أحدث الأخبارالعراقمحور المقاومة

الشيعية السياسية والتحديات

مجلة تحليلات العصر الدولية

ارتبط تأريخ العراق بصورة مباشرة بشيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، و ترسخ التشيع العلوي فيه منذ أن غادر الإمام علي عليه السلام المدينة المنوّرة متوجّهاً إلى العراق واستوطن الكوفة عندما هاجر كثير من الشيعة معه وسكنوا العراق، فشكلوا هناك نواة التشيّع ونموّ المجتمع الشيعي في العراق، ولا سيما في الكوفة، فصارت معقل الشيعة، ولمّا استشهد الإمام ، حاول الأمويون وعمالهم القضاء على التشيّع و اجتثاثه باستخدام شتّى الأساليب الإجرامية الرهيبة من دون أيّ وازع من ضمير.

منذ استشهاد الامام الحسين عليه السلام ، ونشوء حركات الثأر العديدة ، ظل الحكم الشيعي في العراق حلماً يراود أتباع علي وأهل بيته وفق منطق حق الأغلبية ، وكونهم أيضاً يمتلكون الطاقات والكفاءات، وأنهم تميزوا على غيرهم ليس فقط في العالمين العربي والاسلامي، بل في كافة بلدان العالم …
وفي هذا الواقع ، واجه الشيعة تحديات كثيرة لثنيهم عن تحقيق حلمهم في إقامة الحكم الشيعي ، وقد برز ذلك بشكل كبير بعد العام 2003 وبعد مشاركتهم الفاعلة في الحكومات المتعاقبة تتكرر كثيرا ومحاولات زرع اليأس في نفوس الجمهور الشيعي وإيجاد هوة كبيرة بينه وبين القيادات والنخب.
الى جانب تحديات الارهاب الذي بدأ بٌعيد الاحتلال الأنجلو أمريكي تحت يافطة (المقاومة السنية ) لاشغال الحكومات بعد الفشل في إسقاطها ، كان إعلام الدول العربية (السنية) يروج لكذبة أن “الشيعة ليسوا مؤهلين للحُكم”، والتي نجح هذا الإعلام الى حد كبير، في غسل أدمغة جزء من الجمهور الشيعي ليردد هو هذه الكذبة و أن “الشيعة يصلحون للمعارضة فقط وليس للحكم”.
وكان واضحًا منذ مظاهرات تشرين العام 2019 ، أن الأطراف الدولية والاقليمية والمحلية التي ساهمت بشكل مباشر في التآمر على تجربة المشاركة الشيعية في الحكم بعد 2003، نجحت في تشويه سمعة القيادات والنخب السياسية الشيعية وإظهار القيادات السياسية الشيعية بأنها فشلت في الحفاظ على المكاسب التي تحققت بعد سقوط نظام صدام .
لقد تآمرت دول العالم بأجمعها على تجربة ما سمي بالحكم الشيعي السياسية في العراق رغم أن الحكم شاركت فيه جميع القوى السياسية بمختلف انتماءاتها المذهبية والقومية ، ويتحمل الجميع مسؤولية سوء الإدارة والفساد المستشري والذي خرجت ضده مظاهرات تشرين.
وشن المنبطحون فكرياً من الشيعة ، بعد إغرائهم بالمال السياسي، واستضافتهم المتكررة في قنوات المتآمرين الدوليين والاقليميين وتوابعهم، حملات تشويه ظالمة استهدفت النخب السياسية الشيعية بحجة أنها لم تغادر خطاب المعارضة وعقدة التفكير الملتبسة كأقلية مظلومة ، رغم مشاركتهم في السلطة . ولذلك تجد هؤلاء المستلبين حضارياً أمام الغرب، يفكرون بمنطق “جماعة شيعية إصلاحية تنويرية داخلية” في قبال “جماعة شيعية خارجية”، والتعاطي مع الأمور السياسية بهدف تمزيق البيت الشيعي وإضعاف نفوذ القوى الشيعية السياسية ، والتلويح تحت خسارة المكاسب السياسية للشيعة، وبالتالي النجاح في ضياع فرصة الشيعة بالحكم.
بموازاة ذلك، تبرز مسألة أخرى وهي “حكومة الأغلبية الوطنية “، وهنا يعمل ما أصبح يٌعرف بتحالف الجلسة البرلمانية الأولى على تحويل أزمة الأحزاب السياسية الشيعية مع السلطة إلى أزمة بنيوية، ولذلك تجد الكثير من المواقف السياسية غير محسومة، فالمطالبون بـ “حكومة الأغلبية الوطنية ” لديهم على مدى السنوات الماضية تمثيل بالحكومة ، وبنفس الوقت خطاب السياسي داخل البرلمان وخطاب في الشارع كمعارضة. بل تعدى الأمر إلى ازدواجية المواقف، إذ تجدهم يسيطرون على مؤسسات الدولة لكنهم يسعون إلى العمل بمنطق الدولة الموازية! ومن خلال تقييم سلوكهم في إدارة الدولة، تجدهم يتصرفون على اعتبار أن الدولة ليست دولتهم، وبالتالي يجب تمزيق البيت الشيعي، لتصبح الدولة كلها بيدهم.
كان هذا التحالف الثلاثي مسؤولًا عن غالبية الفساد وسوء الإدارة بكل الأنواع وبمختلف التسميات الذي تتكثف أبرز ملامحه في المحافظات الوسطى والجنوبية ، من خلال تسلمهم الوزارات الخدمية، وهذه الأحزاب والقوى السياسية التي كانت ولا تزال تهيمن على القرار الحكومي وتمسك بزمام السلطة في المحافظات ، أصبحت بفعل الانتخابات المزورة ، تتمتع بالأغلبية داخل مجلس النواب ، ويجري الآن توظيف ذلك لخدمة تحالفهم ، وهنا تحديدا تكمن النقطة التي يمكن أن تؤكد حجم المؤامرة على البيت الشيعي باستمرار تسليط النقد الموجّه للقيادات السياسية الشيعية المعارضة لبقاء قوات الاحتلال ، والمناوئة لداعش وعموم الارهاب.
مشكلة هذا التحالف الذي مازال متماسكاً بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا المتعلق بالنفط والغاز في كردستان، تكمن في مسألة أن القوى المتحالفة فيه لا تؤمن بمشروع الدولة، إذ لطالما كانت صراعات القيادات السياسية الكردية السنية عنوانها الأبرز كسر الإرادات بين الخصوم. ومن ثم، لم يكن هناك مشروع سياسي متفق عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى