أحدث الأخبارالثقافةلبنان

الاختلاط الأيديولوجي

محمد حسن زيد

*العصر-“هناك ظاهرة حتى في مجتمعات المتدينين تحتاج إعادة مراجعة وإعادة ضبط وهي الاختلاط”* هذا جزء مما قاله السيد حسن نصر الله عن الاختلاط في معرض نُصحِهِ لبعض الشباب العاملين بالمقاومة مُعتبرا ذلك استهدافا للمجتمع وإضعافا له..
(وهذا رابط كلمة السيد حسن نصر الله لمن أراد الاستماع إليها)

فإذا كان المجاهدون في لبنان يُدركون أهمية العودة إلى الثقافة الإسلامية الصافية فكيف ببعض من يعيشون في يمن الإيمان والحكمة وهم يُفرّطون في ثقافة تميّزت بها اليمن عن غيرها من البلدان التي وقعت تحت الاحتلال الأجنبي وتأثرت به؟
بل بلغ الجدل بالبعض ان يعيب على السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي نشوءه على الفطرة في مجتمع لم تمسسه يد التأثير الغربي ولم تُعكّر نقاءَهُ هزيمةٌ فكريةٌ ولا تبعيةٌ ثقافيةٌ ويُعيّرونَ انه يفكر بعقلية الماضي السحيق وما ذلك إلا إقرار منهم بان معيشتَهُ وسلوكَهُ وتراثَهُ وفكرَهُ متصلٌ بالأئمة الأطهار لا بالغزاة الكفار، ثم جعلوا هذه الميزة في السيد عبدالملك عيبا واعتبروها تخلفا!



اليمن بلد محافظ وقد عملت الكثير من المنظمات الغربية وصرفت الكثير من الأموال والدعاية والمنح بهدف التأثير على القيم وتغيير الحالة الثقافية والاجتماعية فيه، فهل تظنون أن هذه المنح بالملايين يقدمها الغربيُّ لوجه الله أو *حرصا على نسائنا أو رعاية لدقة فقهنا الإسلامي الحنيف*؟
وبالطبع فهناك شخصيات إعلامية واجتماعية ودينية تم ركزها وتلميعها لترويج هذه السياسة وللتنظير لها والبعضُ تطوّع لهذا الغرض دون أن يُباليَ بالمغزى أو بالأبعاد.
وفي سياق استنكار مظاهر غريبة على ثقافتنا وطبيعتنا يأباها كلُّ غيور و لا يرضاها في أهله يعمد البعضُ لخلط الأمور قائلا : “لكن الاختلاط ضرورة.. و ..” نقول له: هناك فرق بين مصطلح “الاختلاط” كمادة للتجاذب الفكري المعاصر، وبين المعنى اللغوي العام للاختلاط الذي يتم استغلاله للتدليس جدليا على الفكرة التي هي محل الصراع مع الغرب، فحديث من يستنكر “الاختلاط” لم يكن ولن يكون عن المعنى اللغوي العام للاختلاط بل عن المعنى الاصطلاحي الذي نشأ نتيجة للصراع الثقافي مع الغرب، وموضوعاتُ هذا الصراع معروفة ويمكن التعبير عنها بألفاظ وعناوين أخرى كالتفسخ والتحلل والمياعة والصياعة والمصاحبة والمفراغة والإدلال والخروج على حل الشعر والقزلة والتجليس والبرمة وغيرها من الألفاظ العامية حيث بدأت جميع هذه المظاهر بالتدريج حين تساهل المجتمع مع مخالفات بسيطة..
ولتوضيح هذه الفكرة خذ “التشيع” مثلا، فالتشيع بمعناه اللغوي الذي يعني “الحب والمشايعة والمتابعة” لا مشكلة فيه وليس مادة للتجاذب السياسي والفكري، ومن يُحاربون “التشيع” اليوم لا يُحاربون المعنى اللغوي للتشيع ولا يقصدونه بل يقصدون المعنى الاصطلاحي للتشيع الذي هو “الانتماء السياسي لمحور المقاومة” والذي أصبحت به حماس شيعية حسب أدبيات البعض..
فإذا أتى أحد اتباع المقاومة ليدلل على صحة “التشيع” الاصطلاحي بأدلة تحض على أهمية الحب في الحياة وضرورته مستغلا المعنى اللغوي للتشيع فلن يكون لاستدلاله أية قيمة من الناحية الفكرية بل سيُعدُّ ذلك من قبيل السخرية أو التدليس والمغالطة!
وكذلك “الاختلاط” فمن الناحية اللغوية، يمكن القول ان هناك اختلاطا يحدث بين الرجال والنساء ان مشوا في نفس الشارع ويصح أن نقول إن اختلاطا يحدث بين الرجال والنساء لأنهم يعيشون في قرية واحدة أو مدينة واحدة او في كوكب الارض ويكون كلامنا سليما من الناحية اللغوية،
كما يصح من الناحية اللغوية أن نقول إن شاطئا يسبح فيه الرجال والنساء معا في نفس الوقت هو شاطئ مختلط ويقع فيه الاختلاط، وأن مقهىً يجلس فيه الرجال مع النساء هو مقهى مختلط ويقع فيه الاختلاط، وأن بيت دعارة يجتمع فيه الرجال والنساء هو مختلط ويقع فيه الاختلاط، وأن مسجدا يُصلي فيه الرجال والنساء هو مختلط ويقع فيه الاختلاط.
كما أن الجانب اللغوي للاختلاط لا يتناول إلا وصف الحالة ولا يحكم عليها سلبا أو إيجابا فيصح لغة أن نقول عندما نرى رجلا وزوجتَهُ في مطعم أو في شارع أو في بيت أو في مرقص “هذا اختلاط”، كما يصحُّ لُغةً عندما نشاهد شابا وعشيقته في مطعم أو مقهى أو شارع أو مسجد أن نقول “هذا اختلاط” أيضا وهكذا.
فمعنى الاختلاط واسع من الناحية اللغوية يشمل حالات عادية وحالات ضرورية كما يشمل حالات هي محل الاصطلاح المعاصر نتجت إثر الصراع الثقافي مع الغرب وساهمت فيه بعضُ الأنظمة العربية بشكل ممنهج ومدروس ومخطط أوصل المسلمين إلى هذه الحالة المسخ التي يتلمسون هويتهم فيها.
ومن يستنكر “الاختلاط” بلفظ عام في الأدبيات المعاصرة هو لا يعني الاختلاط بالمعنى اللغوي بل يعني “الاختلاط” بالمعنى الاصطلاحي المعاصر الذي نشأ إثر الصراع الثقافي مع الغرب، ويُدرك القاصي والداني موضوعَهُ وحيثياتِهِ ومادتَهُ التي لا تتعلق بمظاهر المجتمع الإسلامي العادية قبل نشوء هذا الصراع.

*الاختلاط في الحج والعمرة*



قد يكون الاختلاط حدثا طبيعيا كالمشي في شارع واحد أو كالدخول في سوق واحد أو كالسفر من مطار واحد مع وجود حاجز يفصل بين الجنسين جسديا ومعنويا يبقى به هذا الاختلاط في الخانة الطبيعية ويصرفُهُ عن “الاختلاط الأيديولوجي”، وهناك حالات يكون الاختلاط فيها ضروريا كحالات التطبيب والتدريس والإغاثة وغيرها حيث قد يكون من الضروري حدوث نظر مباشر أو تحادث أو تلامس ضمن حدود لا تُلغي الحاجز الجسدي والمعنوي بين الجنسين، فإذا تم تجاوز الحاجز بميوعة أو تهتك أو قلة حياء فقد أصبح من الضروري الحد من هذا الاختلاط.
أما تقديم الاختلاط على انه غرض شرعي قياسا على الحج والعمرة فهو قياس غريب لأن فروض الإحرام هي خلاف ما يحدث في الحياة العادية، فبالإحرام يَحرُمُ على الرجال ارتداء الملابس المخيطة ويؤدون الشعائر المقدسة بدون سراويل (يجب خلع السراويل) كأنما هم في يوم الحشر المهول حيث يقومُ الناس بين يدي الله عرايا حاسري الرؤوس مكشوفي الوجوه والقلوب..
فمقام كهذا تُغلّظُ عندَه المعصيةُ وتنصرف القلوب السوية عن الدنيا وعن الغيد الحسان وعن الطموحات الحقيرة، ولا مجال لمن يستحضر هذا المعنى المهيب أن يفكر تلك الأثناء في الإناث فضلا عن أن يفتح معهن حديثا وديا أو مجاملات رقيقة أو صداقات بريئة، بل هو مقام عظيم في حضرة الله وكأن الفوارق فيه بين البشر قد ذابت وتلاشت وأصبحوا أمة واحدة تنصهر على عتبة بيت الله المعظم وتصبح كالذرات التي تدور بخضوع ونظام حول النواة حيث لا تجارة ولا عقود ولا مجال لأي مجون أو مياعة، فلا مكياج ولا عطور ولا كحل ولا شعرات تخرج على الجبين لتُزيّن الوجهَ ولا خضوع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض مع حرمة مضاعفة من استراق النظر او انصراف الذهن إلى حدّ الاستثارة الجنسية، ففي ذلك دم، فالمفترض ان الجميع هناك مشغول بذكر الله واستحضار حقارة الدنيا واستشراف المصير الأبدي المحتوم في دار البقاء..

إذا كان المروجون لـ”الاختلاط الأيديولوجي” يرضون ان يكون الاختلاط بهذه الكيفية خاليا من الدسم بحيث تتحمل الفتاةُ لقاء الرجال في الجامعة والوظيفة والأسواق والحدائق كما خلقها ربي بدون أدنى تجميل ولا مكياج خالية تماما من أي عطر أو زينة أو حيل لإبراز المفاتن تتجنب الاحتكاك بالذكور الا بالقدر الضروري فضلا عن المجاملات والصداقات والمزاح والرسائل.. هذا لمن يريد اختلاط الحج والعمرة..

مع العلم أن من يُقحم حرمة الحج المهيب لتحقيق غرض دنيوي رخيص ذكرا كان أو انثى فهو أشبه بالشيطان الذي يُلبّسُ على نفسه وعلى غيره بالشبهات ويتخذ آيات الله وشعائره هزوءا ستارا للأهواء ومطية لعبادة الدنيا..

*الانتقائية خطيرة*

ان انتقاء هذه الجزئية من الحج فقط والتغاضي عن بقية الأحكام والآثار المتظافرة والتي تمثل اتجاها واضحا في الدين يُفيد خلاف غرض دعاة “الاختلاط الأيديولوجي” ومعظمها أدلة مباشرة في الموضوع يُنكرونها جملة بلا اعتبار، ويدوسون عليها ببرود لا ينسجم مع “التقوى” و”التحري”..
كل ذلك يُعدُّ انتقائية خطيرة، ووجه الخطورة ان هذه الانتقائية التي يظنُّ دعاة “الاختلاط الأيديولوجي” اليومَ انها ستُحقق غرضهم الضيق ستفتحُ البابَ غدا لكي يستخدمها غيرُهم من أعداء النسوية لسحق النساء حين يجتزئون أدلة أخرى ويبنون عليها أيديولوجيات أخرى من قبيل اجتزاء قوله تعالى *”فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِی ٱلۡبُیُوتِ حَتَّىٰ یَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ”* أو يتوصلون الى جواز استباحة الفتيات والمتاجرة بأعراضهن مقابل المال باجتزاء قوله تعالى *”وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ”* بل وأكثر من ذلك قد يصل الأمر حد استباحة الدماء والإكراه باجتزاء أي نص أو دليل، وما أيسر ذلك على الأبالسة..
والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى