أحدث الأخبارفلسطين

الشاطئ … المخيم الذي ينهشه الإهمال ويقضمه البحر

كتب: عماد توفيق عفانة
مدير مركز دراسات اللاجئين

*المخيم والجغرافيا…ميزة أم لعنة:*
حكمت الجغرافيا على مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة، الذي يعد ثالث أكبر مخيمات اللاجئين الثمانية في قطاع غزة، باستحالة التوسع او التمدد اسوة بمخيمات اللاجئين الأخرى التي حظيت بمساحات مكنتها من التوسع والتمدد، فبقي المخيم سجين الجغرافيا، يحبسه البحر من الغرب، وتحاصره احياء المدينة الحديثة من مختلف الجهات الأخرى.

*الأكثر كثافة سكانية في العالم:*
حافظ مخيم الشاطئ على اكتظاظ سكاني ربما هو الأعلى في القطاع بل في العالم، نحو 100 ألف لاجئ في مساحة ضيقة لا تتجاوز 747 دونمًا، حيث المساكن المتلاصقة والأزقة الضيقة، والأرصفة المحتلة من التجار والباعة، والبنية التحتية المتهالكة، ونقص المرافق الترفيهية والاجتماعية، والشوارع التي اختفت معالم أسفلتها بين الرقع، وكأن البؤس أبى إلا أن يرافق المخيم حتى يخرج من بين صفوف اللاجئين رجال قادرين على تغيير هذا الواقع المزرى.



*المخيم المهمل*
سمي “مخيم الشاطئ” أحد أبرز المناطق الفلسطينية احتضانا وتخريجا للقيادات الفلسطينية، والذي أقيم عام 1951م، سمي بهذا الاسم كونه يقع على شاطئ البحر غرب مدينة غزة.
وعلى الرغم من أن المخيم لا يبعد عن وسط مدينة غزة سوى بنحو 4 كلم فقط، حيث يتبع لنفوذ بلدية غزة، الا أنه لم يحظى ببلدية أو بمجلس بلدي أسوة بمخيمات أخرى، فترك لينهشه الإهمال، ويقضمه البحر، بفعل المد البحري جراء إقامة ميناء الصيادين على عاتقه الجنوبي، ما حجب عنه المد الرملي الطبيعي الذي يغذي سواحله الصفراء بالرمال الذهبية، فتحولت سواحله الى خرائب تسكنه القوارض، وتنتشر على صفحته الصخور، ويوشك أن تلتهم امواجه العاتية أسفلت الشارع المحاذي، ما حرم عشرات الالاف من سكان المخيم من المتنفس الوحيد الذي كانوا يروحون به عن أنفسهم، وكأنهم استكثروا على سكان المخيم أنفاس البحر النقية ورماله الذهبية.

*السطو على قلب المخيم:*
يقع قلب المخيم التجاري وسط الجزء الجنوبي من المخيم قرب السوق، وقد سيطرت على جزء كبير منه التعديات، بإقامة محطة بترول لسنوات طويلة، وعلى الرغم من انها نقلت اعمالها منذ نحو عامين الى خارج المخيم، الا ان التعديات ابت ان تفارقه.
فما زال مكان المحطة مهملا متروكا، فيما يقوم البعض بتأجير ارصفة المارة حولها للتجار والباعة بشكل غير قانوني، في الوقت الذي يغيب فيه أي أثر او تأثير للبلدية التي تكتفي بجباية الرسوم من السوق والمحلات عن تنظيم المكان.
*ضعف اللجان الشعبية وانتهاك حقوق اللاجئين:*
من الملاحظ غياب أي أثر فاعل للجان الشعبية التابعة للفصائل، في تنظيم قلب المخيم او سوق المخيم بشكل لائق، وفي الحفاظ على حقوق اللاجئين في مرفق يعد متنفس مهم في قلب مساحة محدودة.
كما يلحظ ضعف اللجان الشعبية بالسماح لبلدية غزة بجباية ثمن المياه من اللاجئين في المخيم، علما ان البنية التحتية للمياه الصحية وصلت لبيوت اللاجئين عبر تنفيذ مشاريع ممولة دوليا، في الوقت الذي تتكفل فيه الأونروا بمد منازل اللاجئين بالمياه الصحية في مخيم جباليا نظرا لوجود لجان شعبية قوية.

*الشاطئ يغرق في الظلام:*
في الوقت الذي تتلألأ فيه شوارع مدينة غزة بأعمدة الانارة، وبالزينة التي ينشرها بعض كبار التجار والمحلات، يلف الظلام شوارع مخيم الشاطئ وأزقته، حيث أعمدة الانارة المحدودة في الشوارع الرئيسة المعدودة، وانعدامها في الأزقة والشوارع الضيقة.
فيما تجتهد شركة الكهرباء هذه الأيام في فرض العداد الذكي على بيوت وسكان المخيم، الذين تتفشى في صفوفهم البطالة، ويرزح أغلبهم تحت خط الفقر، ولسان حال شركة الكهرباء يقول إن المخيم مجرد بقرة حلوب، دون أية مسؤولية للشركة عن تقديم أدني الخدمات لعشرات الالاف من سكان المخيم الذي يلفه الظلام.
ورغم أن شركة الكهرباء شركة خاصة، إلا أنها تنفذ سياستها لإفراغ جيوب سكان المخيم بمعاونة رجال الشرطة، الأمر الذي يثير رفض واستهجان السكان الذين كانوا يأملون أن تكون الشرطة نصيرا ومعينا لهم في وجه شركة احتكارية تجني عشرات الملايين كل عام كأرباح من جيوب المعدومين.

*التنكر لقرار الرئيس أبو عمار*
جدير بالذكر أن الرئيس أبو عمار أصدر قراراً بإعفاء مخيمات اللاجئين من دفع مقابل خدمات الماء والكهرباء، ورغم ان القرار تم تطبيقه في مخيمات الضفة الغربية نظرا لوجود لجان شعبية قوية، حيث تتحمل الحكومة هناك تسديد فواتير الاستهلاك المنزلي لمخيمات اللاجئين في الضفة، لم يجد القرار تطبيقا له في مخيمات غزة نظرا لضعف اللجان الشعبية التي ترعى شؤون اللاجئين فيها.

*دورة حياة المخيم*
التجأ الفلسطينيون المهجرون من القرى والمدن الساحلية الواقعة في جنوب فلسطين ووسطها والتي تتبع أقضية غزة وبئر السبع ويافا والقليل منهم من منطقة الشمال، ومن هذه القرى والمدن: هربيا، بربرة، برير، الجورة، دير سنيد، دمرة، الجية، جولس، والسوافير، المجدل، حمامة، أسدود البطاني، عبدس، سمسم، هوج، كرتية المسمية، يافا، اللد، الرملة الخصاص، ويبنى”.
التجأوا هربا من الموت العاجل برصاص الأعداء إلى مخيم الشاطئ للاجئين، لينتظروا الموت ببطيء، في الخيام البالية الضيقة، والتي تطورت بعد سنوات من المكابدة الى بيوت القرميد والزينكو أو الأسبستوس، حيث دورات المياه في الشوارع للرجال وأخرى للنساء، وكأنهم في معتقل مفتوح، ثم تطورت كثير من بيوت المخيم بجهود ذاتية، مضطرةً بفعل الزيادة السكانية الطبيعية مع ثبات المساحة الجغرافية، الى بيوت اسمنتية ذات طبقات متعددة، يحشرون فيها كفراخ التسمين في مزارع الدجاج.

*فشل مشاريع التهجير*
وعلى الرغم من ان العدو عمد الى هدم أكثر من 2263 غرفة في المخيم عام 1971م بحجة شق طرق وتوسيع المخيم، بهدف السيطرة على الثورة المسلحة في المخيم، وتهجير عدد من ساكنيها إلى العريش المحتلة في حينه، وعدد آخر تلقوا تعويضات بسيطة خارج المخيم.
إلا أن المخيم حافظ على نسبة مرتفعة جدا من الاكتظاظ، حيث لم تفلح مشاريع التوطين “الشيخ رضوان”، “الصفطاوي” شمال شرق المخيم، سوى في خفض مؤقت لعدد السكان، لكن وتيرة الانجاب المرتفعة بين اللاجئين أعادت الكثافة المرتفعة الى سابق عهدها، وكأن اللاجئون يصرون على تسجيل انتصارهم الخاص في حرب الديموغرافيا.

*الصيد ومهنة رجال المخيم*
يعمل عددا من أبناء المخيم في التجارة والنقل وبعض المهن المحلية، فيما يعمل ما يزيد عن 600 شخص في سوق المخيم الذي تسكنه الفوضى، وتستوطنه التعديات، ويلفه الإهمال، على الرغم من بناء السوق تكفل به تمويل دولي، إلا سوء إدارة البلدية والقائمين على شؤون اللاجئين له، خلف سوقاً لا يليق بمخيم الثورة والثوار، ولا حتى بجيل القرن الـ 21.
ولأن المخيم يقع على شاطئ البحر مباشرة، فقد مارس اللاجئين المهجرين من القرى الساحلية كالجورة وحمامة ويافا، مهنة الصيد بقواربهم القديمة، وامكاناتهم البسيطة، حيث يشكل الصيد ما نسبته 30% من اقتصاد المخيم الذي يصر على البقاء شامخاً في إشرافه على بحر غزة، شاهداً على كل الأحداث الجسام، يحذوه الامل المحفور في ذاكرة الأجيال، بالعودة إلى هناك، وما أدراك ما هناك، فقد رسمت حكايا الأجداد والاباء صورة قرمزية للبلدات والقرى وسط أشجار البرتقال والزيتون والنخيل، وتنسم عبق أشجار فاكهة التين والجميز والعنب الأصفر التي تتوسط بيادر القمح والذرة والشعير.



*المخيم الثائر ومدرسة القيادات*
ومن أجل تحقيق حلم العودة إلى هناك، شهد المخيم بروز حركات مقاومة شعبية منذ مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي، ما أوقع كثيرا من الشهداء والجرحى، والبيوت المهدمة والأسرى، وفرض عليه كبقية المخيمات الثائرة منع التجول لفترات طويلة، مارس العدو خلالها أبشع أنواع القمع والقهر والحصار.
ولعب المخيم دورا مهما في مقاومة الاحتلال على مدار تاريخه وافرز عدد من القيادات الفلسطينية، مثل الدكتور خليل القوقا الذي قضى في المنقى، كما خرج المخيم قائد أول عملية فدائية بحرية ابان انتفاضة الأقصى عام 2000م قادها الشهيد حمدي نصيو.
ومن أبرز القيادات التي خرجها المخيم كان الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة “حماس”، وإسماعيل هنية رئيس مكتبها السياسي، والشهيد إسماعيل أبو شنب، وعدد من قادة حماس السياسيين والعسكريين مثل: الشهيد صلاح شحادة، والشهيد عدنان الغول، وغيرهم.
كم أنجب المخيم قادة كثر من حركة فتح منهم: عبد الفتاح حميد، سهيل عبيد، والشهيد رفيق السالمي، ومن الجبهة الشعبية وليد الغول، والشهيد محمد الأسود “جفارة غزة”، وغيرهم.
أما ألوية الناصر صلاح الدين فكان مؤسسها الشهيد أبو يوسف القوقا من مخيم الشاطئ، كما أن أول قائد لسرايا القدس الذراع العسكري للجهاد الإسلامي الشهيد محمود الخواجا كان من مخيم الشاطئ.

*المخيم ينتظر من ينقذه*
وما زال المخيم ينتظر الوفاء من أبنائه القادة والمناضلين، لإخراجه من جب النسيان والإهمال، لجهة النهوض به أسوة ببقية أحياء المدينة التي يتبعون لبلديتها، لناحية اسناد صمود اللاجئين، وضمان تحقيق حياة كريمة لهم الى حين تحقيق التحرير والعودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى