أحدث الأخبار

هل تورطت ليتوانيا بحصار كالينغراد.

ابراهيم المهاجر

كالينغراد المقاطعة الروسية التي هي احد البقع الجغرافية الشاذة الموقع في العالم. او هي الجيب الروسي المنفصل عنها جغرافيا والمزعج في خاصرة اوربا. كالينغراد في الأصل اراضي ألمانية اقتطعتها روسيا بعد الحرب العالمية الثانية وضمتها الى اراضي الاتحاد السوفياتي. كانت تشكل الاصول الالمانية اثنية التجمع السكاني. الا ان الاتحاد السوفياتي قام بتهجير الألمان منها وابدالهم بالروس فصارت الاصول الروسية هي التجمع السكاني الاكبر في المقاطعة. بعد تفكك الاتحاد السوفياتي بقيت كالينغراد تخضع اداريا لسلطات موسكو رغم البعد الجغرافي عنها ووقوعها ظمن تضاريس مجاورة لدولة اخرى. فهي تقع في أرض نائية تفصلها عن موسكو مئات الكيلومترات، محاطة بليتوانيا وبولندا اللتان كلاهما عضوان في الحلف الاطلسي. والاعتداء عليهما هو بمثابة اعتداء على دول الحلف كله. استمرت موسكو تتواصل مع كالينغراد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي برا عن طريق ممر سووالكي بدلا من الطريق البحري الطويل المكلف. كالينغراد حاليا ماهي الا قاعدة عسكرية روسية تحوي كل أنواع الاسلحة المتطورة.

دول اوربا باتت مثل جمهوريات الموز التي تخاف الارادة الأمريكية في كل صغير وكبيرة. ففي كل قرار سياسي فهي قبل القرار وبعده لابد ان تعمل بما تمليه الادارة الأمريكية لا بما تمليه مصالحها، وان كانت هي المتضررة ( دول اوربا). الازمة بين روسيا وليتوانيا هي ليست من المشاكل المستجدة او وليدة اليوم، بسبب منع الاخيرة وصول البضائع الروسية الى اقليم كالينغراد. بل هي تعود إلى أول أيام الحرب الروسية الاوكرانية. فقد ادركت دول البلطيق الثلاث (لاتيفيا، ليتوانيا واسيتونيا) ان أمريكا تنوي البقاء في الظل والدفاع عن حلفائها بأضعف الخيارات. واليوم الذي ستكون فيه هذه الدول من ظمن جمهوريات الاتحاد الروسي الفدرالي لم يعد بعيدا. فروسيا تزحف زحفا بطيئا لاسترداد ما ضاع منها ايام انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد ملئ قادة دول البلطيق رعبا وملئوا العالم صراخا بقولهم ان مابعد اوكرانيا هو نحن. وفي نظرهم سيكون المثل السياسي، اكلت يوم اكل الثور الاسود، هو مصداقية لحالهم، بعد اكمال إلحاق اوكرانيا بالاتحاد الروسي الفيدرالي. كلام سياسي اوربا وأمريكا بضم اراضي اوكرانيا الى روسيا بات مؤشر خطير على فقدان سطوة القوة الاطلسية في الدفاع عن دوله، ما لم تكن وازنة في الاقتصاد او في الميزانية الاطلسية.


فاوكرانيا التي كانت يوما السلة الاقتصادية للقارة البيضاء لم تدافع عنها اوربا وامريكا متذرعة انها خارج الحلف الاطلسي رغم ان روسيا اقتطعت ٢٥% من مساحتها ودمرت ٨٥% من قوتها العسكرية. كذلك ان دول البلطيق التي بسبب اقتصادها المتواضع مقارنة مع اقتصاد بريطانيا وفرنسا والمانيا فان كلفة الدفاع عنها تكون غير ذات جدوى بعد ان تلاشت الهيبة الاطلسية امام قوة روسيا والصين مجتمعتان وانسحاب امريكا المذل من أفغانستان.

ربما بامر او بتحريض من الرفاق في الحلف الاطلسي منعت ليتوانيا البضائع الروسية من الوصول الى المقاطعة الروسية كالينغراد. هذا المنع ترجم بمثابة حصار اقتصادي اغضب القيادة في روسيا. والغضب الروسي جاء واضحا في تهديد وزير الامن نقولاي باتروشيف ان الرد لن يكون في صالح الشعب الليتواني وان خطوة ليتوانيا تجاه روسيا لن تبقى بدون رد. وفي المستقبل القريب سوف يطال الشعب الليتواني الرد الروسي. كلام وزير الامن الروسي يبطن ان هناك قوة سوف تستخدم ضد ليتوانيا في الرد. الرئيس فلاديمير بيوتن ارسل رسائل عدة الى دول حلف الاطلسي من خلال خطابه في دورة خريجي ضباط جدد من الأكاديمية العسكرية الروسية في ٢٠\٦\٢٠٢٢ ان الصاروخ 500 S قد دخل الخدمة وان صاروخ الشيطان (سارمات 2)، يكفي الواحد منه تدمير دولة بحجم فرنسا او ولاية امريكية بحجم ولاية تكساس او كاليفورنيا، سيدخل الخدمة في نهاية هذا العام ٢٠٢٢. بيوتن اراد برسائله من اوربا وأمريكا بحل ازمة كالينغراد قبل فوات الأوان. روسيا عادت ولمحت ان الرد على ليتوانيا سيكون اولا اقتصاديا. اذ ان التعامل التجاري بين البلدين وصل الى تسعة مليارات دولار. ايقاف هذا التعامل التجاري مع ليتوانيا سوف يتسبب عليها في ضرر اقتصادي اكبر مما هو على روسيا التي تحركت باتجاه الصين طالبة منها فرض عقوبات اقتصادية على ليتوانيا. النزاع بين روسيا وليتوانيا كما يبدو ذاهب نحو التصعيد. والصدام مع ليتوانيا لايمكن تلافيه فهو غير الصراع مع اوكرانيا. ليتوانيا هي عضو في الحلف الاطلسي واي اعتداء عليها فانه يعتبر اعتداء على الحلف كله، اذا اراد الحلف الدفاع عنها.
خطوة ليتوانيا بغلق ممر سووالكي البري الذي يربط روسيا بالجيب كالينغراد قد نقلت الصراع الى دول البلطيق. فالحصار الذي لايحتمل تجويع ساكني كالينغراد قد رفع التوتر بين الدولتين الى درجة الصدام. فموسكو هي المسؤولة عن امن وجود الروس في كالينغراد وأمن غذائهم كمواطنين يحملون الجنسية الروسية. فك الحصار عن كالينغراد عسكريا له تداعيات اولها وقوع دول البلطيق في كماشة بين البحرية الروسية في البلطيق البالغة ٢٥٠ الف جندي روسي والقوات البرية الروسية الزاحفة نحو كالينغراد عبر بيلاروسيا. فك الحصار عن دول البلطيق سيكلف حرب شاملة وهذا مالا تريده دول الحلف الاطلسي. قراءة لاحداث التوتر بين روسيا وليتوانيا تعطي استنتاجا ان دول البلطيق هي ليست الا طعم اطلسي ممكن التضحية به لرخص وجودها ظمن الاتحاد الاوربي بغية سحب الجيش الروسي الى ميدان قتال يفتقد الدعم اللوجستي ليتم تدمير القطعات العسكرية المتقدمة منه. لكن السؤال اذا كانت روسيا ملتفتة للأمر فما هو البديل لفك الحصار عن كالينغراد. البديل هو اما الحل السياسي الذي سوف يجنب كلا الطرفين (روسيا ودول الاطلسي) الخسائر مقابل تنازلات غير معلنة. وأما الخيار العسكري اذا فشل الخيار السياسي. اذ سيكون البديل هو الزحف الروسي العسكري على ليتوانيا من شمالها الشرقي عبر الاراضي البيلاروسية لتسقط تلقائيا دول البلطيق الاخرى، لاتيفيا واستونيا، وبذلك سيكون الصيد الروسي أثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى