أحدث الأخبارالإسلامية

ألم يطفح كَيلُ الوطنية بعد؟

بقلم علي خيرالله شريف

العصر-مع احترامنا لأتباع الأديان والطوائف كلها، وبعيداً عن أي تعَصُّب طائفي، من المعروف أن المسلم الشيعي، خاصة الشيعي الملتزم دينياً، لا يوجه أي إهانة لأتباع أي دين آخر، وذلك انطلاقاً من عمله بأوامر القرآن الكريم أن لا إكراه في الدين، وانطلاقاً من أخلاق النبي محمد(ص) وآل البيت(ع)، الذين يدعون إلى التحلي بمكارم الأخلاق وعدم التنمر على الآخرين، مهما كان تصرف الآخرين اتجاههم. فالشيعة يعتقدون أن واجبهم يقتضي معاملة الآخرين انطلاقاً من أخلاقهم وليس انطلاقاً من أخلاق البعض، مهما كانت فاسدة.
من ناحية ثانية، يتحلى الشيعة بأخلاقيات رفض الظلم، وعدم الركون للظالمين مهما كان شأنهم ومهما كان جبروتهم. ولا ندعي أنهم يتفردون بذلك وحدهم، ولكن ربما هذا شائعٌ في عقيدتهم وتقاليدهم وسلوكهم أكثر من غيرهم. فعندما يخرج بعضُ الشيعة عن هذا السلوك، سرعان ما يلاقي من البقية اعتراضات تنهي شذوذهم عن القاعدة وتزيحهم عن الواجهة.



إن الشيعة يعملون بقول الإمام علي(ع) الذي يخاطب المؤمنين بأن “الناس صنفان إما أخّ لك في الدين، أو نظير لك في الإنسانية”. إن عقيدة الشيعة هي مستقاة من مدرسة الإمام علي(ع) الموالية لنهج النبي محمد(ص)، ومن ثورة الإمام الحسين(ع) الذي خرج معارضاً للانحراف الذي أحدثه بنو أمية في تَوَجُّهِ الأمة الإسلامية، ورافضاً للانقلابات التي قادوها في الدين الإسلامي عندما ارتكبوا محرماته التي نهى عنها، وانتهكوا عدالته التي بشر بها، وكرسوا الملك في الحكم وقد نهى عنه الإسلام، إلى ما هنالك من انحرافات كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها هنا. ولكن من الضروري الإشارة إلى أن ثورة الإمام الحسين(ع) قلبت أحلام بني أمية وزعزعت حكمهم وقوضته بعد قيامه ببضعة عقود. ليس هذا فقط بل رسمت نهجاً ساطعاً للطريق الثوري المحمدي الأصيل والصحيح الذي يرشد كل الثوريين في العالم الإسلامي إلى الإسلام الحقيقي، ويرشد الإصلاحييين والثوريين في العالم كله إلى كيفية التصدي للطغيان، وكيفية التضحية من أجل الانتصار. وقد درس الكثير من المفكرين والقادة من أصقاع الدنيا، نهج الحسين وثورته، وعبروا عن إعجابهم بهذه الثورة العالمية الفريدة، وعن اقتدائهم بها.
إنها ثورة المظلوم على الظالم، وثورة الاستقامة على الانحراف، وثورة القيم السامية على القيم الساقطة، في كل زمان ومكان. ونستطيع أن نُدرِكَ الحقيقة الراسخة في ثورة الإمام الحسين، التي يسلتهم منها الشيعة، أنها لو لم تحصل، لاندثر الدين الإسلامي منذ قيام دولة الأمويين. وأكثر من ذلك، لولا ثورة الإمام الحسين(ع) لساد شرعُ بني أمية في الأمة وكان اليوم الحرام حلالاً، والحلال حراماً. والأمثلة التي تؤكد هذا الكلام كثيرة جداً عن سلوك حكام بني أمية المنتهك لأحكام الإسلام وأخلاقه التي قال عنها الرسول(ص) “إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق”.

أُطلِقَ على الشيعة عبر التاريخ لقب الروافض، لأنهم اشتهروا برفضِ كُلِّ حكم ينحرف عن القرآن وسنة رسوله وأهل بيته الذين أوصى بالولاء لهم، لكي لا تنحرف الأمة عن مبادئ دينها وقرآنها. ومنذ بدايات الإسلام تتم ملاحقة الشيعة بسبب رفضهم هذا، وتم اضطهادهم وقتل قادتهم وتشويه سمعتهم. وكلنا نعلم أنه عندما استُشهِدَ الإمام علي بن أبي طالب(ع) في مسجد الكوفة قال بعض أهل الشام يومها “أَوَكان يُصَلّي؟”. وهذا يدل على حملة التشويه لسمعة الإمام، التي قادها معاوية في الشام آنذاك لدرجة أن أهل الشام ظنوه لا يصلي.

واليوم، بعد حملة التشويه العالمية لِسُمعةِ النبي محمد(ص) وللدين الإسلامي، وبعد حملة التدجين لبعض المذاهب الإسلامية ووصمها بالإرهاب الذي صنعه الغرب للغاية عينها، ها هم يجددون حملة التشويه للشيعة. هذه المرة، ليس بنو أمية وأحفادهم فحسب، بل أيضاً الغرب والمتورطون معهم في لبنان وغير لبنان، يشنون حملة تشويه لسمعة الشيعة، تتضمن تهشيم صورة رموزهم، والتهكم على عقيدتهم وتحقير معتقداتهم. وهذا التهشيم للرموز والمعتقدات يهدف إلى إفراغ البيئة الشيعية من ثقتها بنفسها وبعقيدتها ورموزها، وجعلها تلجأ إلى تنفيذ إملاءاتهم دون ممانعة. وطبعاً هذا لن يحصل عند راسخي العقيدة والقناعة والإيمان، ولن يجعل راجحي العقول والأخلاق ينجَرُّون إلى الفتتنة، ولن يُكسِبَ المتورطين في الحملة، أي قوة أو أرجحية على الآخرين. ولكنه سيؤدي حتماً إلى تأجيج الفتنة الطائفية والأحقاد والكراهية، وقد يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى أحداث أمنية متفاقمة ومتجهة نحو التصعيد.



من وسائلهم لتهشيم صورة الشيعة، تشديد الحصار على لبنان، وسد منافذ الإنقاذ عنه، وخلق المزيد من الأزمات والكوارث فيه(كانفجار المرفأ وغيره مما يعدوننا به)، واستثمار ذلك في تحميل الشيعة ورموزهم ونهجهم مسؤولية تلك الكوارث والأزمات. ومن أدواتهم زعماء محليون دينيون وسياسيون، ونواب وأبواق اجتماعية ووسائل إعلام معروفةٌ مصادر التمويل ومصادر التعليمات والإملاءات.
المفترض أن يطفح الكيل من كل هذا السلوك، وأن يتجند الوطنيون من كل الطوائف للتصدي لهذه الحملة، على كل المستويات. أليس ما يقومون به هو دفع للبنان نحو الحرب الأهلية، ودفع باللبنانيين نحو العَوَزِ والجوعِ والتَسَوُّل؟
ألم يطفح الكيل ويحين الوقت لأن تتحرك القوى الأمنية لاعتقال المحرضين على الحقد والكراهية، والداعين إلى الانصياع للسفارات، والداعين إلى تقسيم البلاد. ألم يطفح الكيل ويحين الوقت لرفع الأولوية الوطنية فوق كل الاعتبارات المذهبية الضيقة، ووضع حد للعظات والخطب التحريضية. وإن لم يطفح ذلك الكيل، فإن الخراب هو مصير لبنان، وربما الاندثار والاختفاء عن الخريطة.
في السابق، كان من ضرورات العيش المشترك احترام أتباع الدين الآخر والمذهب الآخر، وكان من المعيب أخلاقياً إهانة معتقدات الآخرين، وكان ذلك من الأمور التي يلاحق عليها القانون. أما اليوم فيبدو أن الجهات الـمُحَرِّضة في الداخل والخارج، تدفع إلى التناحر والتنافر وربما إلى الاقتتال، ليصلوا إلى أهداف مريبة كالتقسيم، الذي يعتبر تمهيداً لأمور أخرى لا يعرفها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى