أحدث الأخبارالسعوديةالعراقشؤون آسيويةشؤون امريكيةفلسطين

” أمريكا و العشو الستراتيجي “

ماجد الشويلي
مركز أفق للدراسات والتحليل السياسي

العصر-لم يعد خافياً على أحد أن المجتمع الدولي يعيش الآن مخاضاً عسيراً لولادة النظام العالمي الجديد.
وليس هناك من ( سونار ) سياسي بوسعه تحديد جنس ذلك المولود المرتقب ، لذا تبقى التكهنات هي الحاكمة على مسرح الترقب والانتظار نظراً لاحتدام التدافع بين فواعل المنظومة الدولية حتى وهي متناثرة جغرافيا .
فلقد أضحت الأسرة الدولية برمتها فاعلة ومنفعلة للمشهد السياسي العام بنحو اكبر من ذي قبل، وغدت محكومة للقواعد والنواميس التي تصنع التحولات والمتغيرات الكبرى على الصعيد العالمي رغما عنها.
الا أن من أبرز ملامح مخاض النظام العالمي المرتقب ؛هو غياب الستراتيجية الامريكية الكبرى ، أو لنقل غياب الستراتيجية الموحدة للعالم الغربي،
مع جملة من المعطيات الاخرى التي كانت في السابق تشكل توطئة لتقرير ماهية وشكل النظام العالمي .
كالحروب وتفكك الامبراطوريات وظهور الدولة القومية في البلدان الاسلامية وغير ذلك.
ولأجل أن تكون الصورة أكثر وضوحاً
نعرض لها بنقاط؛

1- عجز الولايات المتحدة والدول الاوربية مجتمعة عن عقد مؤتمر دولي
لرسم وهندسة النظام العالمي المقبل ، أو على الأقل توضيح بعض ملامحه .
فليس من الصحيح ان نعزو هذا الامر لحرص المنظومة الغربية على مراكزها في النظام العالمي الحالي ، وهي تعترف بالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم،
ومنها التباينات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين أوربا والولايات المتحدة ، لا بل وحتى بين الدول الاوربية نفسها وهي لم تحصل بهذا المستوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

2- ومن أهم المؤشرات على هذا العجز الذي اشرنا له في النقطة السابقة؛ أن أمريكا قد أدارت ظهرها لأوربا ، وتخلت عنها في جملة من التحالفات العسكرية ولم تشركها فيها كتحالف (أوكوس) بينها وبين بريطانيا واستراليا وتحالفها مع اليابان .
كما أن السمة الغالبة على هذه التحالفات هي السمة العسكرية،
مايعني أن الأولوية الأمريكية باتت تعنىٰ بالتركيز على حفظ تفوقها العسكري
لمواجهة التغول الصيني والروسي فحسب.
ما يعني أنها تقر بتقهقرها وعجزها عن
امتلاك زمام المبادرة الدبلماسية والسياسية التي تؤهلها لتنظيم دول العالم وجمعهم على طاولة واحدة أو مؤتمر واحد.

3- انحسار الدور اليهودي(الصهيوني)
وتراجعه بدرجة كبيرة الى حد الانكفاء على الشأن الاسرائيلي الداخلي تقريباً.
وان كانت الادارات الامريكية السابقة تسير بايقاع صهيوني ، فان هذا الامر قد تراجع أيضا بشكل ملحوظ ، اذ باتت المصلحة الامريكية مقدمة على مصلحة الكيان الغاصب حتى في غير حال التزاحم .
فأمريكا اليوم أشبه بسفينة غارقة تلقي بأحمالها في البحر لتنجو بنفسها،
وهو مايفسر لنا تغاضيها عن بعض المشاكسات الاسرائيلية والسعودية،
وتغافلها عن بقية حلفائها المتسربلين نحو الصين ولو على المستوى الاقتصادي.
المهم أن الصهاينة كانوا فيما سبق لهم تأثير مباشر على صياغة الانظمة العالمية منذ مؤتمر (وستفاليا ) ، وكان لهم اسهام كبير بعقد المؤتمرات التي غيرت وجه العالم ، وتأسس بموجبها نظام عصبة الامم، وبعدها الامم المتحدة كمؤتمر( كامبل نبرمان)1905_1907 ومؤتمر (بيلتمور) 1942ومؤتمر الصلح (السلام)في باريس 1919.
وأكثر من ذلك فقد تراجع تأثير الحركة الصهيونية على الشرق بدرجة كبيرة،
خلافا لما كان عليه الحال إبان وجود الاتحاد السوفيتي الذي كان له دور بارز ومهم بنشأة الكيان الغاصب.

4-من الواضح أن أمريكا قبيل تشكيل الامم المتحدة كانت قد احتكرت السلاح النووي ، وتربعت على عرش التفوق العسكري في العالم .
الا أن الوضع مختلف جدا الآن ، فلم يعد السلاح النووي ولا حتى التفوق العسكري حكراً عليها .
كما أن معايير القوة قد تبدلت جذريا ، وظهرت معها مقاييس مغايرة تماماً لما كان مألوفاً في ذلك العهد .
بل لقد فقدت أمريكا سطوتها على تحجيم القدرات العسكرية للدول الاخرى ، ولم يعد بوسعها النبؤ بما تصنعه تلك البلدان.

5-من المعلوم أن جملة من الوقائع والاحداث التي رافقت هيمنة الغرب متمثلا ببريطانيا وفرنسا على منطقتنا آنذاك هو اندلاع مايعرف بالثورة العربية،
بغض النظر عن دور الاستعمار في صناعتها، فقد اعانت الاستعمار على نفسها اكثر مما أعانها على (الاتراك ) خلافاً لما عليه الوضع الآن ، اذ أن المنطقة تشهد صحوة ونهضة اسلامية واضحة ومؤثرة، وانبثقت فيها مقاومة غيرت موازين القوى لصالحها، وتغيرت معها نظرة شعوبها لامريكا والغرب بشكل مغاير تماما لما كانت عليه عقب الحرب العالمية الثانية.

6-حينما اقتطعت فلسطين وشرعت قوى الاستكبار العالمي باحتلال المنطقة آنذاك ، لم تكن الاستقطابات الدولية على أساس محور شرقي وآخر غربي ، خلافا لما يجري الآن حيث ان الانقسام العالمي بسمته الظاهرة اليوم بين (الشرق و الغرب) يحمل في طياته بعداً قيمياً واعتبارياً وصراع بين جبهتين تمثل احدهما جبهة المستكبرين والاخرى جبهة المستضعفين .
ولا نبالغ ان قلنا أن نجاح الثورة الاسلامية المباركة في ايران قد اسهم اسهاما كبيرا بلفت انظار دول العالم لأهمية تفعيل قيم العدل والانصاف والمساواة في العلاقات الدولية ، مع اثباتها بشكل عملي امكانية الوقوف بوجه الدول المستكبرة ، الامر الذي اعاد لكثير من هذه الدول ثقتها بنفسها واعتزازها بهويتها ، حتى أخذت تقف بشكل صريح وعلني بوجه الولايات المتحدة وباشرت القفز عن مركبها على مستويات عدة.

7- في ذلك الوقت الذي تمت فيه صياغة النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية ، كانت اسرائيل قد نشأت للتو ، وكان الشغل الشاغل للمنظومة العربية هو بناء الدولة القومية والانكفاء على الشؤون الداخلية.
بينما اليوم نرى أن اسرائيل تعيش أشد حالات الانكفاء والتقهقر.
كما انها لم تعد أولوية لأوربا او كما اشرنا سلفاً أنها لم تعد أولوية حتى لأمريكا نفسها.

8-الملاحظ أن النظام العالمي عادة ما تتم صياغته عقب حرب عالمية كبرى،
تعمد فيه الدول المنتصرة الى الاسراع بهندسته بنحو يضمن مصلحتها وهيمنتها قبل أن تضع الحرب أوزارها.
غير أن الوضع الحالي مختلف تماما عما سبق.
فرغم أن هناك حرب عالمية (خجولة)
ظاهرها الصراع الروسي الاوكراني
وباطنها تغور فيه انتفاضة عميقة على الغطرسة والهيمنة الامريكية المقيتة،
الا أن امريكا عاجزة عن التكهن بما ستؤول اليه نتائجها ، هذا إن لم نقل أن جملة من المعطيات تؤشر لهزيمة الغرب أمام الشرق متمثلا بروسيا والصين.
ولذا فإن أمريكا ليست في وارد الحديث عن مؤتمر لهندسة النظام العالمي الجديد لسببين اساسيين ؛
أولهما أن النظام العالمي الحالي لازال تحت تصرفها،
والسبب الآخر أن أولويتها هي تعزيز تحالفاتها الدولية للحفاظ على ماتبقى لها من خصائص التفوق.

9- ومن المؤشرات المهمة على عجز الولايات المتحدة الأمريكية وافتقارها لرؤية واضحة إزاء مايحصل من تحولات كبرى على الصعيد العالمي ، أن الدول المناوئة لها وفي مقدمتها الجمهورية الاسلامية في ايران هي من بادرت لعقد المؤتمر الدولي لبحث سبل هندسة النظام العالمي الجديد.
ناهيك عن التحالفات الاقتصادية والمنظمات السياسية التي شكلتها روسيا والصين مع بقية الدول الموتورة من السياسة الامريكية كمنظمة بريكس
وشنغهاي ..

وبناء على ماتقدم نعتقد أن أمريكا والغرب لم يعد بوسعهم الحفاظ على تفوقهم وهيمنتهم العالمية . كما وفقدوا الرؤية الستراتيجية بشأن النظام العالمي الحديد في حين تزداد قوى الشرقة ثقة بنفسها وقدرتها وباتت تتسلح برؤية واضحة لمستقبل العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى