأي المجلة بالضرورة.

 

  • تستطيعون المشاركة بأرائكم وتحليلاتكم السياسية حول هذا المقال:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى