أحدث الأخبارالعراق

التعليم في زمن البعث وتاسيس العدوانية للخط الاسلامي وايران

محمد صادق الهاشمي

…………..
العصر-في البداية يجب ان نعرف ان حزب البعث أمّم التعليم وجعله بعثياً صرفا، لا يمكن لأحدٍ أنْ يلجه عالماً أو متعلّماً، دارساً أو مدرّساً، إلّا أنَّ يكون بعثياً صدّاميا ولو بالإكراه، ولكي نقدّم للقاري صورة واضحة بالدليل عن الاتجاه الخطير لنوعية الفكر السياسي الذي كان يركّز عليه صدام منذ أنْ كان نائبا ليتجه بالمؤسسة التعليمية نحو توجّهات تصبّ في الاتجاه البعثي ، يمكن مراجعة «معجم المؤلفين والكتاب العراقيين»، للدكتور صباح مرزوك ـ طبع عام 2002 الذي تناول ذكر كلّ المؤلفات والاطاريح من شهادات الدكتوراه والماجستير، فضلاً عن النتاجات العلمية الأخرى من عام 1970 لغاية عام 2000 ليعرف القاري حجم التوجّه البعثي البحثي نحو تكريس ثقافة بعثية خطرة، ونوعية الثقافة السياسية التي حكمت العقل التعليمي، مضافاً إلى ماكان يكتبه صدام ومجموعة من الكتاب في المخابرات العراقية والبعثيين الخطّ الأول من فكر تركز على تهميش الدين وإثارة التاريخ الحاقد وتهميش الفكر الإسلامي.



وفي هذه الموسوعة المؤلفة من (8) أجزاء وجدنا أنَّ البحوث التي تخصّ العلوم الإنسانية والتاريخ السياسي والفكري في هذه المرحلة ـ بحسب تقديرنا واستنتاجنا لهذه الموسوعة ـ أنَّ نسبة 30% من المؤلّفات تخصّ فكر حزب البعث، والهجوم على إيران، وبثّ العداوة والفرقة ضد الفكر الشيعي السياسي ، وأنَّ 42% تقريبا يخصّ إبراز دور صدام كقائدٍأ وحد والدعوة والترويج لفكره السياسي، بل حتى الكتب الأدبية واللغة العربية والشعر والبلاغة تسير في هذا المنحى الخطير، مثل كتاب الدكتور ماجد السامرائي بعنوان «التيار القومي في الشعر العراقي الحديث»، وكتاب الدكتور القيسي «الشعر والتاريخ»، وكتب علم الاجتماع هي الأخرى تمتعت برعاية رسمية مثل كتاب الدكتور علي سلمان الشيعي عن مدينة الشرش، ومئات الأطاريح والبحوث من جامعة بغداد كلّها، تركّز بنسبة 52% منها على بناء وتحليل المجتمع العراقي وفق رؤية صدام، وأنّه الرجل الذي أعاد صياغة المجتمع العراقي.
نعم كان الإنتاج الفكري السياسي برعاية الدولة مركّزا بإفراط على شخصية صدام حسين، ومع اندلاع الحرب بين إيران والعراق، ومع نجاح الثورة الإسلامية في إيران اصبح صدام منبع كلّ معرفة سياسية، وصار هو الموضوع الوحيد الذي يستحقّ الحديث عنه في المؤسسات التعليمية، وتسرّبت دراسات قيل: إنَّ صدام ومجموعة خاصّة به أعدتها للطبقة العلمية والإعلامية والثقافية بكتاب اسمه: «صدام وحقائق التاريخ العربي» وكتاب: «صدام هو التاريخ العربي»، وكتاب: «الدور التخريبي للشعوبية» والشعوبية هنا المقصود منها التشيع السياسي، وكتاب: «أهداف البعث في النظرية والتنفيذ»، وكتاب: «العبقرية العربية بين الفاروق عمر وصدام حسين»، وكتاب: «العدوان الإيراني والطغيان الخميني»، وكتاب: «دراسات في الحرب العراقية الإيرانية» وكتاب: «الصراع العراقي الفارسي» هذا الكتاب من نتاجات صدام وفاضل البراك ، وكتب الثقافة القومية التي كانت مادّة تدريسية.
سمات الثقافة السياسية التعليمية في مرحلة صدام :
1 ـ كانت تركّز على ثقافة سياسية محورها فكر حزب البعث بأنّه منطلق ومحور تأسيس الفكر السياسي للنخبة الجامعية بل التعليمية، إلا ما ندر من البحوث من كتّاب معارضين في أعماقهم يعيشون حياة القهر والخوف، يترقبون الموت لحظة بعد لحظة، وهم لا يشكّلون في أحسن المستويات 5% من الكتّاب والباحثين والأكاديميين.
2 ـ كانت البحوث والموسسة التعليمية تركّز على شخصية صدام حسين، بأنّه محور الفكر السياسي، وأنَّ ما يطرحه من أفكار هي الأساس في الفكر التعليمي والثقافي والتاريخي ولاسيما ما يخصّ الإيديولوجيات وتاريخ العلاقات بين إيران والعراق يكفي أنَّ القصائد التي كانت تدرّس في مرحلة الأعدادية للشاعر عبدالرزاق عبدالواحد تجعل من صدام إلهاً، وصدام وحده من يستطيع أنْ يعلو على عظمة العراق؛ لأنّه بنظر عبدالرزاق في قصيدة ((مرثية الله)) وهو بديله البشري.



3 ـ ركّزت أيضاً على إثارة العدوانية ضدّ الدين وضدّ الثورة الإسلامية في إيران، ووقفت المؤسسة التعليمية بقيادة البعث على إيجاد أسس فكرية لذلك من خلال تجذير مفهوم العدوانية بين الشعبين، والذي يراجع كتاب: «الصراع الفارسي العراقي» يجد ذلك بوضوح؛ لأنَّ الكتاب يحاول إعادة تفسير التاريخ بين الشعبين على أسس عدوانية تاريخية من عهد سومر إلى عهد صدام حسين، وتمّ وفق ذلك تفسير التاريخ المعاصر والحرب الحاصلة بين البلدين بأنّه استصحاب للعدوانية الإيرانية ضدّ العراق.
4 ـ أيضاً إنّه فكر سياسي علماني لا يمتّ إلى الدين والإسلام بصلة، وبهذا وجدنا أنّ العديد من رجالات المؤسسة التعليمية ضمن تشكيلات هذا الفكر المعادي. وقد كانت المؤسسة الأمنية البعثية تراقب ذلك بقوة، وتنتهج مختلف الأساليب لتركيع المؤسسة التعليمية للأخذ بهذا المنهج الخطير، شاءت المؤسسة أم أبت، نحو صياغاتها التي تريد، هذا فضلاً عن المشوّقات وسياسة الترغيب والترهيب، أي ترهيب يمكن أنْ نتصوّره لمن يخالف المنهج البعثي الصدامي، يمكن أنْ نأتي بمثال واحد: وهو أن تطلع وزير العدل شبيب المالكي لساعته خلال اجتماع له مع صدام، فقال له صدام: هل لديك موعد أهمّ من كلامي، فأمَرَهُ أنْ يجلس على كرسيه ثلاثة أيام إلّا فترة الأكل وقضاء الحاجة، ثمّ طرده من منصبه.
وكان صدام يتابع المؤسسة التعليمية بنفسه، كي لاتخرج عن خارطته التي رسمها ورسم سكّتها التي أراد لكلّ التعليم أنْ يركبها ويسير عليها.
سمات الثقافة السياسية للمؤسسة التعليمية بعد 2003:
إنَّ الرواسب التي تربّت عليها المؤسسة التعليمية من توجّهٍ غربي وقومي لاديني، وتأثرٍ كبير بفكر حزب البعث السياسي، تجعل من الصعوبة الآن أنْ تجد طبقة علمية وأكاديمية قادرة على تربية الأجيال تربية إسلامية سياسية تنسجم مع تطلعات المرحلة الحاضرة، بل مازالت أفكار حزب البعث تتركّز في البعض من الوسط الأكاديمي إلّا عدداً قليلاً، وهو أيضاً بحاجة إلى إعادة تنظيم فكره السياسي من جديد، بيد أنّه من المؤسف أننا لم نجد لدى الحركات الإسلامية، ولا في منهج الدولة والحوزة والنخب مشروعاً لإنتاج مؤسسة تعليمية قادرة على النهوض بمشروع ثقافي سياسي جديد ينسجم مع التحوّلات السياسية الجديدة في العراق، لا في المنهج ولا في الكادر من خلال ثورة ثقافية سياسية تعالج الخطأ، وتلغي المنهج الفكري والتعليمي القديم.



لاننكر وجود طبقة تعليمية غيورة على دينها، تدعو إلى النهضة العلمية السليمة، وتطالب بإلحاح بإعادة إنتاج فكر سياسي من خلال تربية الأجيال تربية صحيحة لكن اعادة انتاج العقل العراقي لايتكفله وزير او مدير او حزب او موسسة بل هو مسولية عامة تبداء من الحوزات وتستمر على يد المثقفين والكتاب والنخب والاكاديميين وتنتهي بتعضيد المسولين.
نحن نحتاج الى اعادة صياغة العقل العراقي وخصوصا الاجيال الجديدة فلا يمكن ان يتولى امرهم الجيل البعثي ولا ان تستمر ثقافة البعث ومن هنا نحتاج الى اعادة النظر في كل المناهج من رياض الاطفال وصولا الى القمة . والله الموفق .

عن الكاتب

مدير at مركز العراق للدراسات ومركز الهدى للدراسات | + المقالات

ولد في العراق عام 1965
حكم بالموبد زمن الطاغيةوقضى فترة ١١ سنة في الاعتقال
درس الشريعة الاسلامية وحضر دروس البحث الخارج اية الله الشيخ هادي ال راضي.. فقة، وأصول على يد المرحوم على رضا الحائري
حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة المصطفى العالمية
من مؤلفاته المطبوعة
الثقافة السياسية للشعب العراقي
سنة العراق بعد ٢٠٠٣
شيعة العراق بعد ٢٠٠٣
المنهج الأمني في نهج البلاغة
عشرات المقالات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى