أحدث الأخبارلبنان

هنية بين اللاجئين في لبنان … الرسائل والدلالات

*تقرير:*

*كتب: عماد عفانة*
*مدير مركز دراسات اللاجئين*
*تقديم:*

في الوقت اذي ترحب فيه مخيمات اللاجئين في لبنان بزعيم حماس اسماعيل هنية بين اهله وشعبه، فان واقع اللاجئين والمخيمات في لبنان تأبى إلا أن تنعكس عليها دلالات الزيارة السياسية والمعنوية، الزيارة التي تأتي في وقت بالغ الأهمية والحساسية، تشهد فيه المنطقة تحولات تضعها على حافة مواجهة كبيرة.

*أوضاع اللاجئين في لبنان*
قبل الحديث عن دلالات الزيارة دعونا نضعكم في صورة وافع اللاجئين في لبنان:
بدأت قضية اللاجئين الفلسطينيين بالظهور منذ عام 1948، عندما قامت العصابات الصهيونيّة بشن هجماتٍ عنيفة على القرى والمدن الفلسطينيّة، واقترفت 37 مذبحة، ودمّرت 478 قرية من أصل 585 قرية في المناطق المحتلة عام 1948، وهجّرَت سكان 531 قرية من هذه القرى. البالغ نحو 800 ألف فلسطيني من أصل مليون وأربعمئة ألف من سكان فلسطين حينها، وهو ما يشكّل نحو 57% من مجمل الشعب الفلسطيني آنذاك. وعلى أثر حرب عام 1967 هجّر الاحتلال أعداداً أخرى، داخل وخارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.

*التعداد السكاني للاجئين الفلسطينيين في لبنان*
عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا إلى لبنان بعد النكبة، بين 100 و130 ألفاً، وُزّعوا على أكثر من 45 مخيماً وتجمعاً، بقي منها حتى اليوم 12 مخيماً، وهي مخيمات “عين الحلوة، والمية ومية، وشاتيلا، وبرج البراجنة، ونهر البارد والبداوي، والبص، والرشيدية، وبرج الشمالي، وويفل، وضبية، ومار إلياس”، إضافةً إلى 13 تجمعاً غير رسميّ لا تعترف بها “الأونروا” ولا تقدم لها أي خدمات.

إبان الحرب الأهلية اللبنانية تعرضت ثلاث مخيمات للتدمير الكامل، ولم يتم إعادة تشييدها، وتَعرَّض اللاجئون حينها لعدد من المجازر الفظيعة، راح ضحيتها الآلاف من الاجئين العزل.


عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان المسجلين لدى “الأونروا” في 1/2/2019 نحو 533,885 نسمة، يعيش 50.7% منهم في المخيمات الرسمية.
فيما أظهرت نتائج التعداد العام للاجئين الفلسطينيين في لبنان لعام 2017، الذي أعدته إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن عدد اللاجئين القاطنين في المخيمات والتجمعات السكانية يبلغ 174,422 نسمة فقط، ووصفت الإحصائية بأنها ذات أبعاد سياسية معنية بتقليل أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لأسباب لها علاقة بالبعد الطائفي.

يتمركز اللاجئون بنسبة 36% في منطقة صيدا، و25% في منطقة الشمال، و15% في منطقة صور، و13% في بيروت.
يُعَدّ المجتمع الفلسطيني في لبنان مجتمعاً فتياً، إذ يشكل الأفراد ما دون 15 عاماً نسبة 29%، في حين بلغت نسبة من تبلغ سنّهم 65 عاماً فأكثر 6.4%، وبلغ متوسط حجم الأسرة الفلسطينية في لبنان 4 أفراد، وبلغت نسبة الأسر التي ترأسها نساء 17.5%.

*معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان*
تتعدد مستويات وأشكال معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، على الصعد الاقتصادية وظروف السكن، إضافةً إلى غياب أي آليات قانونية سليمة لإدارة شؤونهم الخاصة، فحسب القانون اللبناني يُمنع على اللاجئ الفلسطيني العمل في أكثر من سبعين مهنة، بما فيها معظم المهن الأساسية كالطب والمحاماة والهندسة والصيدلة وغيرها، ولا يُسمح لهم بالتملك العقاري، ما يعدّ خرقاً للمواثيق الدولية، ولأبسط حقوق الإنسان.
متوسط ديون الأسرة الواحدة يبلغ نحو 1115 دولاراً أمريكياً، فيما اضطُرّ 70% من اللاجئين إلى تقليل استهلاكهم من الغذاء، ما أدى إلى وصول نسبة البطالة بين الشباب الفلسطيني إلى نحو 80%، وهو الأعلى منذ سنوات.

*تقليص خدمات الأونروا*
محاولات الإدارة الأمريكية تجفيف تمويل الأونروا، وتجميدها في 5/1/2018 نحو 125 مليون دولار من مساهمتها في ميزانية الأونروا، ثم إعلانها في شهر أغسطس 2018 قطع مساعداتها المالية عن الأونروا بشكلٍ كامل، أدّى إلى تقليص الكثير من الخدمات جراء وصول العجز في موازنة الأونروا لأكثر من 100 مليون دولار.

المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني وصف أوضاع اللاجئين في مختلف بلدان اللجوء “بالمخيفة”، ولكنها الأسوأ في صفوف اللاجئين في لبنان، وبحسب لازاريني فإن أكثر من 80% من اللاجئين في لبنان يعتمدون على المساعدات المقدمة من الأونروا، ما يُنذِر بكارثة إنسانية وشيكة، تُسهم في ترسيخ معاناة آلاف اللاجئين، وتعززها الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في لبنان.

*المخيمات بيئة للمعاناة والحرمان*
لم تتدخل الدولة اللبنانية بالمخيمات الفلسطينية، التي افتقرت إلى التنظيم المدني اللازم، فسيطر عليها البناء العشوائي، وافتقرت إلى الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرفٍ صحيّ، فيما تضع السلطات اللبنانية قيوداً صارمة على إدخال مواد البناء إلى المخيمات الفلسطينية، ولا تسمح إلا ضمن شروط صارمة وبكمياتٍ صغيرة.
وعلى الرغم من الدور الفلسطيني الإيجابي والمنتج، تمارس وسائل إعلام لبنانية وأطراف سياسية التحريض بحق اللاجئين الفلسطينيين، في سياق التركيز على بيئة المخيمات الفلسطينية، ومحاولة تشويه الدور الفلسطيني وشيطنة المخيمات، التي تصر على أنها تحت القانون اللبناني، وتقوم بتسليم المطلوبين إلى السلطات الأمنية المختصة.

*هنية والدور المأمول للنهوض بواقع مخيمات اللاجئين*
في ظل الأحوال بالغة الصعوبة التي تحيط باللاجئين ومخيماتهم في لبنان، والتي تحولهم إلى بيئة رخوة تتأثر بكل الظروف المتردية التي تعصف بلبنان، ما يجعل اللاجئين هناك الأكثر تأثرا بمشاريع تصفية قضية اللاجئين في إطار تصفية القضية الفلسطينية، ما يجعل مهمة هنية كزعيم أكبر حركة مقاومة فلسطينية في معالجة همومهم وتثبيتهم ومد يد العون إليهم، مهمة بالغة الصعوبة.

ففي النهاية حركة حماس ليست دولة، بل حركة مقاومة ملاحقة ومحاصرة، ولا تملك قدرات ومقدرات قادرة على النهوض بواقع مخيمات اللاجئين في لبنان دون تظافر جهود مختلف الأطراف المحلية والدولية في ومقدمتها الدولة اللبنانية التي يطلب منها رفع القبضة الأمنية والاقتصادية عن المخيمات، فكما قال البطريرك بشارة الراعي أمس الاول “فان شعبُ فِلسطين لم يُخلق ليعيشَ في مخيّم بل في مجتمع يوفّر له السكن والعلم والعمل والرفاه، وقد حان الوقت ليعودوا إلى بلادهم وبناء وطنهم واستكمال تاريخهم وحماية حضارة أرضهم”.

*الدلالات السياسية لزيارة هنية*
زيارة هنية الثانية من نوعها للبنان كزعيم لحركة حماس وللمخيمات فيها تعد جزءاً من جهود مواجهة مخططات تصفية القضية الفلسطينية من بوابة تصفية قضية اللاجئين، في ظل ركوب مزيد من الأنظمة العربية لقطار التطبيع مع الكيان الصهيوني.

موقع لبنان الجغرافي على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، ووجود مئات آلاف للاجئين الفلسطينيين على أراضيه، بماضيهم النضالي العريق في مواجهة العدو، يعطي للزيارة بعداً استراتيجياً ومؤشرا بالغ الأهمية حول توجه حماس للعودة بالمخيمات الفلسطينية لدورها السابق كقلاع للمقاومة والصمود.

استراتيجية حماس الصامتة لإحياء الجبهات على حدود الوطن، تجعل من الزيارة رسالة للعدو الصهيوني، بتوجه المقاومة لتحويل الكتلة الديموغرافية للاجئين في لبنان من بؤر للبؤس والمعاناة، الى قلاع للثورة، وكحصان طروادة في مشروع التحرير والعودة.


توقيت الزيارة التي تأتي وقت يشتد فيه التوتر مع الكيان الصهيوني على خلفية سرقته العدو للغاز اللبناني، وفي وقت تتصاعد فيه حدة التهديدات الصهيونية لإيران بمساعدة أمريكية، ربما يشعل الشارات الحمراء لدى العدو الصهيوني، لجهة الخشية من تطبيق سياسة تكامل الجبهات ضمن استراتيجية المقاومة الشاملة التي عنوانها التحرير والعودة.

عن الكاتب

كاتب at فلسطين | + المقالات

كاتب وصحفي
عمل سابقا مراسلا في صحيفة الوطن الفلسطينية
ومراسلا لصحيفة النهار المقدسية
ومحررا في صحيفة الرسالة الفلسطينية
له الكثير من المقالات المنشورة في العديد من الصحف والموافع الاخبارية العربية والفلسطينية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى